هل استلهم بوتين الحرب على أوكرانيا من كتاب “رقعة الشطرنج الكبرى”؟

يقول المحلل الجيوسياسي البريطاني هالفورد ماكيندر: من يحكم أوروبا الشرقية يسيطر على قلب المنطقة، ومن يحكمها يحكم جزيرة العالم (أوراسيا) ومن يحكم جزيرة العالم يهيمن على العالم، لتصبح أوروبا الوسطى وخاصة أوكرانيا -وفقا لهذه المعادلة التي تعود إلى قرن من الزمان- منطقة محورية.

شبكة المدار الإعلامية: منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا يحاول نقاد وكتاب استكشاف أوجه التأثير الفكري التي قد تكون ألهمت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قرار الحرب، إضافة إلى الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية والعسكرية المعروفة، وبخلاف المفكرين الروس الذين يستشهد بوتين بأقوالهم، هناك كتاب أميركي ربما يساهم في فهم دوافع هذه الحرب.قالت مجلة لوبوان (Le Point) الفرنسية إن كتابا نشر عام 1997 بعنوان “رقعة الشطرنج الكبرى” (The Grand Chessboard) دعا فيه كاتبه زبيغنو بريجنسكي، المستشار الدبلوماسي السابق لجيمي كارتر، إلى توسع الناتو ليشمل أوكرانيا، وكان بمثابة اعتراف بالنسبة للكرملين والدبلوماسيين وكبار الضباط الروس، ودليلا على أن الولايات المتحدة تريد عزل روسيا من خلال دمج أوكرانيا في كيان أوروبي وأطلسي.

إنه إذن كتاب مهم -كما يقول سعيد مهران الذي أعد التقرير للمجلة- لأنه يسمح بفهم بعض الأسباب التي دفعت بوتين إلى مهاجمة جاره الأوكراني، وقد كتبه بريجنسكي، أحد كبار المنظرين لإعادة تشكيل العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، مثل هنري كيسنجر وصموئيل هنتنغتون وفرانسيس فوكوياما.ومع أن هذا الكتاب ليس به توجه “رسمي” ولم يشترك فيه أحد مع مؤلفه ولا علاقة له بالإدارة الأميركية، فإن كاتبه المولود في بولندا عام 1928، قد هاجر بسبب الغزو السوفياتي من بلاده إلى الولايات المتحدة وهو صبي لم يتجاوز 11 ربيعا، وهناك أصبح أستاذا للعلوم السياسية بجامعة هارفارد، وارتبط بالحزب الديمقراطي، وقدم مفهوم القيم وحقوق الإنسان في عقيدة السياسة الخارجية الأميركية، وهو -كما يقول الكاتب- رجل ذو صوت مسموع في مناقشات العلاقات الدولية، ونظرا لتاريخه الشخصي ظل معاديا لموسكو.رغبات طموحةكتب بريجنسكي نقلا عن نابليون أن “الولايات المتحدة يجب عليها، إذا أرادت الحفاظ على تفوقها العالمي، ألا تتغاضى عن أهمية الجغرافيا السياسية” وأن “معرفة جغرافية أمة ما تكفي لفهم سياستها الخارجية”.

غير أن المقطع الأكثر اقتباسا من قبل بوتين والوفد المرافق أن “الولايات المتحدة تعمل على فصل ما يسمى الآن في موسكو بالخارج القريب، أي الدول التي تحيط بالاتحاد الروسي وتشكل الاتحاد السوفياتي” إذ أدرك بريجنسكي في وقت مبكر أن أوكرانيا حجر الزاوية في “رقعة الشطرنج الكبرى” ويضيف “عدم القدرة على توسيع الناتو رغم الجهود الأميركية يمكن أن يثير أكثر الرغبات الروسية طموحا”.وفي إشارة إلى مخاوف روسيا “المشروعة” بشأن نشر أسلحة نووية على أراضي الدول الأعضاء الجدد في حلف شمال الأطلسي (الناتو) يقترح المؤلف فرض قيود متبادلة، مثل رفض نشر جنود روس على حدود دول الحلف، منبها إلى أن “أوكرانيا يمكن أن تكون بدورها في وضع يمكنها من بدء المفاوضات بهدف الانضمام للاتحاد الأوروبي وحلف الناتو” خلال الفترة 2005-2010.وقد خصص الدبلوماسي وعالم الجغرافيا السياسية جزءا كبيرا من كتابه “رقعة الشطرنج الأوروبية الآسيوية” مستحضرا مفهوم “قلب القارة” الذي يعتبره “نقطة الانطلاق الأساسية” للسيطرة على القارة.

ويقول المحلل الجيوسياسي البريطاني هالفورد ج ماكيندر “من يحكم أوروبا الشرقية يسيطر على قلب المنطقة، ومن يحكمها يحكم جزيرة العالم (أوراسيا) ومن يحكم جزيرة العالم يهيمن على العالم، لتصبح أوروبا الوسطى وخاصة أوكرانيا -وفقا لهذه المعادلة التي تعود إلى قرن من الزمان- منطقة محورية”.اليد الممدودةتوجد في الكتاب فقرات أخرى تجعل الروس يقولون إنها بمثابة خطة المعركة الحقيقية للإدارات الأميركية المختلفة، إذ يلاحظ بريجنسكي أن “استقلال أوكرانيا يغير طبيعة الدولة الروسية، وبالتالي فإنها المربع المهم الجديد على رقعة الشطرنج الأوروبية الآسيوية، لأن روسيا بدون أوكرانيا لا تعود إمبراطورية في أوراسيا”.

ويواصل بريجنسكي حديثه عن مصلحة روسيا بالسيطرة على أوكرانيا قائلا “بالنسبة لموسكو، فإن استعادة السيطرة على أوكرانيا، التي يبلغ عدد سكانها 52 مليون نسمة ولديها العديد من الموارد وإطلالة على البحر الأسود، يعد تأمينا لتصبح مرة أخرى دولة إمبراطورية قوية تمتد عبر أوروبا وآسيا. وستكون لنهاية استقلال أوكرانيا عواقب فورية على أوروبا الوسطى”.وتساءل الدبلوماسي عن توسع الاتحاد الأوروبي إلى الشرق و”هل يجب أن يتواءم مع الحد الشرقي للناتو؟” لينبه إلى أنه تم التوصل فيما يبدو إلى إجماع لصالح قبول دول أوروبا الوسطى في كل من الاتحاد الأوروبي والناتو، لكن النقاش لا يزال مفتوحا حول الوضع المستقبلي لجمهوريات البلطيق، وأوكرانيا.

غير أن بريجنسكي، في تحليله، يذهب إلى حد الدفاع عن مد يد التعاون لروسيا، ولكنه يشير إلى أن القادة معادون لها، وحتى “اللفتات الودية” من الغرب نحو روسيا، تبدو للأعضاء المؤثرين في الطبقة السياسية طريقة لحرمانها من الحق في الحصول على وضع عالمي.

المصدر : لوبوان الفرنسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post جنرالات السودان وجاهلية القرن الـ21
Next post التايمز: طبيب أورام زار بوتين العديد من المرات خلال الأعوام الأربعة الماضية
%d مدونون معجبون بهذه: