سيميائية_الصورة..في أعمال الفنان التشكيلي “”فهد خليف””

مروه آدم حسن

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_ من خلال  متابعتي  للفن  التشكيلي   تشدّني كثيرا لوحات بعض الفنانين السعوديين منهم الفنان #فهد_خُليف 

وكيف لا تجد نفسك مشدودا لكل هذه التفاصيل والألوان؟! 

وأنت تنظر إلى لوحاته لأول وهلة تقول في نفسك ما هذا؟! 

وكيف يمكن أن يكون الإنسان جزءا من لوحة يطغى عليها الجانب المعماري التراثي؟! ثم تبدأ بعد ذلك بالربط.. 

في هذه اللوحة مثلا تظهر النساء وكأنهن جزء من الجدران والبيوت والآثاث، امرأة تحمل إبريقا وربما هي بحاجة لمن يحملها، لا ندري إن كان في الإبريق ماء أم عصيرا أم حليبا أم خمرا، ولكنه بالتأكيد شيء سائل، ماء يحمل الماء،جسدٌ مختمر يحمل ما تتراخى به الأجساد، عقلٌ مخمور يحمل ما تختمر به العقول، لا نعلم ما تحمله هذه المرأة من خمر ولكننا نعلم جيدا أنها اختمرت بما يكفي، تحمل الإبريق وكأنه ملتصق ببطنها، ربما أراد الفنان أن يقول بأنها تحمل شيئا في أحشائها، يبدو أيضا أن ماءها بدأ يتسرّب منها، هناك قطرات على ثيابها وكأنها ندى، إنها تنهمر بطريقة أو بأخرى، من وقفتها تلاحظ أن هناك شيء ما يُثقل كاهلها، ربما هذا ما جعل ساقيها معوجّة، ولا أعتقد أن ثمة إنسان يستطيع أن يخطو خطوات واضحة في حياته وهو مُثقل بهموم ومسؤوليات غيره، تبدو هذه المرأة وكأنها تمشي بمشية ليست مشيتها، وتخطو بخطوات ليست لها، وربما شمّر الرسام عن رجليها لكي نعرف بأن خطواتها ستكون بقدر ما شُمر لها وقُدر لها؛ فليس بإمكانها أن تتخطى حدودها، ستمشي بالقدر الذي سمح لها به… 

امرأة أخرى تحمل ما يؤكل بعد أن أكلها كل شيء وأكلت نفسها، هي أيضا مختمرة وبين يديها ما لذ وطاب لغيرها، وبين أرجلهن جميعا ما لا يستطعن أن يبُحن به! 

ربما لهذا جعل الرسام القماش شفافا؛ لكي نرى اعوجاج السيقان التي تحمل كل شيء ولا يحملها شيء… 

امرأة أخرى يظهر جزؤها العلوي فقط، يبدو بأنها لا تحمل شيئا سوى رأسها، تقف خلف النسوة، ربما كانت تزرع في رؤوسهن بعض الأفكار، ولكننا لا ندري ما الذي اختمر في رأسها من هذه الأفكار؟! 

يبدو من مناظر النساء اللواتي وقفن أمامها أنها لم تبتدع شيئا جديدا سوى أصنام تشبهها، جوارٍ تحمل الطعام والشراب، ماء يحمل ماء، خمر يحمل خمرا… 

المرأة الرابعة لا يظهر منها سوى جزئها السُّفلي، واكتفى الرسام بأن يضع أباجورة من الفخار لتحل محل جزئها العلوي؛ ربما لأنها اكتفت بجمالها أو ربما لأن الفحل أرادها ليتزين بها، فلتضع على رأسها ما شاءت ما يهمه أن سيقانها ما تزال قادرة على الوقوف والحمل والوضع!.. 

يظهر على ساقها نقاط حمراء!، لا أعرف، ربما كانت للدلالة على أنها مغتصبة أو أنها تقوم بما بتقوم به وهي مُكرهة، امرأة رأسها ليس معها أنّى لها أن تقرر مصيرها؟! 

ربما لأنها كانت قاصرة مثلا…! 

ولكن يبدو واضحا أنها أجهضت شيئا ما، جنينها وربما أحلامها…! 

على اليمين كُرسي،أو ربما طاولة عليها باقة ورد يخنقها عنق الأباجورة التي وضعت فيها، وعلى اليمين أيضا سرير، وعلى الوسادة شراب،وصُرّة صغيرة،تبدو مُغرية،ربما كان فيها بعض المال أو شيء آخر يساعدك في شراء المُتعة!.. 

كل هذا في يمين اللوحة، أما على يسار اللوحة فبيوت قائمة… 

في هذه اللوحة صور سلبية للمرأة وضعت في صورة إيجابية واحدة؛ جاءت لتنفي هذه الصور وتقول وكأنها تصرخ: بأن المرأة هي العمود الذي تقوم عليه البيوت، المرأة هي الساق التي تحمل الجسد، المرأة هي العقل الذي يختمر فيه أهل البيت جميعهم، المرأة هي سقف الأسرة، وهي أساس المجتمع، المرأة هي الكرسي الذي يريحك فيما تستمتع بها كوردة… فكيف ستجلس على كرسي وأنت تكسر قوائمه؟! وكيف تستمتع بزهرة وأنت تخنقها؟! وكيف سيخلق ماؤها حياة وهو ينهمر على العدم؟! 

كيف ستنشأ مجتمعات سليمة والنساء تمشي بخطوات محسوبة، تفكر برؤوس غيرها، ولا تختمر في رؤوسهن إلا الأفكار السلبية؟! 

في هذه اللوحة أربع نساء ولكن يمكنك اختزالهن في امرأة واحدة، امرأة تحمل ما لذ وطاب لعائلتها، وهي تحمل أطفالها، ماء حياتها في أحشائها، تتسرّب منها نفسها، ولكنها تأبى إلا أن تقف وتكافح وتمشي الخُطى التي كُتبت لها، حتى وإن كانت مُكرهة،حتى وإن اضطرت لنسيان نفسها وطموحاتها، لكنها التضحية والإيثار هذه الصفات التي التصقت بالمرأة والأم، العربية خاصة، امرأة تقوم بكل هذا وهي تحمل البيت على ظهرها، وهي تُدوّر المجتمع في رأسها، امرأة تضع على يمينها الراحة والاستمتاع والشهوات،وتضع بيتها في قلبها وتمضي على أمل أن تخرج منها أسرة مثالية، تساهم في بناء هذا المجتمع بدمها، ومائها، وعرقها… 

أنا توقفت هُنا ولكن هذه اللوحة البديعة لم تتوقف عن الكلام.. 

بإمكاني أن أقول لكم الآن أن الفنان المُبدع قد يكتب جملة واحدة، أو يرسم لوحة بسيطة كهذه وتبقى أنت تقرأ أعماله مرارا وتكرارا وفي كل قراءة يخرج لك معنى لم تقرَأْه من قبل… هذا هو الإبداع وهو ليس محتاجا إلى التعقيد أشياء بسيطة لكنها تقول كل شيء.. 

وعن المرأة، التي هي جزء من موضوع هذه اللوحة، كما قرأتها، سأختم بومضة للكاتب العراقي عبد العظيم فنجان يقول فيها: “بعد توقف الطوفان وجدنا الحمامة على كتف امرأة”. 

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post لائحة “دخول وإقامة الأجانب” في الامارات
Next post تعالي
%d مدونون معجبون بهذه: