سويسرا نمنح الأوكرانيين الحماية من فئة “اس”

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_ منذ أن قررت سويسرا تمكين الأوكرانيين الفارّين من الحرب من الحصول على وضع الحماية من فئة “اس”، الذي لم يسبق أن مُنح لأيّ كان، تعددت ردود فعل العشرات من قرائنا العرب وتراوحت بين الاندهاش والغضب والتبرير والتفهّم.   

على إثر الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير الماضي، شهدت سويسرا موجة من التضامن الشعبي والحزبي التلقائي والعريض مع الشعب الأوكراني بدّد في ظرف أيام قليلة التردد الذي طبع الموقف الرسمي للحكومة التي قررت في 28 فبراير اعتماد حزمة العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا بالكامل.

ومع بدء تدفق أفواج اللاجئين الأوكرانيين على الأراضي السويسرية، اتخذت الحكومة في 11 مارس قرارا بتمكينهم على الفور من التمتع بوضع الحماية من فئة “اس”، وهي أداة تسمح بالقبول السريع لمجموعة معينة من اللاجئين واللاجئات، دون الحاجة للمرور بإجراءات اللجوء العادية، من أجل التمكّن من التعامل مع تدفق هائل للأشخاص، وتجنّب إثقال كاهل نظام اللجوء.

بهذا التمشي الاستثنائي، أظهرت سويسرا انفتاحًا غير مسبوق تُجاه اللاجئين، أشادت به العديد من الأطراف داخليا وخارجيا لكنه أثار مشاعر متباينة لدى العديد من طالبي اللجوء المقيمين في سويسرا والقادمين من بلدان عربية وافريقية وآسيوية تُعاني (أو عانت) من حروب دموية ومن نزاعات مدمرة لا تختلف كثيرا عما تمرّ به أوكرانيا حاليا.

صدمة وتعجّب

رغم التفهم لخطورة ما يحدث في أوكرانيا ولحجم المأساة الإنسانية المروعة فيها، تعددت تعليقات القراء المنشورة على صفحتنا على فيسبوك حيث تساءل البعض مستنكرا: “هل يحظى السوريون أو العراقيون أو اليمنيون بنفس الحماية؟” ولفت آخر إلى أن “هذه الرعاية لم تُمنح لا للسوريين ولا لعراقيين ولا للأفغان”، وقال أحدهم: “لست أدري ما هو الفرق بين اللاجئين القادمين من سوريا ومن افريقيا الوسطى وأفغانستان وبين اللاجئ الأوكراني، في حين أن جميعهم فارّون من الموت بسبب الحرب؟”.

بشيء من الغضب، ذهب البعض الآخر إلى أن هذا القرار “ليس انفتاحا، ولكنه تمييز عنصري”، ورأى فيه مجرد “انفتاح على نفس اللون والثقافة”، مضيفا “هذا من حقكم، ولكن لا تُزعجونا بأسطوانة الإنسانية المشروخة..”، وتساءل آخر “أين كانت هذه المساعدات للقادمين من الشرق الأوسط بعد حروب مدمرة وكارثية راح ضحيتها مئات آلاف القتلى وملايين المشردين؟”. وأضاف معلق عراقي أن “الانسانية رحمة وفطرة سليمة، ولكن مع جميع المُبتلين ولا تفضيل لإنسان على آخر، فالإنسان أخُ الانسان”.

بعض القراء اعتبروا أن سويسرا “تكيل بمكيالين”، وقال أحدهم: “إنهم يتصرّفون مع الأوكرانيين كأنهم أناس نزلوا من السماء بينما يغرق العربي في الحدود المائية (..) أما الناجون الذين يصلون الى الحدود بعد كفاح مرير فيبقون أياما طويلة حتى يحصلوا على خيم”. وأضاف آخر: “في السنوات السابقة، لجأ الكثير من السوريين والعراقيين والأفغان ولم يُمنح لأي واحد منهم حق اللجوء من فئة “اس”، بل كنت تجد صعوبة بالغة لكي يُقبل لجوؤك في سويسرا، أما الآن فنجد التسهيلات لأي لاجئ يقدم من أوكرانيا.. هذا ليس انفتاحا وإنما عنصرية”.

مشاعر الغضب امتزجت بخيبة أمل مريرة عبّر عنها البعض بشيء من القسوة قائلا: “حرب أوكرانيا فضحت نفاق الغرب.. الجميل المتحضّر الانساني.. الذي كنا مُغرمين به وبصورته الحضارية المزيفة.. يا للأسف”، بل ذهب البعض إلى أبعد من ذلك معتبرا أنه “من الواضح جدا أن القيم في عالمنا هذا باتت تتجزأ، وأن المبادئ التي ضحك علينا بها العالم الأوروبي لم تعد إلا حبراً على ورق.. سُحقاً للعنصرية والتمييز”.

أسئلة حارقة

أسئلة كثيرة طرحها المعلقون وهذه أمثلة منها “في الوقت الذي قدِمْنا فيه كنا خمسين ألف لاجئ عام 2015، فما هو الفرق؟” مع الوضع الحالي، ثم “ألا يُعتبر هذا من باب الكيل بمكيالين؟ ألا يُعتبر هذا نوعا من أنواع التمييز القائم على العرق؟ عند مقارنة الحالة السورية بالأوكرانية، نجد أن كلا الطرفين قد أخرجوا من بلادهم بسبب ظروف قاهرة أجبرتهم على الفرار للنجاة بأرواحهم. فلماذا يُعطى هذا إقامةً من نوع “اس” ويُعطى الآخر إما إقامةً من نوع “ب” أو من نوع “اف”. ألا يُعتبر هذا تمييزا عنصريا؟ وأين مبدأ المساواة والشفافية؟”. وعلّق قارئ سوري: “يبدو وكأن الحرب في سورية كانت مجرد فلم كرتون، لذلك لم يتحصّل السوريون على شيء”.

نبرة التهكم أو السخرية لم تغب عن العديد من التعليقات من بينها هذه النماذج: “فئة “اس” هذه من المؤكد أنها تعني “منّا وإلينا” لأنه يُوجد في سويسرا آلاف اللاجئين الذين جاؤوكم من بقاع مُلتهبة أخرى في العالم ولم تمنحوهم ولا حتى إقامة من فئة “سي”، تلك التي توفر التأمين الصحي للمُعوزين”. وأضاف آخر متفهما ومقارنا: “الأوروبيون مُرحّب بهم في أوروبا، أما الآخرون القادمون من بلدان أخرى – حتى وإن كانوا يموتون من شدة الحرب – فهم غير مُرحّب بهم، وإن تم إيواؤهم فعلى مضض وتكون شروط العمل والإقامة الخاصة بهم صعبة للغاية. ولكن لا لوم على الأوروبيين، لأن أبناء جلدتهم من البلدان العربية لم يستقبلوهم وضيّقوا عليهم كثيرا. إنها عنصرية من الأقارب قبل الآخرين”.

مثلما كان متوقعا، أجرى البعض من طالبي اللجوء مقارنات بين أوضاعهم المتردية والصعوبات التي يُعانون منها منذ سنوات وبين الامتيازات الممنوحة للاجئين الأوكرانيين وتساءل أحدهم: “وماذا عن اللاجئين الذين جاؤوا قبلهم ولا زالوا حتى الآن حاملين لإقامات لا تمنحهم مجرد الحق في اقتناء رقاقة هاتف جوال ولا في الذهاب لزيارة أهاليهم الذين لا يبعدون عنهم سوى بضع كيلومترات؟” (في بلدان مجاورة لسويسرا). بل قال آخر: “بصراحة أنا لا أتمنى إقامة من فئة “اف” حتى لعدُوّي، ولكن ببساطة شديدة ازدواجية المعايير واللاعدالة ظاهرة موجودة في أروقة العدالة السويسرية”، حسب زعمه.

لدى التذكير بأن عددا من السويسريين يقولون إنه من البديهي أن يكون “الأقربون أولى بالمعروف”، وأن الأوكرانيين أوروبيون يشتركون معهم في نفس الثقافة، ويرون أنه من الأسهل إدماجهم في المجتمع. يُضاف إلى ذلك أن أغلب القادمين من بلدان بعيدة هم من الرجال والشباب، في حين أن جلّ اللاجئين الأوكرانيين من النساء والأطفال، ردّ أحدهم: “هذا مفهوم طبعاً وفق مبدأ براغماتي ونظرة مادية، لكن بالمعيار الإنساني التنويري فكل مهجّر ونازح ولاجئ نتيجة حرب، أو كارثة بيئية، أو ملاحقة ظالمة أو ما شابه ذلك له حق إنساني في الأمن والإيواء ومواصلة الحياة (وليس في الإدماج بالضرورة) بغض النظر عن لون بشرته أو بطاقة هويته، لكن طالما دخلت معايير الفرز والانتقاء والفلترة فلا مجال للحديث عن “قيم عليا إنسانية”، على حد قوله.

وأضاف مكمّلا: “من العدل أن تكون لسويسرا كامل حريتها في وضع وتطبيق قوانينها؛ المشكلة في أن الغرب يلقن الشرق دروساً في الإنسانية والديموقراطية والعقلانية والتنوير والتسامح وحقوق الإنسان… بينما يُمارس هو على أرض الواقع – أفرادا وحكومات – سياسات عملية نفعية مادية من منطلق الاستعلاء الثقافي وبسند من القوة الاقتصادية. هذا الخلل في معايير الحكم على القضايا المتشابهة والمواقف المتماثلة هو ما يستحق الرفض”.

تفهم للقرار ودفاع عن سويسرا

في المقابل، انبرى عدد من القراء للرد على التساؤلات والاتهامات المتداولة وكشفت النقاشات والتعليقات المتبادلة بين المتصفحين أن عددا من اللاجئين العرب المقيمين في سويسرا يحرصون على تنسيب الأمور وعلى النظر إلى الأمور من زاوية أخرى تتسم بقدر أكبر من الواقعية والعقلانية.

أحد القراء لم يُخف تعاطفه مع اللاجئين الجدد وقال: “الله ييسر لهم، الحمد لله نحن موجودون هنا ونشتغل ولا ينقصنا شيء ونوعية الإقامة لا تُغيّر شيئا بالنسبة لنا”. وأضاف آخر أن “سويسرا تلقّن درسا للأعراب الذين لم يستقبلوا بني جلدتهم المُضطهدين”، بل ذهب متدخل آخر إلى أن “تعاطف الأوروبيين مع الشعب الأوكراني نموذج رائع يجب على رجال الأعمال والأثرياء العرب والمسلمين التعلم منه وأخذ العبر”.

وبمناسبة الحديث عن اللاجئين السوريين، ذكّر أحدهم أن “سويسرا فتحت المجال أيضا للسّوريين، وتم جلب الآلاف من السوريين إلى سويسرا.. بل هناك أناس أخذوا إقامات من فئة “ب” وبدون المرور أمام محكمة وانتقلوا للإقامة مباشرة في سكن خاص”.

وفي شهادة اتسمت بالذاتية، دافع قارئ عن سويسرا قائلا: “تعلمتُ في مدارسهم، وتدربتُ في مراكزهم، عملتُ معهم، فما وجدتهم إلا أصدق الناس معاملة، وأوفاهم وعـدًا، وأكثرهم أخلاقا.. يجري السلام والإنسانية في عروقهم مجرى نهر الراين في مدنهم.. إن كانت سويسرا عنصرية فماذا سنقول عن الدول العربية؟ أو عن روسيا أو عن الصين أو عن كوريا أو عن أمريكا؟”، وأضافت قارئة ممتنّة “المهمّ، مهما كانت الأوراق وألوانها وأشكالها، فإن الإنسانية تبقى لا لون لها. شكرا لسويسرا على قبولنا على أراضيها التي أصبحت أرضنا”.

البعض الآخر لا ينفي أنه “يُوجد تمييز للأسف وهو واضح” حسب زعمه، لكنه يستدرك قائلا: “على كل حال، هي سويسرا ولها حرية التعامل مع أيّ ملف وعلينا تقبّل ذلك”. في المقابل، يرى قارئ آخر أن سبب المعاملة الاستثنائية للاجئين الأوكرانيين يكمن في أن “أوكرانيا جارة..”، مضيفا أنه “كان من المفروض أن تفعل دول الخليج ذلك (مع اللاجئين العرب والمسلمين) ومع ذلك، فإن ألمانيا هي التي استقبلت الملايين”.

بقدر كبير من الواقعية الممزوجة بالمرارة، كتب أحد القراء يقول: “صراحة، هذا شأن سويسري بحت، وسويسرا بلد يعرف ماذا يفعل: هل من صالحه إيواء هذا العدد من اللاجئين وما تحمله الإقامة من فئة “اس” من ميزات”، لكنه يُلفت إلى أنه “في نفس الوقت، يعيش أصحاب الإقامة الإنسانية من فئة “اف” بلا أمل، بل يموتون موتا بطيئا. فهم لا يمتلكون جواز سفر لكي يتمكنوا من الذهاب لرؤية الأم والأب في بلد مجاور لبلدهم (..) ومع كل هذا، شكراً للحكومة السويسرية وشعبها على استضافتنا في بلدهم، وإن حدث أي شيء لسويسرا فسوف نكون من ضمن المشاركين بالحفاظ على هذا البلد، كوني أعتبره بلدي”.

تساؤلات

لم يقتصر الأمر على توجيه الانتقادات لسويسرا أو الدفاع عن قراراتها، بل انخرط البعض في استشراف المستقبل من خلال طرح تساؤلات أو التقدم باقتراحات عملية. قارئة تساءلت: “على هذا الأساس، هل يُمكن الطعن في أنواع الاقامات الممنوحة سابقا للاجئين الآخرين لأن الحالة واحدة وهي الفرار من الحرب؟”. وقال آخر: “أعتقد أنه يجب على سويسرا أن تُراجع قرارها بخصوص الاقامات من فئة “اف”، وإعادة النظر فيها للأشخاص المُقيمين في سويسرا منذ أكثر من ست سنوات”.

في نفس السياق، تساءل قارئ آخر: “ما هو ذنب هؤلاء الأشخاص الذين لا يُسمح لهم حتى بالسفر الى بلدان الاتحاد الاوروبي بسبب التصاريح؟ صحيح، نحن ضد الحرب وضد العنصرية لكن هذا واقع الحال لبشر يعيشون داخل سويسرا منذ سنوات مُعتمدين على الرعاية الاجتماعية وحصولهم على عمل شبه مستحيل لأن الأولوية تُمنح للأشخاص الحاملين لإقامات من نوع “سي”، أي قادمون من بلدان الاتحاد الأوروبي، وإثرها تأتي الإقامات من نوع “ب” (لجوء سياسي)”.

ودعا قارئ يمني دائرة شؤون اللاجئين إلى “معالجة طلبات اللجوء المقدمة من طرف طالبي اللجوء اليمنيين الموجودين في داخل سويسرا، والإسراع في اتخاذ قرار بشأنها وعدم تأجيلها إلى أجل غير مُسمّى”.

من الأسئلة الأخرى التي طرحها القراء على السلطات خصوصا وعلى الرأي العام السويسري عموما: “هل سيكون هناك أيّ تعاطف مع اللاجئين من دول العالم الثالث أم أن الديمقراطية وقيم الحرية في سويسرا تنص على تصنيف البشر وفقا لأعراقهم؟”.

تفاؤل حذر

لا يكفي المجال للرد هنا على هذه التساؤلات أو للتعليق عليها لكن إيتيان بيغيه، نائب رئيس اللجنة الفدرالية للهجرة لاحظ في وجهة نظر نشرها على مدونته أن “الحجة القائلة بأن الانفتاح على ضحايا الحرب في أوكرانيا من شأنه أن يكشف عن انغلاق عنصري تُجاه اللاجئين السوريين أو الأفغان أو اليمنيين تستحق دراسة متأنية ودقيقة لعدة أسباب” تناولها بالتفصيل. ومع إقراره بأن “استنكار العنصرية التي تتسم بها بعض المواقف الرافضة للآخر له ما يبرره، لكن التقارب الجغرافي للتضامن يظل أيضًا، وإلى حد كبير، من الثوابت على مدى التاريخ”. وأضاف: “يُمكننا أن نحلم بأن التعاطف والترحيب سيتغلب في يوم من الأيام على كل المسافات والحواجز، لكن يجب أن نكون حريصين على عدم تشويه تضامن الأقربين باسم مُثل مثالية بعيدة”.

من ناحيتها، أعربت سارا بروجين- تويركاوف، أستاذة القانون بجامعة فريبورغ عن قدر من التفاؤل بخصوص المستقبل، وقالت لـ SWI swissinfo.ch في وقت سابق: “ربما سيرى السويسريون أن هذا الشكل من الاستقبال (أي وضع الحماية “اس”) ناجح، وأن يُصبح استخدامه أسهل في المستقبل”، وأضافت معلقة: “آمل على الأقل أن يكون للتضامن الذي يشعر به السويسريون تجاه الأوكرانيين تأثير إيجابي على اللاجئين الآخرين في البلاد، لأنهم في نفس الوضع تمامًا. فهم أيضا تمّ اقتلاعهم من جذورهم”.

Swissinfo

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post عن عيد العمال
Next post حكايا المدار الفنية ((الحكاية التي تعتبر أغرب من الأفلام))
%d مدونون معجبون بهذه: