الواقع الجديد في آسيا الوسطى

أحمد عبده طرابيك

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_ ما الأسباب الحقيقية لتخلي محمدوف عن رئاسة تركمانستان لصالح نجله؟ وما علاقة اضطرابات المنطقة في أوكرانيا وكازاخستان وأفغانستان بذلك؟ تحليل أحمد عبده طرابيك.

خلال انشغال الرأي العام العالمي  بالعمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا، والصراع المحتدم بين روسيا من جهة والولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية من جهة أخري، جرت في جمهورية تركمانستان، إحدي الجمهوريات الخمس في آسيا الوسطي انتخابات رئاسية مبكرة في 12 مارس / آذار 2021، كان قد أعلن عنها الشهر السابق رئيس البلاد قوربان قولي بيردي محمدوف، والذي فاجأ الجميع بهذا القرار قبل عامين من الموعد الدستوري للانتخابات الرئاسية والتي كان من المقرر لها عام 2024.

وكما كان متوقعاً فقد فاز في تلك الانتخابات سردار نجل الرئيس، بنسبة تقترب من 73% من بين تسعة من المرشحين.

ترقية في المناصب بسرعة فائقة

ولد الرئيس قربان قولي بيردي محمدوف في 29 يونيو 1957، في قرية باب العرب التابعة للعاصمة عشق آباد، وتخرج من معهد الدولة التركمانية للطب عام 1979، كما نال شهادة في العلوم الطبية من موسكو، وشغل منصب طبيب الأسنان الخاص للرئيس الراحل صابر مراد نيازوف، ثم ترقى في المناصب بسرعة فائقة، ففي عام 1997 عُين وزيرا للصحة بعد أن شغل منصب مدير دائرة طب الأسنان لمدة عامين، وفي أبريل / نيسان 2001، أصبح نائبا لرئيس الوزراء، ومكلفا بشئون الصحة، ثم ترقى تدريجياً إلى منصب عميد الوزراء، وفي ديسمبر 2006، تم تعيينه قائماً بأعمال رئيس تركمانستان والقائد الأعلى للقوات المسلحة للبلاد، بعد وفاة سلفه صابر مراد نيازوف، الذي حكم البلاد منذ استقلال البلاد عن الاتحاد السوفيتي عام 1991.

تم انتخاب بيردي محمدوف رئيساً للبلاد في فبراير 2007، بمباركة من جهاز المخابرات، وفي بداية حكمه عمل على تفكيك رموز سلطة الحكم السابق، كما نقل التمثال الذهبي لسلفة صابر نيازوف من وسط العاصمة عشق أباد إلى ضواحيها، ليضع مكانه تمثال ذهبي له في 25 مايو / أيار 2015، وهو يمتطي جواده وممسكاً بحمامة في اليد اليمني، وأعيد انتخاب بيردي محمدوف مرتين أخريين، ووفقًا لجنة الانتخابات المركزية الرسمية كان من المقرر أن تنتهي ولاية بيردي محمدوف الحالية في عام 2024، قبل أن يصدر قراره المفاجئ بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة. 

يميل بيردي محمدوف إلى الظهور على شاشات التلفزيون في مشاهد استعراضية وهو يمتطي جواده، أو راكباً الدراجة، كما يقوم بالتأليف الموسيقي مع حفيده، وتلقى بعض مقاطع الفيديو هذه رواجاً على الإنترنت، كما كان رئيساً للجمعية الوطنية لخيول “أخال تكه”، وهي فصيلة وطنية يتغنى سكان تركمانستان بجمالها ورشاقتها، قبل أن يتنازل عن رئاسة الجمعية لابنه سردار، الذي تم ترقيته في أبريل / نيسان 2021، إلى مرتبة “المربي المحترم” لفصيلة من كلاب الرعاة تدعى “ألاباي”، وهي سلالة تحظى بالتكريم في تركمانستان.

ربما يكون الأب قد رسم نفس الطريق الذي سار عليه من قبل لابنه سردار، والذي يعني اسمه في اللغة التركمانية التي تنتمي إلي عائلة اللغات التركية “القائد”، وإن كان الابن قد درس الهندسة في جامعة عشق أباد، على غير ما درس والده الذي درس طب الأسنان، إلا أنه قد اخترق عالم الدبلوماسية في سن مبكرة، وعُين مستشاراً في سفارة تركمانستان في روسيا، وخلال عمله الدبلوماسي واصل دراسته التي تتناسب مع مستقبله السياسي، حيث درس العلوم السياسية في الأكاديمية الدبلوماسية في موسكو، وانتقل للعمل مستشاراً للبعثة الدبلوماسية لتركمانستان للأمم المتحدة في جنيف، واستغل وجوده في سويسرا ليستكمل دراساته السياسية في مركز جنيف للسياسة والأمن بموضوع “الأمن الأوروبي والعالمي”. 

خلال عمله في وزارة الخارجية، عُين سردار بيردي محمدوف، نائباً لرئيس الهيئة الحكومية لإدارة الثروات النفطية، وخلال فترة عمله تلك حصل على الدكتوراه في العلوم التقنية عام 2015، وانتقل للعمل البرلماني عام 2016، بعد فوزه بمقعد في مجلس النواب، وترأس لجنة القوانين بالمجلس، وفي عام 2017 مُنح لقب جنرال علي الرغم من أنه لم يحصل على أي مؤهلات عسكرية، وخلال عمله البرلماني عُين عام 2018 نائباً وزير الخارجية، وفي بداية عام 2019 عُين نائباً لحاكم ولاية “أخال” الغنية بمخزونات الغاز الطبيعي، وأشرف على إعادة توجيه صادرات الغاز الطبيعي من روسيا إلى الصين، وخلال فترة وجيزة تم تعيينه حاكماً للولاية.

وفي فبراير 2020 بدأت مرحلة جديدة في حياة سردار السياسية بتعيينه وزيراً للصناعة في تركمانستان، وبعدها بعام واحد تم ترقيته إلى منصب نائب رئيس الحكومة، أي نائباً لوالده الذي زاد من الاعتماد عليه في مهمات داخلية وخارجية، كما تم تعيينه رئيسا لغرفة الرقابة العليا، وبعد ذلك تم ضمه إلى عضوية مجلس أمن الدولة في 11 فبراير / شباط 2021، الأمر الذي كان يشير بقوة إلي اقتراب موعد توليه أعلي منصب في البلاد. 

نظام سياسي مغلق

سار الرئيس بردي محمدوف علي نهج سلفه الرئيس صابر مراد نيازوف، في إقامة نظام سياسي مغلق يمسك فيه بكل مقاليد السلطة في البلاد، حتى أنه كان يتولي رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة كسلطة تنفيذية، إلي جانب رئاسة البرلمان كسلطة تشريعية في نفس الوقت. 

وعلى الرغم من إصداره بعد عامين من توليه السلطة في سبتمبر / أيلول 2008 دستوراً يسمح لأول مرة بالتعددية الحزبية، واعتماد اقتصاد السوق في دولة يبلغ تعداد سكانها 6 ملايين نسمة، وتمتلك رابع أكبر احتياطي للغاز في العالم، وتحظى بموقع جغرافي استراتيجي بين بحر قزوين وايران وأفغانستان وكازاخستان، وينظر الغرب على أنها مصدر محتمل للطاقة، ولكن رغم ذلك تعاني البلاد من تردي الأوضاع الاقتصادية، ولكن ما يحسب للرئيس بردي محمدوف أنه استطاع الحفاظ علي بلاده من الانزلاق في دوامة العنف كغيرها من بعض دول الجوار وخاصة أفغانستان.

لا تعرف الأسباب الحقيقية التي دفعت قربان قولي بيردي محمدوف إلى تخليه عن رئاسة البلاد في هذا التوقيت، ولكن يقول بعض المحللين إن الرئيس يعاني منذ سنوات من مشاكل صحية، بينما يرى البعض الآخر أن الوضع الاقتصادي في تركمانستان قد يدفع المواطنين إلى الخروج عن طاعته، خاصة في ظل الأجواء المضطربة في المنطقة المحيطة سواء بعد أحداث يناير / كانون الثاني 2022 في كازاخستان، أو الحرب في أوكرانيا، ولذلك فقد فضل بيردي محمدوف تسليم السلطة إلى ابنه الشاب الذي يستطيع إدارة البلاد بفكر عصري قريب من جيل الشباب في بلاده.

زادت التكهنات عن شكل النظام السياسي في تركمانستان، وعن الأسباب التي دفعت الرئيس قربان قولي بردي محمدوف البالغ من العمر 64 عاماً، ويتولي رئاسة البلاد منذ 15 عاماً، اعتزامه إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وأن البلاد بحاجة إلى قادة شباب.

وعلى الرغم من أن الكثيرين كان ينظر إلي سردار نجل الرئيس علي أنه الرئيس المحتمل القادم للبلاد، نظراً للمناصب العديدة التي تقلدها والمتدرجة بسرعة كبيرة نحو هرم السلطة، إلا أن الكثيرين لم يكن في حساباتهم أن الرئيس بردي محمدوف يريد التخلي عن منصبه لصالح نجله سردار في هذا التوقيت.

عبرت كل الإجراءات الانتخابية عن شكل منافسة ديمقراطية، حيث عقد الحزب الديمقراطي الحاكم مؤتمره الاعتيادي التاسع في العاصمة عشق أباد، واختار أعضاء الحزب، سردار بردي محمدوف، نجل الرئيس مرشحاً للحزب في الانتخابات الرئاسية المبكرة، والتي جرت في 12 مارس، وحصل فيها سردار علي 72.97% من الأصوات، فيما حصل أقرب منافسيه نائب رئيس معهد تركمانستان الحكومي للتربية البدنية والرياضة، حيدر نوناييف، علي 11.09%، بينما جاء نائب حاكم ولاية مرو، أجاكان بكمورادوف في المركز الثالث بنسبة 7.22% من الأصوات، وهو ما يعبر ولو شكلياً عن وجود منافسة بين المرشحين، بعيداً عن المعايير الانتخابية الأخرى.

هل تختلف السياسات بين الأب والابن؟

لا يختلف طريق صعود سردار بيردي محمدوف السريع إلي قمة الهرم السياسي في تركمانستان عن طريق والده الذي سار فيه حتى وصل إلى نفس المنصب. لكن هل تختلف السياسات بين الأب والابن؟ وهل سيكون للمستوي الفكري بين جيل الشباب الذي يمثله سردار وبين جيل كبار السن الذي يمثله والده تأثير في اختلاف تلك السياسات؟ وهل سيختفي دور الأب من المشهد السياسي ويترك القرار السياسي بالفعل لابنه الذي يمثل جيل الشباب؟

أم سيكون الأب هو الحاكم الفعلي للبلاد من خلف الستار وأن انتخاب ابنه ما هو إلا تغيير للشكل وضمان لمستقبل الابن من تقلبات السياسة في المنطقة التي تحيط بها الاضطرابات، خاصة وأن الرئيس قد أشار إلى عزمه الاحتفاظ ببعض الصلاحيات كرئيس لمجلس الشعب، وهو المجلس الأعلى في البرلمان التركماني، بعد مغادرته الرئاسة؟ وهل سيكون للأحداث المتلاحقة في المنطقة تأثير على السياسات التي سيتبعها الرئيس الجديد الشاب في تركمانستان؟ هذه الأسئلة وغيرها تنتظر إجابات من واقع السياسيات الداخلية والخارجية التي ستسير عليها تركمانستان خلال الفترة المقبلة.   

قنطرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post النهضوي الأخير: طه حسين في مواجهة الفرنسيين
women praying together Next post <strong>غرائب عادات استقبال  رمضان</strong>
%d مدونون معجبون بهذه: