man holding bible

القواعد العسكرية الأمريكية في ألمانيا، تحديات دفاعية وجيوسياسية

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_ بدو أن الأهمية الجيواستراتيجية لألمانيا، كونها بلد عبور ومركزاً لوجستياً للقوات الأمريكية وقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ومنطقة عمليات خلفية يتم فيها إمداد القوات العسكرية وتجهيزها وإعدادها للانتشار، ستجعلها ملزمة بتحول تاريخي في التفكير الأمني والتعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي بشأن الدفاع عن القارة، وتأمين الدعم للدول الأعضاء في “الناتو”، في حال توسع الغزو الروسي لأوكرانيا إلى حدود بولندا. وإلى جانب تعميق الشراكة عبر الأطلسي، خلقت الأزمة سياقاً جديداً لإعادة النقاش حول فكرة الجيش الأوروبي الموحد.

 الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا 

ينظم تواجد القوات الأمريكية على الأراضي الألمانية اتفاق دفاع بين الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا عرف باتفاقية “وجود القوات أالجنبية في جمهورية ألمانيا الاتحادية”، وذلك في عام 1954، والتي سمحت لثمانية من أعضاء الناتو، من ضمنها الولايات المتحدة، بوجود عسكري دائم في ألمانيا. نفس المعاهدة لا تزال تنظم شروط وأحكام قوات الناتو المتمركزة في ألمانيا حتى اليوم. 

يرجع السبب في التواجد العسكري الأمريكي في ألمانيا في بداية الأمر إلى منع سيطرة القوة العسكرية الألمانية على البلاد من جديد في عام 1945. ومع بداية الحرب الباردة تغير العدو، فلم يصبح العدو هو النازية بل الاتحاد السوفيتي.

القواعد الأمريكية في ألمانيا

ألمانيا هي موطن لخمسة من الحاميات السبع للجيش الأمريكي في أوروبا (الاثنان الآخران في بلجيكا وإيطاليا)، ويمتلك الجيش الأمريكي (21) قاعدة عسكرية في ألمانيا، يتمركز ففيها نحو (34500) جندي أمريكي، ويبلغ العدد الإجمالي نحو (50) ألف أمريكي مع احتساب عدد الموظفين المدنيين الإداريين في القواعد العسكرية الأمريكية على أراضي ألمانيا، التي استخدمتها الولايات المتحدة في نقل الجنود والمعدات خلال التدخلات العسكرية الأمريكية الخارجية. ومن أهم هذه القواعد:

  • قاعدة رامشتاين الجوية، أكبر قاعدة عسكرية أمريكية خارج أراضي الولايات المتحدة، وتعد القاعدة المركزية لحلف الناتو (منظمة حلف الأطلسي الوطنية) للوحدات والدورات التدريبية بالإضافة إلى المقر الرئيسي لعمليات القوات الجوية الأمريكية في أوروبا. تنطلق منها العمليات العسكرية الأمريكية في الشرقين الأدنى والأوسط، ومنها يتم التحكم في الطائرات بدون طيار (الدرونز) التي تستخدمها واشنطن لاستهداف التنظيمات الإرهابية في الشرق الأوسط وأفريقيا.
  • قاعدة شتوتغارت، تعد مقر قوات “أفريكوم” التي تدير العمليات العسكرية الأمريكية في أفريقيا، والقيادة الأمريكية الأوروبية المكلفة بقيادة (51) من القواعد والوحدات العسكرية في الدول الأوروبية.
  • القاعدة الجوية سباندهاليم، وغرافنوهر: وهي منطقة تدريب وتعتبر أكبر منشأة تدريب تابعة للناتو في أوروبا.
  • المركز الطبي في لاندستور: والذي أنقذ حياة مئات الجنود الأمريكيين الذين أصيبوا في العراق وأفغانستان

وتُساهِم القواعد العسكرية الأمريكية في ألمانيا في فرض نفوذ الولايات المتحدة وقوتها العسكرية عالميًّ، إلى جانب تقديمها الحماية للحلفاء الأوروبيين في ظل الالتزام الأمريكي أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية بحماية الأمن والاستقرار الأوروبيين.

الأسلحة النووية الأمريكية في ألمانيا

لا تمتلك ألمانيا أسلحة نووية خاصة بها، لكنها تخزن ما بين (15-20 ) من الأسلحة الأمريكية قنابل الجاذبية النووية من طراز “B-61” في قاعدة بوشل الجوية. وتعد القاعدة أيضاً موطناً لسرب من طائرات تورنادو المقاتلة التابعة للقوات الجوية الألمانية، وهي الطائرات الألمانية الوحيدة المجهزة لحمل القنابل النووية. وهذا يمنحها مقعداً في مجموعة التخطيط النووي التابعة لحلف الناتو، وفقاً لـ “DW” .

كان البرلمان الألماني “البوندستاغ” قد أقر في مارس 2010، قراراً متعدد الأحزاب يحث الحكومة على العمل “بشكل قاطع” من أجل حمل حلفائها الأمريكيين على سحب جميع الأسلحة النووية من ألمانيا. ولكن، بعد عقد من الزمان، يبدو هذا الهدف بعيد المنال أكثر من أي وقت مضى، بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014 والاستثمار في صواريخ متوسطة المدى ذات قدرة نووية. الآن، بدلاً من العمل من أجل انسحاب القنابل، فإن الجيش الأمريكي مصمم على تحديثها.

قرار ترامب سحب القوات الأمريكية من ألمانيا

أمر الرئيس دونالد ترامب في عام 2020 بسحب نحو (12) ألفاً من الجنود، وإعادة نشر جزء منهم في بلجيكا وإيطاليا، وبولندا، كجزء من حجته بأن الأوروبيين كانوا حلفاء غير مستحقين، كون ألمانيا لم ترفع مساهمتها في ميزانية حلف شمال الأطلسي “الناتو” للحد المتفق عليه، والتي تقدر بـ (2%) من إجمالي ناتجها المحلي الإجمالي. وتمسُّك برلين بمشروع خط أنابيب “نورد ستريم 2 ” مع روسيا.

الرئيس جو بايدن – الذي جعل تحسين العلاقات مع برلين أولوية قصوى – أوقف الانسحاب قبل أن يبدأ، وشددت إدارته على أهمية الناتو حتى عندما حدد بايدن الصين باعتبارها التهديد الرئيسي طويل الأجل لأمن الولايات المتحدة. وتبعاً لذلك أعلن وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن في 13 ابريل 2021 أن وزارة الدفاع ستنشر (500) جندي إضافي هناك بالإضافة إلى (35000) أمريكي يتمركزون هناك على أساس دائم أو دوري.

تحول الولايات المتحدة من ألمانيا إلى بولندا

تراجعت الأولويات الدفاعية لدول الاتحاد الأوروبي بعد مرور أكثر من ثلاثين عاماً على نهاية الحرب الباردة وخفّت الحماسة لاستقبال المزيد من القوات الأمريكية. أرادت ألمانيا تجنب إثارة عداء موسكو التي أصبحت أهم مورد للطاقة الرخيصة اللازمة لإدارة ماكينة الاقتصاد، فيما تحلم فرنسا بجيشٍ أوروبي يتولّى أمن القارة، بدلاً من القوات الأمريكية. فيما بولندا، بحكومتها اليمينية المتطرفة رحبت بحفاوة لاستضافة قوات أمريكية على أرضها، ووفّرت لها تسهيلات لوجستية وعملياتية مهمة، ودخلت في برنامج تسلّح وتحديث عسكري ضخم، يفوق بكثير حدّ الـ 2% من الناتج القومي التي أرادت واشنطن فرضها.

 فضلاً عن ذلك، عرضت على الولايات المتحدة مساهمة تناهز (2) مليار دولار لدعم توجهات لنقل عمليات “الفيلق الأمريكي الخامس” (القوّة العسكرية التقليدية الرئيسة في أوروبا)، إلى قواعد على الأراضي البولندية، واستضافة مركز التخزين الرئيس للمعدّات القتالية الأمريكية. كما استضافت وارسو في فبراير 2020 أكبر مناورات “الناتو” بعد الحرب الباردة، من خلال برنامج “ديفندر”، الذي شاركت فيه فرقة أمريكية ثقيلة كاملة ضمت أكثر من (20) ألف جندي من القوات المنتشرة في أوروبا. وأبرمت الولايات المتحدة في 15 أغسطس 2020 اتفاق تعاون دفاعي مع بولندا يمهد الطريق لإعادة نشر القوات الأمريكية من ألمانيا إلى بولندا.

ومع انتقال الحرب الأوكرانية إلى مرحلة الأعمال العسكرية، في 24 فبراير 2022، أصبحت بولندا نقطة الارتكاز للغرب في حربه المتعدّدة الأوجه على روسيا. عزّز “الناتو” من وجوده في بولندا، بشكل ملحوظ ، حيث أرسلت الولايات المتحدة (5000) جندي إضافي ليصل العدد الإجمالي إلى حوالي (10000) جندي يتمركزون الآن على الحدود قبالة أوكرانيا. كذلك، وافقت واشنطن وبشكل عاجل، على بيع (250) دبابة “أبرامز” إلى الجيش البولندي.  ونشرت الولايات المتحدة بطاريتي صواريخ أرض-جو جديدتين من نوع “باتريوت” في بولندا بناء على طلب وارسو، علماً بأن منظومات الصواريخ هذه عادة ما تُنشر في ألمانيا.

الأزمة الأوكرانية تقلب الموازيين

أدت حرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا ودفعه لقلب النظام الأمني ​​الأوسع نطاقاً في أوروبا إلى تحول تاريخي في التفكير الأمني والتعاون الاستراتيجي الأمريكي والألماني بشأن الدفاع عن القارة.  أعاد الجيش الأمريكي – مع بِدأ روسيا نشر قواتها على حدود أوكرانيا – فتح قيادة المدفعية السادسة والخمسين في أوروبا رسمياً في 3 نوفمبر 2021، والتي تم حلها وسحبها من ألمانيا في عام 1991 بعد توقيع معاهدة القوات النووية متوسطة المدى بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة. كما أعلنت وزارة الدفاع الأمريكي “البنتاجون”، في 24 فبراير 2022، عن إرسال (7000) جندي إلى ألمانيا، وأشار البنتاجون إلى أن القوات المرسلة إلى ألمانيا تضم وحدات مدرعة ومشاة وهي لتعزيز قدرات الناتو.

عززت ألمانيا أيضاً في المقابل استراتيجية التعاون الأمني والدفاعي الخاصة بها، وخرجت عن أحد ثوابت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهو تحجيم الإنفاق العسكري وعدم التورط في أي أعباء عسكرية خارجية. أعلنت الحكومة الألمانية على لسان رئيس حكومتها المستشار اولاف شولتز في 26 فبراير 2022 عن استثمار إضافي بقيمة (100) مليار يورو في الدفاع، وبذلك تلتزم ألمانيا بإنفاق أكثر من (2%) من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع. كما أعلنت بأنها سترسل مساعدات دفاعية إلى أوكرانيا، (1000) سلاح مضاد للدبابات و (500) من أنظمة الدفاع المضادة للطائرات من طراز Stinger إلى أوكرانيا.  كما رفعت برلين الحظر عن دول الاتحاد الأوروبي الأخرى من إرسال معدات ألمانية الصنع. إضافة إلى تعزيز القوات الألمانية في الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي. وقد أعلن وزير دفاع سلوفاكيا في 20 مارس 2022، إلى أن بلاده تسلمت أنظمة الدفاع الجوي، باتريوت المضاد للطائرات، والصواريخ الباليستية التكتيكية، من ألمانيا.

لعل من النقاط اللافتة أيضاً في هذه “الصحوة” الألمانية، هي الوتيرة المتسارعة للخطوات المتعلقة بملفّ تسليح الجيش الألماني، فقد أعلنت وزيرة الدفاع الألمانية كريستين لامبرخت، خلال بيان مشترك مع رئيس أركان القوات الجوية الليفتنانت جنرال إنغو غيرهارت،  فيي 15 مارس 2022 عزم برلين على شراء ما يصل إلى (35) مقاتلة أمريكية من نوع “أف-35″، وهو إعلان جاء مفاجئاً بشكل كبير، بالنظر إلى عدة عوامل، من بينها أنَّ سلاح الجو الألماني كان قد عزف – بعد سنوات عديدة من الدراسة – عن خططه السابقة لشراء هذه المقاتلة.

بهذه الخطوات، فكت ألمانيا عقوداً من السياسة الخارجية والدفاعية الألمانية، وهذا ما يمكن وصفه بتحول زلزالي ليس فقط بالنسبة للبلد، ولكن يحتمل أن يكون لأوروبا والعلاقة عبر الأطلسي.

قوة أوروبية موحدة  

اتفق وزراء الخارجية والدفاع في الاتحاد الأوروبي في 21 مارس 2022 على استراتيجية أمنية تهدف إلى تعزيز الحضور العسكري للتكتل مع عودة الحرب إلى أوروبا تتضمن إنشاء قوة للرد السريع يصل قوامها إلى (5) آلاف جندي يمكن نشرهم بسرعة في حالة الأزمات.  وقالت وزيرة الدفاع الألمانية كريستينه لامبرشت في بروكسل إن بلادها مستعدة لتوفير النواة الأساسية لقوة الرد السريع بحلول عام 2025، وهو العام الذي من المفترض أن تصبح فيه القوة جاهزة للعمل. وفقاً لـ”يورو نيوز”.

إن تشكيل قوة أوروبية تعد نواة أولية لمشروع الجيش الأوروبي الموحد، الذي تم التفكير فيه منذ أن وقعت تشنجات بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية تحت مظلة الحلف الأطلسي، خاصة بعد أن هدد دونالد ترامب بالانسحاب من الحلف وإضعافه، وهو ما أرغم الأوروبيين على التفكير في تكوين جيش أوروبي موحد وعقيدة دفاعية مشتركة ذات استقلالية. وكان العمل قد بدأ لوضع الاستراتيجية قبل الازمة الأوكرانية. 

 تم تكوين صندوق دفاع مشترك لتطوير الأسلحة منذ أواخر 2017، لكن لم ينشر الاتحاد الأوروبي حتى الآن أي مجموعات قتالية بحجم كتيبة في أي أزمة.  وفي وقت سابق من شهر مايو 2021، أعلن مسؤول رفيع في الاتحاد الأوروبي أن (14) دولة أوروبية تتقدمها فرنسا وألمانيا تقدمت باقتراح لإنشاء قوة عسكرية للتدخل السريع بغرض نشرها بشكل مبكر في الأزمات الدولية. وفقاً لموقع “ميدل إيست”. واكتسبت خطط الإصلاح الدفاعي زخماً ملحوظاً بعد أن واجهت الدول الأوروبية متاعب جمة في إدارة الانسحاب الفوضوي من كابول في أغسطس 2021، حيث  دعا وقتها رئيس دبلوماسية الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوري، ورئيس اللجنة العسكرية للاتحاد الأوروبي، كلوديو غرازيانو، إلى إنشاء قسم داخل المنظمة “قوة رد سريع”.

قد تكون مهمة تشكيل جيش أوروبي موحد ليست بالسهلة، خاصة وأن بعض دول الاتحاد مثل دول البلطيق وأخرى شرق أوروبا، لا ترغب في الاستبدال بالمظلة. لكن بخروج بريطانيا عن طريق البريكست أصبح صوت الداعمين لاستقلالية القرار العسكري الأوروبي أقوى، لا سيما فرنسا التي ترفع شعار تأسيس هذه المنظومة الموحدة.

التقييم

دفع الغزو الروسي  لأوكرانيا إلى إعادة التفكير في الاحتياجات الدفاعية الإقليمية ليس فقط من قبل واشنطن ولكن أيضاً من قبل بعض الحلفاء الأوروبيين ، بما في ذلك ألمانيا ، التي بدأت تتخذ أخيراً الخطوات اللازمة لأداء دور يتماشى مع قوتها الاقتصادية والسياسية داخل حلف الناتو.

ستجعل الزيادة في الإنفاق ألمانيا الجيش الأفضل تمويلاً في أوروبا الغربية.  ومن غير الواضح كيف سيتناسب جيش ألماني جديد وأفضل تجهيزاً مع التفكير الدفاعي طويل المدى للاتحاد الأوروبي ولا كيف سيتصرف داخل الناتو. لكن المؤكد أن عملية تحديث الجيش الألماني ستستغرق سنوات طويلة، ربما يتم خلالها بشكل جذري – في ضوء نتيجة المبارزة الحالية في أوكرانيا – إعادة تشكيل ميزان القوى الدولي. يبدو من المرجح أن ألمانيا ستسعى بنشاط للعب دور أكثر بروزاً في الأمن الأوروبي .

لا يمكن الجزم في هذه المرحلة أن انشاء قوة أوروبية موحدة سيسبب قطيعة مع الحلف الأطلسي، لكنه يؤسس لوضع اللبنات الأولى لمقاربة أوروبية عسكرية مشتركة يمكن في حال انهار الحلف الأطلسي أن يقوم بعمليات دفاعية وعسكرية خاصة بالفضاء الأوروبي.

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والإستخبارات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post الإيجارات الهولندية ترتفع بشكل كبير
crowd of people at masjid al haram Next post وزارة الحج والعمرة السعودية تدعو زوار بيت الله للتفرغ للعبادة بدل التصوير
%d مدونون معجبون بهذه: