people sitting on gang chairs

خدمات البَث الدولية على الاستثمار في صناعة السينما السويسرية

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_ما هو التَوَجُّه الذي ستختاره سويسرا هذه المرّة؟ من المُقَرَّر أن يُدلي الناخبون والناخبات بأصواتهم لتقرير ما إذا كان ينبغي إرغام خدمات البَث الدولية على الاستثمار في صناعة السينما السويسرية. فهل ستحذو سويسرا حذو جيرانها في دَعم الإنتاج المحلي، أم أنها ستتخلف عن الرَكب في سوق الأفلام شديد التنافسية؟

يُصوت الناخبون السويسريون يوم 15 مايو المقبل على مُقترحٍ لِتَعديل القانون الفَدرالي للثقافة والإنتاج السينمائي أطلق عليه ‘قانون نتفليكس’، كان البرلمان الفدرالي قد اعتمده في خريف عام 2021 بغية حماية صناعة الأفلام السويسرية المُسْتَقِّلة. وكان هَدف الحكومة من هذا التعديل هو تَنظيم وجود خدمات البَث الدولية الرئيسية في سويسرا مثل نتفليكس وأمازون، وإلزامها باستثمار 4% من عائداتها في سويسرا للسينما والصناعة السَمعية البَصرية السويسرية.

وبِحَسب تقديرات المكتب الفيدرالي للثقافة وكذلك البرلمان السويسري، يُتَوَقَّع أن يُوَلِّد المَبلَغ المُستَثمَر سنوياً بين 18 مليون فرنك (19,3 مليون دولار) و30 مليون فرنك (32,2 مليون دولار) إضافي لفائدة صناعة السينما السويسرية.

هذه النسبة من الإستثمار هي موضع النقاش؛ حيث يرى مُعارضو التعديل انه “مناهض للليبرالية” وأنه سُيعاقب المُستهلكين، بينما يؤيّده مُمتهِنوا هذه الصناعة إلى حَدٍّ كبير. وفي شهر مارس الجاري، وخلال مناقشة في آخر دورة من مهرجان لقاءات الفن السابع بلوزانر “، قال المخرج والمُنتج السينمائي السويسري فريد بايليف: “أنا لا أفهَم كيف يُمكن لأي شخصٍ أن يكون ضد هذا المُقترح”.

مع ذلك، كانت المُعارضة على المستوى السياسي كافية لِفَرض تصويت بشأن التعديل على الصعيد الوطني. وكانت الأجنحة الشبابية للأحزاب السياسية الرئيسية في سويسرا (الحزب الليبرالي الراديكالي، يمين وسط، وحزب الشعب السويسري اليميني المحافظ، وحزب الخُضر الليبراليين وحزب الوسط) قد أعلَنَت بالفعل عن إجراءِ استفتاء قَبل أن تقرر الحكومة فَرض “ضريبة” الـ 4%.

على الجانب الآخر، اتَّسَمت مُقاومة الاقتراح في بعض الأوساط بالشَراسة، كما اتضح في تغريدة نشرها فيليب نانترمو، نائب رئيس الحزب الليبرالي الراديكالي، شبَّه فيها القانون بـ “شفارتسَنباخ 2.0″، في إشارة إلى استفتاء أُجري في عام 1970 كان يَهدف إلى تَقليص عدد المُقيمين غير السويسريين في البلاد بشكل كبير.

وقد اعتَرَض نانترمو على شعار المؤيّدين الذي يَحمل عبارة “ماذا لو كان عَرضَك المُفضل القادم سويسرياً؟”. وبالنسبة له، كان الشعار يعني أن الهوية الوطنية هي كل ما يهم، في حين أن العبارة تعترف ببساطة بأن البَث الرقمي بشكل عام، ونتفليكس بشكل خاص، إنما سلَّطَ أضواء عالمية جديدة على أعمال إنتاجية من مُختلف أنحاء العالم، سواء من إيطاليا، أوفنلندا، أو تركيا، أو إندونيسيا، أو كوريا الجنوبية أو البرازيل.

المُستهلكون السويسريون يَدفعون أكثر بالفعل

يَدَّعي المعارضون أيضاً أن نَصّ التعديل الذي يُملي على شركات البَث كيفية إعادة استثمار أرباحها غير مَسبوق. مع ذلك، فإن تدقيقاً للحقائق نُشِر على موقع للمؤيدين يَدحَض ذلك؛ حيث تَنطبق قاعدة الـ 4% بالفعل على الموزعين الوطنيين مثل Swisscom TV.

يقول المسؤولون الذين يقفون وراءَ الاستفتاء أيضاً إن القانون سيؤدي إلى ارتفاع أسعار عروض الاشتراك في الخدمات المُختلفة. مع ذلك، لا ترفع نتفليكس أسعارها إلّا في مناطق مُعينة بِغَض النَظر عن القوانين المحلية. وفي سويسرا مثلاً، ارتفع اشتراك نتفليكس “بريميوم” من 21,90 فرنك إلى 24,90 فرنك. ويُجادل مؤيدو التعديل بأنه، وبالنَظَر إلى إرتفاع خدمات البَث – بما في ذلك نتفليكس – في سويسرا بالمقارنة مع البلدان الأخرى، فمن العَدل فقط أن تُقَدِّم هذه الخدمات شيئاً في المقابل.

ووفقاً لموقع comparitech الذي يقدم المعلومات للمستهلكين لِغَرَض المُقارنة، فإن أغلى معدلات الاشتراك في نتفليكس تتواجد في سويسرا وإمارة ليختنشتاين، حيث تزيد تكلفة الاشتراك بين فرنكين و5 فرنكات اعتماداً على البلد وفئة الاشتراك. وكما كَشَف موقع المقارنة أيضاً، فإن قائِمة البرامج التلفزيونية والأفلام المُتاحة للمستهلكين السويسريين هي أقل مما هو مُتاح في الأسواق الأخرى على الرغم من ارتفاع الأسعار.

من جانبهم، يقف المُخرجون بقوة خَلف هذا التعديل، ويتفقون على أن التصويت بـ “نعم” سوف يضع سويسرا على قَدم المُساواة مع الدول الأوروبية الأخرى.

مُقارنة أوروبية

توجد قوانين مُماثلة بالفِعل في بلدان مثل إسبانيا وفرنسا. وبرأي المؤيدين، فإن التعديل المُقترح من شأنه أن يحافظ على القُدرة التنافسية لصناعة السينما السويسرية على الصعيد الأوروبي.

في ألمانيا , تُطالَب خَدَمات البَث بالاستثمار في الصندوق الوطني للأفلام في حال تَجَاوَزَت إيراداتها السنوية المتعلقة بالأفلام في البلاد مبلغ 500,000 يورو (512,000 فرنك). ويبلغ مُعدل الاستثمار إما 1,8% أو 2,5%، اعتماداً على ما إذا كانت هذه الإيرادات تصل إلى 20 مليون يورو أو تزيد عن ذلك.

وكان موقع نتفليكس قد رَفَض في البداية سَداد الدفعات المطلوبة بين عامي 2014 و2019، بِحِجّة أن الشركة لم يكن لها أي وجود حقيقي في ألمانيا، لأن مَقَرَّها الأوروبي آنذاك كان في هولندا.

في المملكة المتحدة، لا يوجد حالياً أي قانون يُنَظِّم علاقة نَتفليكس مع صناعة الأفلام المحلية. مع ذلك، تعاونت خدمة البَث مؤخراً مع منظمة Creative UK في المملكة المتحدة [هي منظمة غير ربحية تدعم الصناعات الإبداعية في المملكة] لإطلاق مُبادرة تُسمى الاختراق  (Breakout)، تَهدف إلى دَعم تطوير وتمويل الأفلام الروائية التي تُعرض لأول مرّة في الدولة. وسوف يتلقى مشروع واحد على الأقل ميزانية إنتاجية قدرها 1,5 مليون جنيه إسترليني (1,84 مليون فرنك) وتوزيع عالمي مضمون على منصة نتفليكس.

معركة المهرجانات

بالنظر إلى علاقتها المُضطَرِبة أحياناً مع خدمات البَث، تبدو الحالة الفرنسية جديرة بالملاحظة؛ حيث قامت نتفليكس بتوقيع اتفاقية مع صناعة السينما الفرنسية، تلتزم بموجبها باستثمار 4% من صافي مبيعاتها السنوية في فرنسا في صناعة السينما الفرنسية والأوروبية. ومقابل هذه الاستثمارات، تتمكن المنصة الأمريكية من بَث الأفلام الروائية التي تم طرحها في دور العرض بعد 15 شهراً من “الإفراج المسرحي”، مما أدى إلى تقليص النافذة الإلزامية التي كانت مدتها 36 شهراً إلى أكثر من النصف.

وكان القانون الفرنسي في السابق يفرض فترة انتظار مدتها 36 شهراً تفصل بين الإصدار السينمائي (أي طرح الأفلام في دور العَرض) والبَث المنزلي، سواء على التلفزيون أو المواقع الإلكترونية فيما يُعرف بقانون “الإفراج المسرحي”. لهذا السبب لا تطرح نتفليكس أفلامها الأصلية في دور السينما الفرنسية، باستثناء الأحداث الخاصة وتلك المتعلقة باستعادة الأحداث الماضية.

ولم تظهر أفلام نتفليكس في مهرجان كان السينمائي منذ عام 2017، عندما أدى الغضب العام على إثنين من أفلامها المشاركة في المسابقة الرئيسية للمهرجان إلى تنفيذ قاعدة جديدة في العام التالي تنص على وجوب أن يكون لجميع الأفلام المقدمة للأقسام التنافسية للمهرجان إصدار سينمائي مُنتَظَم في فرنسا.

حتى الآن، لا يزال ‘كان’ هوالمهرجان هو الوحيد الذي يَتَّبِع مثل هذه القاعدة، وُفقاً للفنان السينمائى ألبرتو باربيرا، الذي يتولى رئاسة مهرجان فينيسيا السينمائي، والذي كان أول مدير مهرجان يَسمح لفيلم من انتاج عملاقة البث التدفقي بالمشاركة في المُنافسة.

وكما قال باربيرا لـ SWI Swissinfo.ch “

في عام 2015، عندما عَرَضنا فيلم “وحوش بلا وطن” (بالإنجليزية: Beasts of No Nation)، لم يَهتَم أحد حقاً بأن توزيعه تم من قبل نتفليكس”. وكما أضاف:” لقد بدأت الشكاوى مع الاحتجاج الذي انطلق في مهرجان كان وتغيير قواعدهم”.

spiral film strip
Photo by Pietro Jeng on Pexels.com

السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هنا هو: هل يمكن تطبيق مثل هذا النظام في حالة مهرجان البندقية ؟ “كلّا، على الإطلاق، لإن فرنسا حالة معزولة”، يرد باربيرا. وكما يضيف: “تتمتع السينما وزيارة دور العرَض بِوَضع خاص للغاية هناك، وهو غير موجود في أي مكان آخر. أنا لا أتذكر آخر مرّة حصل فيها كل فيلم شارك في المسابقة الرئيسية في البندقية في عام مُعين على إفراج مسرحي في إيطاليا”.

تعزيز الاقتصاد

خارج مجال السينما، هناك أيضاً مسألة الدعم الاقتصادي الشامل.

كانت الفنادق المحلية والشركات والمطاعم تَشعر بِسَعادة غامِرة لوجودنا هناك، لأن الأموال المُستخدمة في تصوير المسلسل تُستَثمَر مَرّة ثانية في قطاعات أخرى أبرزها السياحة”، كما قال بيير مونار. وأردَف قائِلاً: “إن فائِدة ذلك تعود على جميع السكان، وليس القطّاع الثقافي فقط. وسوف توفر نسبة الـ 4% رواتب وفُرص عمل للناس”.

ويشير المخرج السويسري أيضاً إلى أن الاستثمارات التي تُطالَب خدمات البث بالقيام بها ليست سوى جزء مما يتعين عليهم دفعه في أي مكان آخر. وتبلغ هذه النسبة في فرنسا مثلاً بين 12 و25%.

نتفليكس تتاهَّب

التصويت على التعديل المُقترح لا يزال يبعد عدة أسابيع، لكن نتفليكس تعمل بِجد بالفعل، حيث قامت بِفَتح مكتب لها في برلين للتعامل مع جميع المسائل المُتعلقة بِدول وسط أوروبا الثلاث، ألمانيا والنمسا وسويسرا.

وكان فولف أوستهاوس، المدير الإقليمي للسياسة العامة في نتفليكس، قد عَرَضَ الاستراتيجية السويسرية في شهر نوفمبر المنقضي خلال خطاب له في سوق جنيف الرقمي، وهو حَدَثٌ للتَفكير والتَبادُل والتواصل للمهنيين في المجال السمعي البصري والرقمي ورواد المهرجانات. وباختصار؛ من المُرَجَّح أن تكون القصة أكثر جاذبية كلما كانت أكثر خصوصية من الناحية الثقافية.

لكن هل ستحقق فكرة القصة نجاحاً أكبر كفيلم أو كمُسلسل؟ بِحَسَب أوستهاوس فإن ذلك يعتمد على صانعي الأفلام الفرديين وشركات الإنتاج. لكنه قال أيضاً أنه لا ينبغي تَوَقع أي محتوى مَحَلي من أطراف ثالثة.

“نحن سُعداء بالحصول على عناوين موجودة مثل “فولكَنبروخ” Wolkenbruch أو “نويمات” Neumatt لمشاهدينا العالميين، لكن من غير المنطقي أن نقوم بتوفير محتوى سويسري غير أصلي في سويسرا”، كما قال المدير الإقليمي للسياسة العامة في نتفليكس. وأضاف: “هناك بالفعل منصة البث الرقمي “بلاي سويس” Play Suisse [التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية] التي تقوم بذلك”.

swi

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post المدار ترصد أواخر أيام المثقفين ((الروائى الراحل محمد ناجى.. مدينته الإبداعية لغتها دافئة ومريرة))
Next post مشكلة الكاميرات في مطاري بروكسل وشارلروا
%d مدونون معجبون بهذه: