محمد الداهي وشهادته في الكتاب الجماعي الصادر بتونس

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_الناقد والأكاديمي والباحث
المغربي الدكتور محمد الداهي يساهم بشهادته في الكتاب الجماعي الذي صدر
مؤخراً في تونس، تقديراً لجهود الباحث  الرصين، والأستاذ الجامعي التونسي
الدكتور توفيق بن عامر.

الشهادة تنويهاً بجليل خصال المحتفى به، ورائع أعماله العلمية، واعتزازاً
بالصداقة الموطدة بين القامتين. فيما يلي نص الشهادة:

للصداقة مذاقٌ ألذ من السكر

يغمرني اعتزاز فائق بتقديم شهادة في حق الصديق العزيز والباحث الرصين
توفيق بن عامر، متمنيا أن تكون بوحا بما أكنه له من عرفان عميق وتقدير
كبير بما له من محبة خالصة في طويتي. وعلى مدى الفترة التي جمعتني به (ما
يربو على عقد ونصف من الزمن) لمست كريم فضائله، ورائق مزاجه، وغزير علمه،
وكبير تواضعه، وفائق أناته وتثبُّته، وغيرها من صادق الخلال وصالح
الأعمال. أقترح لهذه الشهادة عنوانا دالا وموحيا لإبراز حجم المحبة
والتقدير اللذين أكنهما له من جهة، ومكافأته بضعف صنيعه من جهة ثانية.
أستحضر- في هذا الصدد- أول لقاء تم بيننا في تونس عام 24 نوفمير 2006
بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية. قدمت من قمرت (منطقة في الشمال
الشرقي لتونس العاصمة) حيث كنت أقيم في فندق كورنثيا لزيارة صديقي سعيد
يقطين الذي حل ضيفا على الكلية في مهمة علمية. وبينما كنا في استراحة
لشرب القهوة، قدمت لتوفيق سكرية لأخذ مقادير السكر التي تناسبه، فحياني
قائلا ” أنت أحلى من السكر”. ظلت العبارة راسخة في ذهني لأنها صادرة عن
قلب كبير وصدوق.

يصعب علي أن استرجع تفاصيل ما عاينته وما دار بيننا طوال العشرة والصحبة،
ولذا آثرتُ أن أركز على محطات بعينها لعلها تسعفني على استجماع شتات
الذكريات التي تقاسمتها معه في صفائها ونضارتها، وتقديم صورة عنه كما
ارتسمت في ذهني، واستقرت في وجداني.

1-الكويت منبت المحبة المستديمة

شاءت الصدف أن ألتقي بتوفيق بن عامر في مؤتمر الكويت الدولي لتحليل
الخطاب من 26 إلى 28 مارس 2005. غمرني وقتئذ ابتهاج صادق لتعرفي إلى شخصه
الكريم ضمن صفوة من المشاركين الأجلاء. قد تعشق الأذن قبل العين أحيانا،
فاسمه كان يتردد بين رفاقي في الباكلوريا عام 1980 بثانوية مولاي رشيد في
مدينة تزنيت، لفائق اجتهاده وعزيز اطلاعه على الفكر الإسلامي الذي كان
يمثل جزءا من مقرر مادة الفلسفة. ومن بين دراساته التي كنا نتداولها فيما
بيننا لعلاقتها بأحد محاور المقرر ” الجبرية والقدرية” أذكر على وجه
الخصوص ” الصوفية والعقيدة”، والتي سبق له أن نشرها في مجلة ” حوليات
الجامعة التونسية” (العدد18، 1980).

ما كان يشغلنا عندئذ هو تعرُّف موقف المتصوفة من العقيدتين المتناقضتين.
تبنوا في صدر الإسلام القدرية لأن الله وهب الإنسان العقل ليتدبر أموره
ويتحمل مسؤوليته في التمييز بين الخير والشر، والسعي والجهد في الحياة
لطلب الرزق بقوة اليمين وعرق الجبين (موقف جلال الدين بن الرومي). لكنهم
عندما تأثروا بفلسفات دخيلة اعتنقوا العقيدة الجبرية للتغاضي والتنصل من
المسؤولية بتفويض الأمور إلى الخالق، وصهر الإرادة الإنسانية في المشيئة
الربانية.

ما أثار انتباهنا في الدراسة استنادُ صاحبها إلى التحليل السوسيولوجي
الذي كنا نؤثره على غيره بحكم تشبعنا وقتئذ بالفكر الماركسي؛ وهو ما
جعلنا نقبل بنشاط وكَلَفٍ على كتاب ” النزعات المادية في الإسلام” لحسين
مروة لما يتحلى به من جرأة وجِدَّة في تناول الفكر الإسلامي باعتماد
المادية الجدلية. لقد حرص توفيق- في المنحى نفسه- أن يبرز أثر الظروف
الاجتماعية في اتخاذ المتصوفة موقفا أخلاقيا في البداية، ثم التخلي عنه
بمرور الوقت. كانوا في صدر الإسلام يرومون تهذيب الروح وتصفيتها من
الشوائب، والدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكنهم أضحوا فيما
بعد مقتنعين بالتواكل والخنوع والاستسلام بدعوى أن الإنسان مسير في
تصرفاته، لا يفعل شيئا إلا بإرادة الله ومشيئته. وهو ما انعكس سلبا على
تصرفات الناس ومتخيلهم الجمعي؛ إذ أصبحوا يؤمنون بالتوكل على الله
وبمجاري القدر في تدبير شؤونهم اليومية، ويعدون الرزق هبة ربانية.

عندما انتهت أشغال المؤتمر، بادرت- برفقة مشاركين توسمت فيهم الخير وقرأت
في وجوههم علامات البشارة، وفي عدادهم توفيق بن عامر- إلى القيام بجولة
في أرجاء الحي العتيق لاستطلاع معالمه، واقتناء الهدايا وخاصة الأثواب
الحريرية المطرزة المستوردة من الهند وباكستان. تولد لدينا نحن –
المغاربيين (رافقنا- فضلا عن توفيق- عبد القادر فيدوح وأحمد يوسف من
القطر الجزائري الشقيق)- انطباع مفاده أن العتاقة التي جئنا من أجلها
فقدت بريقها بفضل التطور العمراني المذهل، وتوافد العمالة الأجنبية
الأسيوية، وكثرة الصخب والجلبة، على عكس ما نعاينه من حرص الدول
المغاربية على صيانة الأحياء والمدن العتيقة سعيا إلى استجلاب السياح،
والحفاظ على التراثيْن المادي واللامادي، واستدامة الحرف والمهن
التقليدية التي تعد مصدر الرزق لعدد من الأسر والفئات الاجتماعية.

آثرنا- في آخر المطاف- أن نجلس في مقهى للاستراحة، وتبادل وجهات نظرنا من
الأحداث الطارئة. كانت بالنسبة إلينا فرصة تاريخية لتوطيد الصلة فيما
بيننا، وغرس بذرة المحبة التي ما فتئت-بمرور السنين- تزهر وتثمر في
سرائرنا وأحشائنا. ذكَّرتُ حينها توفيقا بالمقال العلمي الذي كنت- بصحبة
رفاقي في مدينة تزنيت- نستند إليه لتوسيع مداركنا فيما يخص الخلاف بين
الجبرية والدهرية، وهو ما أحاطه بهالة من الحبور والسرور. وإثر انخراطنا
في نقاش عن المتصوفة، وطبقا للمثل الفقهي السائر “إذا حضر الماء بطل
التيمم”، تركنا “توفيق بن عامر” على سجيته، ومنحنا له الوقت الكافي ليشنف
مسامعنا بمعلومات ثرَّة عن تاريخ التصوف في الإسلام؛ فبين مدى حرص
المتصوفة- في البداية- على المصالح العاجلة، وخدمة الدنيا بعلمهم؛ مما
قوى شعبيتهم وصداهم لدى الرأي العام، ثم توقف عند التحول الذي طرأ على
مواقفهم، وجعلهم يميلون أكثر إلى العقلية الطرقية المؤمنة بسلطة المشايخ،
ومعجزات الأولياء، واستلاب الناس، والاعتقاد الجبري بسبب تدهور الأوضاع
السياسية (هلاك الرجل المريض (الإمبراطورية العثمانية) والتكالب
الاستعماري على تركته).

شعرت –من خلال النقاش الذي دار بيننا- أننا نتقاسم الأفكار والمعتقدات
نفسها (الحداثة، والتنوير) لورْدنا الماءَ من المنابع عينها (طه حسين،
وتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، وعلي عبد الرزاق، وعبد الوهاب المسيري)،
ولسعينا إلى استنبات القيم والأفكار الجديدة في التربة العربية، والقطع
مع العقلية التقليدانية   (Traditionnaliste) التي تكبح جماح الخيال
الخلاق، وتكرس التواكل والخنوع والتقاعس، والتطلع إلى المجتمع الديمقراطي
العادل والمنصف. لم يكن لدينا متسع من الوقت للقاء آخر بحكم اضطرارنا
للعودة إلى أوطاننا. ترسخ في ذهني -اعتبارا من ذلك اليوم- انطباعٌ
إيجابيٌّ عن توفيق المثقف التنويري والأستاذ المحنك في شؤون الحضارة
العربية، والمتخصص في حوار الثقافات والأديان. فعلاوة على رصانته وهدوئه،
وغزير ثقافته، ورائق حديثه، يفترش مَدَرَ العلم للتوسع في موضوع المتصوفة
من جوانب عديدة، وينبش التراث العربي الإسلامي لينفض غبار النسيان عن
كثير من الحقائق المنسية والمطوية، ويسلط مزيدا من الأضواء على جوانبها
الداجية، يوفق بين المسعيين العلمي (معظم دراساته ومؤلفاته) والبيداغوجي
(التصوف الإسلامي إلى القرن السادس الهجري، 2017).

وما استحضرته- وأنا عائد من الكويت- حرصُه على المواءمة بين الفكر
والواقع، وبين البنيات الرمزية والبنيات الاجتماعية بطريقة جدلية. فهو
على نقيض كثير من المثقفين العرب ينزع إلى فحص المعطيات وتشريحها ونقدها.
لا يقتنع بالجاهز وبالدوكسا (المعتقد الشائع) بل يُعْمِلُ عقله للتأكد من
صحة الخبر وصدقيَّته، ثم التعليق عليه بجرأة الباحث العالم ونزاهته
الفكرية. ومن بين الدراسات التي وردت في ذهني وقتئذ وأنا على متن
الطائرة، دراسة قيمة عن ثورة الرقيق خلال القرن الثاني الهجري مستندا إلى
مصادر مهمة ( تاريخ الأمم والملوك للطبري، والكامل في التاريخ لابن
الأثير وغيرهما) حرصا على إبراز أصولهم ( بلدان شرق إفريقيا)، والدور
المنوط بهم(تعاطي شتى الحرف والمهن لحساب مالكيهم)، وأحوالهم الاجتماعية
(الاسترقاق، والاستعباد، ورثاثة الأطمار لستر العورة)؛ ما ولد لديهم
الشعور بالنقص والظلم، وحفزهم على التمرد ضد السلطة في شخص أهم رموزها
وهو الوالي ابن الربيع إلى أن أضحى أمر المدينة بأيديهم أياما معدودات (
زهاء ثلاثة أيام). يستبعد توفيق الطرحيْن العرقي والطبقي للثورة بدعوى
أنها كانت تعبيرا عن قضية المجتمع برمته دون تمييز، وتجسيدا للرابطة
الاجتماعية التي توطدت بين الملك والمملوك، وهي تقوم على وثاق عقائدي
ديني يلزم الطرفين معا باحترام ما لهما من حقوق وما عليهما من واجبات.

2-تونس/ عبق المكان ورمزيته

عندما زرت تونس للمشاركة في ندوتين دوليتين بمناسبة الذكرى المئوية
السادسة لوفاة عبد الرحمن بن خلدون (الأولى نظمها المجمع التونسي للعلوم
والآداب والفنون من 13 إلى 18 مارس 2006 بقرطاج، والثانية نظمتها وحدة
البحث ” المرأة وحوض البحر المتوسط” التابعة لكلية العلوم الإنسانية
والاجتماعية من 23 إلى 25 نونبر 2006 بقرطاج) توطدت الصلة أكثر بيني وبين
توفيق بن عامر، وتجدد لقاؤنا مرات عديدة إلى أن أضحى سنة متبعة كلما حللت
بتونس أو حل هو بالمغرب. كنا نلتقي عادة في مقهى ما بشارع بورقيبة الذي
يؤثره توفيق على غيره لاعتبارات تاريخية ورمزية تنويها بفضائل المجاهد
الأكبر على الحياة المدنية والسياسية في تونس، ودوره في تحديث بنياتها
الثقافية والذهنية. وبعد تبادل الأخبار والطرائف يكاشفني توفيق- على جري
عادته- بالمشاريع العلمية التي تعتزم تنظيمَها وحدةُ البحث ” حوار
الثقافات”- التي كان يديرها ويشرف عليها باقتدار ونزاهة- في غضون السنوات
القادمة. كان حريصا على إثارة جملة من المواضيع الثقافية والعلمية
الراهنة، ودعوة باحثين من أقطار وتخصصات مختلفة لمناقشتها ومعالجتها من
زوايا متعددة وعرضانية (Transversales)، وتكوين جيل جديد من الباحثين
يتحلون بالحس النقدي والقدرة على الاستدلال عوض اجترار ما يلقن لهم
واستظهاره في الفصول الدراسية. وهذا ما جعله يختار بعناية مواضيع ملائمة
ومستفزة في الآن نفسه لإثارة القلق والفضول المعرفييْن لدى الطلبة
الباحثين، وحفْزهم على التواصل مع الآخر المتعدد، والتفاعل مع التنوع
بصفته تنوعا في الوحدة، ومعاودة التفكير في العلاقة القائمة بين الشرق
والغرب لتعزيز الحوار البناء والنقد المزدوج (بحسب عبد الكبير الخطيبي)
الذي ينهال على الذات وعلى الآخر عوض الاسترسال في صنع الآخر وتوهمه
لأغراض إيديولوجية وسياسية (الغرب يصنع مشرقه والمشرق يصنع غربه).

أتاحت لي علاقتي بتوفيق التعرف إلى باحثين تونسيين شباب ينتسبون إلى
تخصصات متنوعة؛ ومن جملتهم محمد الكحلاوي، وسارة جويني خفير، وبثينة
الجلاصي، وكريمة كربية، وعواطف مالك، وليلى سلامة تغمدها الله بواسع
رحمته وهالة بن إبراهيم وغيرهم. وبفضل جهد توفيق وعنايته وجلده أضحى كثير
من طلبته يحلقون وحدهم في المنتديات الفكرية بعد أن تشربوا توجيهاته،
ونموا مؤهلاتهم العلمية والثقافية. ومن شدة دهائه وفطنته كان يحدس بمن
يصلح من مجموعته لمرافقة مشارك يحل ضيفا على كلية العلوم الإنسانية
والاجتماعية في تونس. ومن حسن حظي أنه خصني بمحمد الكحلاوي الذي كان
له-بحكم أريحيته وعفويته ولطفه وبوهيميته- متسع من الوقت لمرافقتي حرصا
على الاستئناس بأجواء تونس وشعائرها التي لا تختلف كثيرا عن مثيلاتها في
المغرب، ورد الضجر بسبب القنوط والوحدانية، وتَعرُّف عادات أهل البلد
ونمط عيشهم وتطلعاتهم، والاحتكاك بالمثقفين التونسيين من مختلف الأطياف
والمناطق. وعندما زرت تونس بدعوة كريمة من الصديق كمال الرياحي للمشاركة
في ندوة نظمها “بيت الرواية” عن دون كيخوتي لميجيل ثربانتيس من 10 إلى 12
أكتوبر 2018، شعرت بفراغ في تونس العاصمة من جراء غياب محمد الكحلاوي
الذي كان وقتئذ يدرس بمدينة أبها في المملكة العربية السعودية. وبُدِّدتْ
غيمةُ الوحدانية بفضل مبادرة توفيق- برفقة مالك عواطف- إلى لقائي في فندق
إفريقيا الذي كنت مقيما فيه. وعلاوة على أن مجالسة توفيق مَسْلاة للنفس،
تتسم أيضا بنكهة خاصة لجديته وصرامته المشوبة باللطف والكياسة المتأصلين
في طبعه ونحيزته. ونظرا لما آل إليه الوضع في العالم العربي بعد ما يسمى
” الربيع العربيّ”، فقد نال الحظ الأوفر من حديثنا. وكنت سعيدا أن أسمع
رأي مثقف حنكته التجارب. لم يكن مطمئنا عن الوضع العام بسبب كثرة
الشعارات، وقصر اليد، وانعدام الرؤية الثاقبة والإرادة المتبصرة لإصلاح
المجتمع والسير به قدما نحو الغد الأفضل. وقبل هذه الفترة كنت- على هامش
مشاركتي في المعرض الدولي للكتاب والنشر يوم الجمعة 3 أبريل2015 -قد
التقيت به في مقهى بشارع بورقيبة وعبرت له عن تدمري من الوضع الذي آل
إليه هذا الشارع الأنيق بعد الثورة. وهو ما آلمنا وحز في صدرنا لأننا كنا
نتوقع أن تتحسن الأوضاع الاجتماعية والسياسية، وتنشرح قلوب الناس،
ويطمئنوا على مستقبل فلذات أكبادهم في وطن آمن ومستقر وزاهر. وهو الشعور
العام عينه الذي ينتاب الإنسان العربي لأن الثورة الموعودة قد سُرقت غدرا
من الشعب لخدمة أقلية مستبدة حلت محل سابقتها بهيئة وقناع مغايرين.

وسلمت إليه في إبانه نسخة من الكتاب الجماعي الذي أعددته وأشرفت عليه
(“النغمة المواكبة قراءت في أعمال عبد الله العروي،2015)، وساهم فيه
بدراسة قيمة موسومة بـ”تجليات الفكر النقدي في آثار عبد الله
العروي،ص.ص231/244) مركزا على المفاهيم الجوهرية ( التفكير التاريخي،
والحداثة، والوعي التاريخي، والتاريخانية) التي تعد مدخلا إلى فهم فكر
عبد الله العروي، وعتبات أساسية لممارسة الوعي النقدي لتفادي التورط في
الاستلاب إما للماضي ( السلفية) وإما للغرب (الليبرالية)، وملاءمة
العناية بالعمل عوض الأشكال لتغيير الذهنيات والعادات، وتأصيل الحداثة
المنشودة ( عوض الحداثة التي فرضها الاستعمار علينا) بالمثاقفة والنقد
التاريخي. ويجمل توفيق بن عامر العوائق- التي تحول دون تأصيل الحداثة
واستنباتها في التربة العربية- بقوله: “ومن بينها كل ما يعوق تحرير الفرد
من مختلف أشكال التبعية وأنواع القمع، فكل ما يعوق الحريات يقف حائلا دون
عملية التحديث. ومن تلك العوائق أيضا ما يقف حاجزا دون العقلانية، ويدفع
العقول إلى الارتماء في أحضان الغيبيات، ويحول دون الديمقراطية وسيادة
الشعوب. وبذلك نفهم لماذا كرس عبد الله العروي جل كتاباته في العمل على
إزاحة تلك العوائق، مسخرا في سبيل ذلك ما أوتي من مواهب نقدية ومناهج
معرفية؛ فجاء مشروعه النقدي والإصلاحي شاهدا بمدى الانسجام بين مرجعياته
وغاياته”، (المرجع نفسه، ص.244(.

الشيء بالشيء يذكر، سبق لي أن حملت له – في مناسبة سابقة- كتابا جماعيا
عن محمد مفتاح (التأسيس المنهجي والتأصيل، 2009)، ساهم فيه بمقال علمي “
إضافات محمد مفتاح في الدراسات الصوفي”(ص.89/96). ومن بين الإضافات التي
ركز عليها توفيق بن عامر أذكر أساسا: نقد محمد مفتاح الدراسات
الاستشراقية لتنيها خلفيات عقائدية وتورطها في إسقاطات قيمية ومفهومية،
واعتمد مقاربة أنتربولوجية واجتماعية لحصر العوامل التي أسهمت في تغلغل
التصوف في المغرب على وجه الخصوص، واستفاد من اللسانيات والسيميائيات
لمعالجة الظاهر الصوفية بأدوات جديدة سعيا إلى تبيان وظائفها الروحية
والحضارية، وركز على لون من ألوان التصوف وهو التصوف الطرقي، وأبرز
الصراع أو التوتر في البيئة المغربية بين الثقافة الشعبية بأعرفها
وعاداتها والثقافة العالِمة الموثقة ( التصوف، والفقه، وعلم الكلام)،
وأعاد النظر في التحقيب التاريخي بتبني رؤية نسقية قوامها الجهاد حفاظا
على وحدة الأمة وتلاحمها في مواجهة الأخطار الخارجية والأطماع
الاستعمارية. ” ولعل من أهم ما استخلصه الباحث من نتائج، وما أسفر عنه
بحثه من فوائد، اعتبار أن القضية الأم التي تتمحور حولها وظيفة الظاهرة
الصوفية في البيئة المغربية، هي ظاهرة الجهاد والاتحاد” ص.96.

وهكذا يتضح من خلال هذين الكتابين، أنني كنت أحرص على إشراك ” المدرسة
التونسية” الممثلة في مثقفيها المرموقين لإبداء مواقفهم وآرائهم الرصينة
من الأدب والفكر المغربيين، وتمتين الصلة الثقافية بين البلدين الشقيقين،
والتفكير في صيغ فعالة لرد الاعتبار إلى مثقفين عرب تنويها بذكرهم،
وتقديرا لجهدهم في استنهاض الهمم، وتنوير العقول، ومحاربة الجور،
والاستبداد.

 3-الهرهورة –الرباط/ مهبط الوجدان

زار توفيق بن عامر وصفوة من طلابه الباحثين (محمد الحكلاوي، سارة جويني،
هالة بن إبراهيم) المغرب سنة 2007 في إطار التعاون بين وحدة ” حوار
الثقافات” وخزانة آل سعود بالدارالبيضاء. اغتنموا الفرصة لزيارتي بمدينة
تمارة التي تبعد عن الرباط ببعضه كلمترات. حرصت على ضيافتهم أولا في
بيتي، ثم رافقتهم على متن سيارتي إلى الرباط لتفقد المدينة القديمة التي
تزخر بالمُنتجات التقليدية المغربية. ونحن متوجهون إلى الرباط أبدى توفيق
بن عامر إعجابه بالحدائق والمتنزهات على جنبات الطريق، وبرونق المعمار
المغربي الذي يمزج بين الطرازين التقليدي والأوروبي، وبقطع المغرب أشواطا
في توفير البنيات الأساسية لتيسير حركة المرور والتنقل. ظللت رهن إشارتهم
إلى وقت متأخر من الليل، فعادوا على متن القطار إلى إقامتهم على شاطئ
المحيط الأطلسي في عين الذئاب بالدار البيضاء.

دعوتُه إلى المشاركة في ندوتين دوليتين متتاليتين: ندوة ” التنوع
الثقافي” تكريما للشاعر محمد الفيتوري، والتي نظمها فرع اتحاد كتاب
المغرب بتمارة يومي 1 و2 نونبر 2012، ثم ندوة ” الدراسات المقارنة اليوم”
تكريما لسعيد علوش، التي نظمها مختبر الدراسات المقارنة يومي 25 و26
أبريل 2013. كلفت عضوا في المكتب إدريس القري بمرافقة توفيق وزوجته حبيبة
تغمدها الله برحمته من المطار إلى فندق “كلوب ياسمين” بالهرهورة. لم يسلم
توفيق برفقة زوجته من المفاجآت المقلقة منذ أن وطأت قدماه أرضية المطار.
فوجئ أن الحقيبة قد فتحت، وسلبت منها أمتعة نفيسة. وعوض أن يسلك المرافق
الطريق السيار أو الطريق الوطنية التي لا تستغرق في أقصى الأحوال مدة
ساعة ونصف، اختار طريقا ملتويا بالمرور من الدار البيضاء والمحمدية وهو
ما جعل الرحلة تدوم أكثر من ثلاث ساعات بسبب اكتظاظ حركة السير، وتردي
الأوضاع الجوية.

عندما زرته مساء بصحبة زوجته، لاحظت علامات التعب والقلق بادية على
وجهيهما. فبادرت إلى طمأنتهما بتوفير كل ما يحتاجان إليه من حفاوة وحسن
الوفادة، وبمراقتهما إلى مدينتي تمارة والرباط لاكتشاف معالمهما،
والتبضُّع، والاسترواح. فوجئ الجمهور أن توفيقا يقرأ مداخلته باللغة
الفرنسية، فحمل المسؤولية إلي بدعوى أني طلبت منه ذلك لمراعاة انتظارات
المشاركين الفرنسيين. ولا ضير في ذلك مادام الجمهور يحسن التواصل
باللغتين العربية والفرنسية.ولتفادي منغصات رحلة المجيء كلفت الصديق
الباحث محمد العافية بمرافقتهما إلى المطار. وبمجرد أن وصل توفيق إلى
بيته راسلني ليشكرني على حسن اختيار هذا الرجل اللبيب والودود والمرح
الذي أمتعهما بطرائفه وأحاديثه ونوادره الرائقة، وظل معهما إلى أن دخلا
بوابة المنطقة الدولية لاقتراب وقت المغادرة.

وجد توفيق الترحاب الذي يليق بسمعته وصيته في جامعة محمد الخامس بالرباط.
تركت محاضرته صدى طيبا لدى المشاركين والباحثين لعمقها وراهنيتها. وأينما
حل وارتحل هو وزوجته إلا وكانا محل تقدير واحترام، يحيط بهما حشد من
الطلبة لالتقاط الصور التذكارية معهما. كانت زوجته سعيدة بزيارة المغرب،
وتعرف طبع المغاربة وعاداتهم وتقاليدهم. واندمجت بسهولة معهم بحكم تقاسم
الشعبين التونسي والمغربي كثيرا من السمات والخصائص الحضارية والثقافية
المشتركة.

بدا توفيق في حفل الختام الذي نظم في مغنى سعيد علوش مسرورا ومبتهجا
بتتبع فقرات من الغناء الشعبي الأصيل (عبيدات الرمى)، وبتجاذب أطراف
الحديث مع المشاركين المغاربة والأجانب، والاستمتاع بمذاق الأطباق
والحلويات المغربية.

4-عمان/ أفق الحوار المتجدد

كنا (أنا وتوفيق) على موعد آخر في عمان للمشاركة في ندوة “ثقافة التغير”
التي نظمتها جامعة فيلادلفيا يومي 8 و9 نوفبمر 2012. سبق أن التقينا من
قبل في الجامعة نفسها للمشاركة في ندوة ” ثقافة التواصل”، لكن لكل ندوة
أسباب النزول وشؤونها. نظمت الندوة في ظرفية سياسية حرجة بسبب تنامي موجة
ما اصطلح عليه تعسفا بـ”الربيع العربي” في معظم الدول العربية. وكانت
الغاية منها هي دعوة صفوة المثقفين العرب لمقاربة الظاهرة ومعالجتها
بموضوعية وتجرد حرصا على استكناه حيثياتها وإرهاصاتها وإكراهات بسبب غياب
المعطيات الدقيقة، وتغلغل الشك في نفوس المواطنين، وركوب غوارب المجهول
واللايقين، وانعدام الرؤية الواضحة للمستقبل. كنا في أمس الحاجة إلى لغة
رصينة ورؤية متبصرة لفهم ما يجري في العالم العربي بعيدا عن الصخب
الإعلامي والوصاية الإيديولوجية اللذين كانت تراهن من خلالها أياد خفية
على تعزيز الفوضى الخلاقة وتفاقمها، واستقواء الحركات الإسلامية
للاستيلاء على السلطة وتدبير شؤون الرعية وفق تصوراتها السلفية الماضوية.
سار أغلب المشاركين مع تيار المعتقد السائد مُرهصين بحصول التغيير
المنشود، في حين أن ثلة منهم كانت تغرد خارج السرب لحرصها على التمييز
بين الموضوعيْن الإيديولوجي والعلمي، واتخاذ المسافة اللازمة تجاه
الظاهرة سعيا إلى فهمها بترو ورصانة وعمق؛ ومن جلتهم توفيق بن عامر الذي
قدم-في المؤتمر- ورقة حول “المثاقفة والتغيير” مركزا على دور عامل
المثاقفة في التغيير الاجتماعي والثقافي بالنظر إلى مفعوله في إثراء
التجارب الإنسانية وإخصابها، واقتراح بدائل جديدة للعيش، والتقريب بين
الحضارات والثقافات المختلفة، وتعزيز القيم الإنسانية النبيلة والسمحة.
فضلا عن محاسن المثاقفة وإيجابياتها، ذكر توفيق سلبياتها التي تتجلى في
الزعم بقول الحقيقة وحرمان الآخر من الصدع بها، والسعي إلى تدمير هويته
وتدجينه حتى يغدو تابعا ومملوكا لا حول ولا قوة له. ومن بين الشروط التي
ينبغي أن تتوافر في المثاقفة حتى تؤدي رسالتها المنشودة، أقتصر على ما
يلي: الاعتراف بواقع التنوع الثقافي والخصوصيات الثقافية، والتحلي بالوعي
العقلاني ويقظة الضمير، والمشاركة في “النقاش العمومي” للتوافق على
القضايا والمشاريع الكبرى التي تهم مصير المجتمع العربي وتقدمه، وامتلاك
المناعة الثقافية للحد من أخطار “التلوث المعلوماتي” Infopollution الذي
استفحل مع الثورة التكنولوجية والعولمة الإعلامية.

أراد توفيق أن يوصل رسالة مفادها أن التغيير الأحادي والأعمى والفوضوي
ليس مآله الإخفاق فحسب، بل ستكون له عواقب وخيمة على الأمة العربية
جمعاء. يجب على التغيير المنشود أن يقوم على المثاقفة البناءة لاستلهام
العبر من التجارب الكونية دون إغفال الجوانب الخصوصية (وليس الخصوصانية
التي تنمي الهويات القاتلة)، وإكساب المواطن المؤهلات الثقافية
والتكنولوجية لتعزيز مناعته وشحذ ذوقه وبصيرته. ولا يمكن أن تتحقق
المثاقفة البناءة – في نظر توفيق بن عامر- إلا بالتغلب على عوائق الحوار
(التطرف الديني، العنف الجسدي واللفظي، التضليل الإعلامي، العداء الديني
والطائفي والعرقي)، وتعزيز الحوار والتفاعل الثقافيين بين الشعوب؛ وهذا
ما يقتضي من الأمة العربية في الوقت الراهن أن تدعم حرية الرأي والتعبير،
وتقوم بالنقد الذاتي، وتُنهض همة الإعلام حتى يؤدي وظيفته الثقافية
والتواصلية والتهذيبية بالمهنية المنشودة، وتستند إلى المرجعية المشتركة.
” إن تلك المرجعية هي الدليل الهادي إلى سواء السبيل في السير بركب
الإنسانية إلى آفاق المستقبل، ودون ذلك الدليل سيكون ذلك الركب في سيره
متعثرا بين الوهاد تذروه رياح الصدفة يمينا وشمالا، ويتحكم في اتجاهه
منطق العنف لأننا لا نزرع إلا ما نحصد… ولن يحيق المكر السيئ إلا
بأهله” (كلمة توفيق بن عامر، التراث العربي والحوار الثقافي، منشورات
وحدة البحث” حوار الثقافات”،2007، ص.12).

اقترنت عمان في ذاكرتي بتجديد نُسغ الحوار تطلعا إلى القطع مع الانغلاق
الثقافي والهوياتي، وإلى توطيد ” أخلاقية النقاش العمومي”. وهذا ما كان
مثال جدال بيني وبين مثقفين وباحثين التقيت بهم في عمان. واتضح لي أننا
نحن- العرب- مازلنا نعيش فصاما بين تربيتنا التقليدية وتطلعاتنا
الحداثية، ونُؤمْثلُ الماضيَ إلى حد توهم أن حلول الدنيا كلها كامنة فيه،
ونُقْبلُ على مخترعات الغرب ونتباهى بها في حين نغض الطرف عن المرجعية
المشتركة التي كانت سببا في صنعها وترويجها. لم تستوعب هذا التناقض
الوجدانيAmbivalence على حقيقته إلا قلة، ومن بينهم توفيق بن عامر الذي
كنت أدخل معه في نقاش وجدل مثمرين بحكم تقاطع خلفياتنا المعرفية
والثقافية، وتقاسم كثير من الخصال والسمات المشتركة. وهذا ما تجلى وتجسد
في المناظرة التي أجريناها معا في برنامج ” حوار وحضارة” بالتلفزة
الأردنية يوم 2 يناير 2009. وإن اختلفنا في التفاصيل كنا نستند إلى
المرجعية المشتركة سعيا إلى توفير شروط ثقافة التواصل وتعزيزها بالتفاهم
اللغوي والتوافق الفكري (لا يجدي الحوار مع معتوه أو مجنون أو متعصب
لرأيه)، ونبذ أساليب العنف والترهيب والتطويع (لعل أخطرها التطويع
الذهنيManipulation mentale بمراهنته على غسل الأدمغة وبرمجتها(.

فليتقبل مني أخي الأعز توفيق هذه الشهادة على ما هي عليه من قصر، وما
فيها من تقصير مع صادق دعائي إلى الله تعالى بأن يغدق عليه بسائغ كرمه،
ويبقيه دائم التوفيق (اسم على مسمى) في أعماله برأي وعمل سديدين، ويعيد
عليه هذا التكريم بالعمر المديد والعيش الرغيد.

هامش:

ـ محمد الداهي ناقد وأكاديمي وباحث مغربي، أستاذ جامعي، رئيس قسم آداب
وفنون متوسطية في مركز الدكتوراه بجامعة محمد الخامس بالرباط. له مؤلفات
علمية عديدة، أذكر منها:متعة الإخفاق المشروع التخيلي لعبدالله العروي،
تحديات تحليل الخطاب، السارد وتوأم الروح، سيميائية السرد، شعرية السيرة
الذهنية، الأنا والآخر في السرد، عبد الله العروي من التاريخ إلى الحب،
التراث والحداثة في المشروع الفكري لمحمد عابد الجابري.. الخ.

توفيق بن عامر رئيس سابق لوحدة بحث حوار الثقافات بكلية العلوم الإنسانية
والاجتماعية بتونس، رئيس الجمعية التونسية للدراسات الصوفية، رئيس
الجمعية الدولية للمسلمين القرآنيين، عضو قارب ببيت الحكمة اعتبارا من
عام  2020

له منشورات علمية متعددة، أذكر منها على سبيل المثال: المستقبل الثقافي
بين قضايا الهوية والتجربة الديمقراطية، التصوف الإسلامي إلى القرن
السادس للهجرة، التجربة الدينية بين الوحدة والتنوع، الحضارة الإسلامية
وتجارة الرقيق، دراسات في الزهد والتصوف..الخ.

شبكة  المدار الاعلامية  الاوروبية …_

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post صدور كتاب”تحديات تحليل الخطاب” للناقد والأكاديمي المغربي محمد الداهي
Next post روسيا تطرد دبلوماسيين بلجيك
%d مدونون معجبون بهذه: