أخبار عاجلة

تركيا والإمارات.. صراع لأجل القيادة

عبد الرحمن البشير

شبكة المدار الإعلامية الأوربية…_خططت تركيا قبل عقدين من الزمان لقيادة العالم الإسلامي من البوابة الكبرى (الفاعلية السياسية)، ووضعت خطة متكاملة للخروج من سياسة (الجسر) بين الغرب والعالم الإسلامي إلى سياسة (القيادة) للعالم الإسلامي، والذهاب إلى الاتحاد الأوروبي بعد ذلك باعتباره خطة بديلة، وليس خطة وحيدة للتعامل مع المحيط كما كان العلمانيون يعملون عقودًا متطاولة.وفي الضفة الثانية، خططت الإمارات العربية المتحدة أن تكون دولة ذات حضور قيادي فى العالم العربي، والإسلامي ولكن من بوابة المال، والعمل مع الغرب باعتبارها دولة وظيفية، وليس العمل مع الدول ذات الوزن في المنطقة، وهذا يتطلب منها تحقيق ثلاثة أمور:

١- احتلال الموانئ الفاعل فى المنطقة، وخاصة تلك التي قد تنافس موانئ دبي العالمية بوصفها شركة استعمارية في دولة وظيفية، ومن أخطر الموانئ التي قد تنافس موانئ البحر الأحمر ذات الحساسية الاستراتيجية العليا؛ ولهذا خططت احتلال موانئ جيبوتي، وبربرا، وكسمايو، وميناء عَصب، وعدن، وغيرها من الموانئ في اليمن.

٢ – تدمير اقتصايات الدول ذات الوزن الاستراتيجي، وجعلها تابعة للإمارات، واستخدمت في تحقيق ذلك قوات خارجة من القانون، واستأجرت كل الإمكانيات المالية والسياسية في هذا المجال (مصر واليمن) نموذجًا.

٣ – خططت لإقامة منتديات دينية وثقافية وسياسية تحت مسميات عدة منها (تعزيز السلم) وهي تعرف أنها لا تملك مرجعية دينية مقبولة عالميًا، فلا هي موئل الدعوة الوهابية (السعودية وقطر) نموذجًا، ولا هي تملك جامعات إسلامية عريقة كالأزهر في مصر، ولا هي لديها مراكز علمية ذات ثقل ديني كالمغرب وتونس والهند وغيرها.

موازين القوى بين الأتراك والإمارات 

لا شك في أن الإمارات تملك أموالًا ضخمة، ولكن هناك تساؤلات إستراتيجية بشأن من الذي يقف وراء تحريك الإمارات لتلعب دورًا أكبر منها؟ ولماذا تخطط الإمارات لتصبح وهمًا، وليست حقيقة قوة سياسية وعسكرية ومالية في آن واحد؟
يرى الخبراء بأن الإمارات دولة هشة من الداخل؛ ذلك لأن التعاقد السياسي بين الآباء المؤسسين يتعرض لتدخل غير مسبوق من طرف أمراء أبوظبي، وهذه قد تكون كارثة سياسية على مصير هذه الدولة الكرتونية من الداخل، كما أن الأجانب الموجودين في الداخل أصبحوا ظاهرة غير صحية، ويخلقون حالة غير عادية لدولة لا يسود فيها قانون المواطنة بشكل يتسق مع ثقافة حقوق الإنسان والمعايير العالمية.تتمدد الإمارات على حساب الداخل، وأوجدت السياسة المتبعة حالة من العداء في المحيط، فهناك مخاوف خليجية من سياسات الإمارات، وخاصة من الدول التي تملك نوعًا من الاحترافية كسلطنة عمان، والكويت، فضلًا عن قطر المحاصرة من الدول التي تقودها الإمارات.لدى الإمارات العربية المتحدة أموال كبيرة تنفقها في سبيل أن تصبح قوة إقليمية، ومن أهم ما تصنع هو لفت أنظار الناس إليها، وقد جمعت مرة علماء الأديان لتعلن بأنها مهتمة بالتسامح الديني، كما دعت في هذه الأيام بابا الكنيسة الكاثولوكية لأجل التسامح الديني، ولكن السؤال هل لدى الإمارات مشروع لأجل التسامح الإنساني؟ وهل لديها مشروع لأجل التسامح العربي؟ وهل لديها مشروع لأجل التسامح الإسلامي؟

قد يخلق المال علاقات تقوم على النفاق، ولكن المال وحده لا يصنع القوة ما لم يكن مسنودًا بالتخطيط الاستراتيجي، وهذا ما لاحظناه في مباراة كأس آسيا والتي جرت وقائعها في عاصمة الإمارات، ورأى الناس جميعًا كيف نجمت قطر بشكل هادئ الانتصار على الفراغ الاستراتيجي في الإمارات والسعودية. تحاول الإمارات أن تنافس قطر وهذا حقها، ولكن قطر لا تحاول أن تكون قوة إقليمية، بل هي تحاول أن تؤثر الإقليم والعالم بخطط موضوعة من قبل، وليس في برامجها أن تكون قوة ضاربة في العالم، ولكن هناك من الاستراتيجيين من يؤكد الآن بأن قطر تعد نفسها لتكون بديلًا عن موقع الإمارات الذي بدأ يتهاوى ماليًا، ولهذا تحرك أمير قطر إلى الصين واليابان وكوريا لإقامة علاقات وشراكات اقتصادية متينة، وتبني قطر البنية التحتية لاقتصاد بديل بدون ضجيج.وبالعودة إلى الأتراك فإنهم يملكون لتحقيق القيادة في العالم الإسلامي أربعة أمور:

١- التاريخ وقوة الذاكرة، ذلك لأن الدولة التركية عرفت بأن قوتها مسكونة في التاريخ، وليس من الممكن أن تنطلق من الفراغ السياسي لأجل أن تتمدد في العالم الإسلامي، وقد حكمت العالم قرونًا عدة، كما حكمت العالم الإسلامي بشكل مباشر أو غير مباشر ستة قرون، فهذه الخبرة مسكونة في الذاكرة التركية.

٢- وجود حالة من الوجدان الإسلامي في العالم الإسلامي، وهذه الحالة تفسر بغياب القيادة من العالم الإسلامي، فكل حضارة في العالم تقودها حالة، فالحضارة المسيحية البروتستانية تقودها الولايات المتحدة، والحضارة المسيحية الأرثوذكسية تقودها روسيا، والحضارة الكونفوشيوسية تقودها الصين، وتحاول تركيا أن تقود الحضارة الإسلامية، وهي تستحق لأسباب موضوعية تناولها بعمق المفكر الأمريكي فوكوياما.

٣ – التخطيط المستمر لقيادة العالم الإسلامي وعدم العودة إلى الوراء، وهذه بدأت حين وضعت الخطة رجال من وراء وزارة الخارجية الأمريكية، وعلى رأسهم الدكتور دَاوُدَ أوغلو، المفكر الاستراتيجي والفيلسوف السياسي التركي الذي يلقب بكسنجر تركيا، وهي السياسة الموصوفة (صفر) في العلاقات الخارجية، ولكنها تعرضت لنكسات خطيرة بعد الربيع العربي، واليوم هناك خطة تالية للعودة إليها، ولكن من بوابات ثلاثة، من البوابة السياسية مع الكبار في اللعب بالحبال المختلفة مع روسيا وأمريكا والصين والهند وإيران، وليس زيارة الملك عبد الله بعيدة عن هذا التخطيط الاستراتيجي المفتوح.

تخطط تركيا ما بعد الانسحاب الأمريكي بنفس سياسي طويل الأمد؛ ولهذا فهي تخيط حبالها مع العراق، ومن وراء العراق إيران، وفي داخل العراق جسم سني متفاهم مع سياسات تركيا الهادئة، وتخطط في صناعة ظهر سياسي في سوريا، ومن وراء سوريا المملكة الأردنية، والتي سوف تكون بوابة رئيسية لسوريا ما بعد الانسحاب. وهناك بوابة المال، وتحريك الاقتصاد التركي المبني على الإنتاج، والسياحة، والاستثمار الخارجي، وهذه بوابة مهمة، ونجحت دولة تركيا جذب المال العربي الخائف من الثورات المضادة، أما البوابة الثالثة فهي الاستفادة من عمقها التركي في ما وراء الحدود.

٤ – عرفت تركيا أن المعركة الحقيقية ليست في الجغرافيا، بل هي في العقول والقلوب، ولهذا خططت تركيا صناعة هوليود تركي ناجح، وبشكل غير مسبوق، فالأفلام التركية بدأت تغزو العالم العربي، ولَم تنجح سياسية التكميم معها، ونحن نعرف أن جميع القنوات الفضائية المملوكة لرجال الأعمال في الخليج أوقفت بث الأفلام التركية، ولكن الأفلام التركية وخاصة التاريخية اخترقت جدار الصمت في العالم العربي، وأصبح الفيلم التركي هو الأكثر مشاهدة (قيامة أرطغرل) نموذجًا.

لدى تركيا قوى صلبة، ومنها الجيش التركي الذي يصنف الثامن عالميًا حسب موقع (global fire power) في عام ٢٠١٧م، وتقدمت على ألمانيا والتى صنفت في التاسع، ومصر التي احتلت العاشر، ولديها تجارة متينة، واقتصاد قوي، وهي الآن دخلت سوق صناعة الأسلحة الثقيلة، ومن هنا رأينا أنها تخطط في الذهاب إلى إنشاء قواعد عسكرية في الخارج (الصومال وقطر) نموذجًا، وهناك محادثات جادة بين تركيا والكويت في هذه النقطة بعد ملاحظة مخاوف من تدخلات قد تكون من الجيران؛ لأن منطقة الخليج فوق بركان ساخن منذ أن بدأت سياسة الإمارات تتدخل في كل شيء.ويؤكد الخبراء بأن القوى الناعمة لتركيا أقوى من القوى الصلبة، ومع هذا فهي تخطط لإقامة العلاقات مع الخارج انطلاقا من القوى الناعمة، ولكن القوى الصلبة تحفظ نجاح القوى الناعمة من التهديدات الداخلية والخارجية.يظهر أوردوغان أمام الرأي العربي القائد الملهم، وذلك منذ زمن بعيد، والجميع يتذكر ما فعله أمام رئيس وزراء إسرائيل يوم أن غادر منصة دافوس وأعلن أنه لن يحضر بعدها، وخرج منها في حين لم يستطع السيد عمرو موسى عمل شيء، وتردد أمام الكاميرات، ولكن الأمين العام للأمم المتحدة أوقفه وأجلسه، وكيف رفض الثورات المضادة، ورفض الانقلاب العسكري على أول تجربة ديمقراطية في مصر، ووقف إلى جانب الشعب السوري، وآوى اللاجئين في بلاده وهم بالملايين، وبهذا فهو مسكون في الوجدان الشعبي كقائد استثنائي، ولكن الذى يجب ملاحظته أن الرجل لديه مشروع سياسي ويحارب لأجل أن يكون هذا المشروع حاضرًا ومستقبلًا.لقد فشل المال الإماراتي صناعة نجاح واحد في العالم الإسلامي، بل تراجعت دور إمارة (دبي)، والتي شكلت تجربة فريدة في لحظة ما بسبب الطغيان السياسي لإمارة أبوظبي، ومن هنا رأينا حتى تجربة (الشارقة) هي الأخرى تتخبط تحت ظلمات التيه في سياسات محمد بن زايد، وهو رجل بلا رؤية، وربما سيكون سببًا في تدمير الخليج قريبًا، ويرى بعض الخبراء بأن هلوسته السياسية قد تمنحه أن يقوم بتحرير الجزر الواقعة تحت إيران، وحينها تقع الواقعة في هذه المنطقة الهشة، ومن هنا حذّرت قيادات الحرس الثوري في إيران أن هناك من يلعب بالنار، وهو أول من يحترق بها، وتراجع هذا المال في القرن الأفريقي بسبب الغباء السياسي، ولَم يخرج المال السعودي والإماراتي مصر عن الأزمة الاقتصادية والسياسية والتي أوجدتها أدوات الثورة المضادة، وعلى رأسها الإمارات.هناك عنوان واحد للفشل الإماراتي، وهو الحقد من نجاحات الآخرين وخاصة من تركيا وقطر، وهناك عنوان واحد للنجاح التركي، وهو الرؤية ما بعد الْيَوْمَ، فإن الأتراك يخططون كما واضح من أفلامهم المستقبل، ويؤمنون بأن الصراع يتطلب الدخول إلى الصراع بقوة الفكر، وليس فقط بقوة المال فالمستقبل من لديه (فكرة + تخطيط + مال + عزيمة)، ولا مستقبل لمن تحركه العواطف والقوة الوهمية.

ساسة بوست

شاهد أيضاً

شهداءُ بيت لاهيا أيتامٌ على مائدةِ اللئامِ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_توشح قطاع غزة بالسواد، وشمله حزنٌ …

%d مدونون معجبون بهذه: