اللغة الصامتة: الجسد الاصطناعي

ألينا ماريا هريشكا ترجمة: مازن مرسول محمد

شبكة المدار الإعلامية الأوربية …_أولاً وقبل كل شيء، ينبغي لنا أن نفهم على نحوٍ أفضل المصطلحات التي نوردها حول: ما هو الجسد؟ أو السؤال بشكلٍ أفضل: ما هو المنظور الذي نستخدمه في هذه الدراسة على الجسد؟

ليست هناك تعريفات مناسبة عن الجسد، ومعظمها يُستخدم طبقاً لمجال التحليل أو النظام الذي تتوجه إليه. ومعظم الدراسات الأكثر أهمية على الجسد، بقدر تعلُّق الأمر بنا، هي دراسات الظاهراتية، وعلم الاجتماع ونظريات الاتصال.

لقد أكدت الظاهراتية في القرن العشرين حقيقةً وهي أننا نمثل أجسادنا، ونحن موضوعات مُجسَّدة ولا نستطيع الهروب من منظور العالم الذي يكون موجوداً فقط من خلال أجسادنا و«إعلان أحاسيسها». وهذا المنظور مهم للتذكير، لأنه كما يُستخدم الجسد في الاتصال ـ وكما أن التطورات التقنية والتكنولوجية ترتبط معه ـ لذلك فنحن نميل أكثر فأكثر لفهمه كأداة بسيطة، في إرادة الوعي/الروح والأنا.

يجادل المنظور الاجتماعي والثقافي للجسد بأن أجسادنا ـ ونحن ـ لا يمكن أن توجد ولكنها مُتضمّنة في البيئة الثقافية، وهناك بعض تقنيات الجسد التي نتعلمها بسبب هذا[1]. وهناك نقوش اجتماعية وثقافية وحتى سياسية على أجسادنا، ونحن نولد في بيئةٍ ثقافية معيَّنة، ونتعلم كيف نتحدث، وأيضاً كيف نمشي، ونقوم بالإيماء وتثبيت رؤوسنا… إلخ.

أيضاً، هناك جانب آخر مهم يجب أن يُذكر: حقيقة أن المجتمع يفرض في أغلب الأحيان صورة نمطية عن الجسد المقبول، أو حتى الجميل أو المثالي، وتتغير الصورة النمطية من خلال الوقت. لكن في أغلب الأحيان، فإن الشخص الذي يعيش في فترة زمنية معينة، يجري خلالها التلقيح مع فكرة معيَّنة حول الجسد الجميل، وسيحاول في أغلب الحالات ذلك، وهذا هو المهم أيضاً للتأكيد، من أجل حجتنا هنا.

وهنا يمكننا أيضاً التحدث حول الجسد الصريح. فلغة الجسد هي وسائلنا الأولى في الاتصال، والوسائل موجودة حتى قبل استخدام لغة واضحة، ما عدا لغة الجسد المحدودة التي تتضمن الكثير من الجوانب. والجسد نفسه يمثل كلاً من المنزلة الاجتماعية لـ «مالك الجسد»، وأيضاً قبول فكرة الجمال الاجتماعية الشائعة.

يتفق جميع المنظِّرين في لغة الجسد على أن الجسد مركَّب من كلٍ من العناصر الثقافية والفطرية، ومعظم تلك الفطرية يُشير إلى حركات الوجه، والتي سماها «بول إكمان» (Paul Ekman) التعبيرات الدقيقة، والتي تضرب جذورها في مرحلة مبكرة جداً من التطور الخلقي لدينا.

والشيء المهم هو أنه خلافاً للإيماءات الثقافية ـ التي يمكن أن تسيطر على بعض النقاط، والتي يمكن أيضاً أن تتغير ـ فنحن لدينا القليل من عدم السيطرة على التعبيرات الدقيقة. وهناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به لحصول كل شخص على الوجه اللامعبِّر الذي قد سمع عنه.

ما نجادل حوله هنا، هو أنه في العقود الأخيرة الماضية حصل هذا الوجه اللامعبِّر على إمكانية عالية في الوصول إلى الغاية، بسبب: أولاً، أن الصورة النمطية الاجتماعية تتوسل لتصبح أصغر سناً (مع الجلد المشدود والشفتين والخدَّين الممتلئين… إلخ.)؛ وثانياً، بسبب التطورات الأخيرة في الحقل التكنولوجي والطبي، التي جلبت التدخل وتعديل أجسادنا والوصول للجميع.

في الحقيقة، إن تلك التعبيرات الدقيقة هي جزء صغير من ماهية وسائل لغة الجسد، لكنها تمثل القاعدة في ذلك، وكانت الجانب الوحيد الذي يثبت أنه لا يمكن ان يُعلَّم ثقافياً/اجتماعياً.

كل هذه التدخلات في/على الجسد تمكننا من التحدث عن الجسد الاصطناعي. الجسد الاصطناعي هو الذي لا يزال موجوداً في العالم الحقيقي، ما زال يمثلنا كبشر، لكنه متغير، ومُعدل من خلال الوسائل التكنولوجية أو الكيميائية، تماماً مثل الآلة.

لكن هذا ليس جديداً، إذ تم التدخل بجسدنا من خلال كل التاريخ (من الوشم إلى كل محاولات الحصول على صدر صغير في العمر من القرون الوسطى)، وقد تم تجسيد الأجساد على طول الطريق خلال التاريخ، حتى ولو فقط في القرون الماضية كان هناك نمو كبير في النظريات حول الجسد كأداة اتصال، أو كآلة للمهام المختلفة (Marx, Foucault, Mauss, etc…). ما تغيّر الآن هو أنه للمرة الأولى، بات لدينا الوسائل لتشكيل أجسادنا في مقياس غير مرئي، غير محدود تقريباً، وذلك باستخدام آخر المكتشفات من قبل: الجسد الاصطناعي، وحتى الجسد الافتراضي كنقاط؛ حيث يلتقي اثنان من أقدم الهواجس لدينا، وهما: الخلود والكمال.

هذا المفهوم الجديد للجسد الاصطناعي مهم لوجهة نظرنا حول لغة الجسد، لأنه بات بإمكاننا الآن أن نقوم بتغيير مظهرنا، وأن نسيطر على تعابيرنا الدقيقة، وأن نجعل جسدنا مثالياً كما يتطلب المجتمع لذلك.

وإذا كان الجسد الجديد يغطي بعض الإيماءات الدقيقة، لكنه من الناحية الأخرى، يعرض فقط ما كنا عليه، وهو أكثر استثماراً من القديم، لأن هذا يتوافق بشكلٍ أفضل مع حوائجي، أهدافي أو تصوري. غير أن هذا الجسد الجديد يبدو متناقضاً تماماً مع ما تعنيه لغة الجسد.

باختصارٍ، إن الحدود بين التكنولوجيا والعضوية تختفي تدريجياً في العالم حيث يصبح الجسد ملكاً للتحديث والتوسيع، وكيف يؤثر هذا في الإنسان والاتصالات البشرية؟ سوف نحاول أن نحلل هنا نتائج كل هذا في/على الجسد ولغته وقدرتنا على قراءتها.

2 ـ لغة الجسد ـ تاريخ قصير

حُللت الوظيفة الاتصالية للجسد كثيراً، وخصوصاً في السنوات الـ60 الأخيرة. وبعد فترةٍ طويلة من الصمت، تم تركيز الانتباه ثانية على الجسد بالتحول غير اللفظي، الذي دُعم بشكلٍ رئيس بين 1960 و1980. ومن منظور مختلف، تم تأكيد تنسيق العلاقات بين الأشخاص، وتركيز الانتباه على الجسد وإمكانيته الصريحة وخصوصياته. وقد طوَّر الجزء الأساس من البحث، واستهدف تعزيز فهمنا للجوانب غير اللفظية من الاتصال: اتصال العين؛ تعبيرات الوجه؛ حركة الرأس؛ اللمس؛ الإيماءات. وقد أذعنت الوضعيات جميعها للتحليل الجاد من أجل اكتشاف وظيفتها ودورها ضمن التبادلات الاجتماعية (Argyle, 1975).

يمكننا أن نميز على الأقل ثلاثة مستويات من الاتصال غير اللفظي:

(1) ملحقات الجسد، مثل الماكياج، الملابس، المجوهرات، أو الأوشام.

(2) الجسد وصفاته الطبيعية والفسيولوجية، حركاته، إيماءاته ووضعياته.

(3) التقارب/الجسد في الفضاء والبعد من الآخرين.

كما يقول ألان بيز (Alan Pease) «إن الاتصال غير اللفظي عملية معقدة، تتضمن الرجال، الرسالة، حالتهم الداخلية وحركات أجسادهم» (Pease, 1988 and 1997: 4).

ويتفق معظم الباحثين على أن هناك أهدافاً مختلفة اشتركت في اللغة اللفظية وغير اللفظية. واللفظية تُستخدم أكثر لإرسال المعلومات، بينما تُستخدم غير اللفظية للتعبير عن المواقف والمشاعر الشخصية. ويمثل الاتصال غير اللفظي العلاقة، والموقف الشخصي الصريح، وهما غير مرتبطين بشكلٍ إلزامي سويةً، لكنهما عادةً ما يُستخدمان سويةً، في الحالة الصريحة نفسها، حتى إذا استطاعا التعبير عن أشياء مختلفة تماماً. ويمكن للاتصال غير اللفظي أن يكون بديلاً، يرافق، يختصر أو حتى يناقض الاتصال اللفظي.

إن لغة الجسد هي مجرد جزء من الاتصال غير اللفظي، وهي الشكل الأقدم من أشكال الاتصال، ولا تزال جزءاً مهماً جداً من الاتصال. «لغة الجسد تتكون من الأوضاع والإيماءات، وتعبيرات الوجه، واتصال العين، وحركات الرأس، وترنيمات الصوت. وهذه القنوات غير اللفظية من الاتصال تكشف الحالات البدنية، العقلية، والعاطفية، والكثير من تلك هي غير مدركة على حدٍ سواء للمرسل والمتلقي. ولكي يكون ذلك دقيقاً، يمكن القول إن لغة الجسد في الحقيقة ليست اللغة الطبيعية المناسبة، مثل الصينية أو نافاجو، لكن بالأحرى، هي مجموعة فرعية من اللغة الطبيعية، أو اعتماداً على وجهة نظرك، ربما قد تعتبرها لتكون مجموعة رائعة من اللغة الطبيعية، ومع ذلك لغة الجسد تسبق اللغة الطبيعية الإنسانية… وببضعة بليون سنة (اعتماداً على كيفية تعريف «الجسد» وكيفية تعريف «اللغة»» (Longo, 2003: 18-19).

ويمكننا تأكيد حقيقة، وهي أن لغة الجسد استُخدمت في الغالب للتعبير عن المشاعر والمواقف، ولكن يمكن أيضاً أن تكون مقروءة كإرسال المعلومات، كما في حالة المرض أو الألم حيث لا يستطيع الجسد إخفاء هذه الأعراض الواضحة: وجه شاحب، جبهة حمراء، يدان مرتجفتان… إلخ؛ ولكن في معظم الحالات، تُستخدم لغة الجسد لإنتاج هذه العلاقة والحفاظ عليها.

يجادل غاليمبرتي (Galimberti) في «بواعث الجسد» بأن الجسد هو العامل الرمزي الذي يسمح بالتفكيك المستمر للرمز، وبالتالي الإطلاق المستمر للمعنى، نتيجة التشويش أو الإرباك الشديد من الرموز واللغات. ومن خلال التقليد والمحاكاة… يتحول الجسد إلى مادة نقية، قادرة على الخدمة، والتي تعني دائماً التغيير في المعنى، وتبادلاً رمزياً من الرمز مع الرمز الآخر، وتفعل ذلك بسرعة وفعالية مع عدم وجود كلمة تقنين للغة القادرة. وبدلاً من أن يُقدَّم مثل هذا الدعم على أنه محاكاة، فالجسد يستخدم أفعاله الخاصة، مرونته، على أنها تعني لغة (Galimberti, 1998: 316-317).

وتجتذب لغة الجسد العناصر الثقافية والفطرية معاً، وداخل الثقافة، يمكن أن تُقسم وتُفسَّر طبقاً للمجتمع والجنس والعلاقة مع المتلقي، وحتى الصفات الشخصية.

بدأ البحث المتعلق بالتعبيرات الجسدية مع تشارلز داروين (Charles Darwin)، عام 1972، في التعبير عن العاطفة في الإنسان والحيوان (Darwin, 1899)، وهو يكشف التماثل في المحاكاة للتعبير عن العواطف الأساسية (البهجة أو الحزن).

لقد حُللت عموم التعبيرات العاطفية والصفات الفطرية للغة الجسد بشكلٍ عام أثناء 1950 ـ 1970 بالحشد غير المرئي من قبل بالو ألتو (Palo Alto) والباحثين أمثال ملتون إريكسون (Milton Erickson)، وبول واتزلاويك (Paul Watzlawick)، وإرفن غوفمان Goffman) (Ervin، وبول إكمان (Paul Ekman)، وإدوارد هول (Edward Hall)، والعديد غيرهم. لكنْ كان هناك صراع مستمر على عمومية التعبيرات. وفي عام 1938، رأى المنظِّر الأميركي أوتو كلينبرغ (Otto Klineberg)، أن أغلب تعبيراتنا جُدِّدت ثقافياً (الابتسامة على سبيل المثال، تُظهر الأشياء مختلفة للناس في البلدان الشرقية، عنهم من أولئك الموجودين في المناطق الغربية). وفي عام 1965، عندما بدأ بول إكمان بدراسة العواطف (Ekman, 1985)، كان معظم علماء الأنثروبولوجيا متأكدين من أن الإيماءات والعواطف يتم تعلُّمها من خلال التنشئة الاجتماعية. ولكن بعد أن انتهى إكمان من بحثه (بعد 20 سنة تقريباً) استطاع إثبات أن تعبيرات الوجه هي طبيعية وعمومية، كما أننا كلنا بشر، بعضلات الوجه نفسها، والوراثة نفسها؛ وكل تعبير لديه مسار وراثي، حتى لو بدا مختلفاً إلى حدٍ ما، والإيماءات، في الواقع، في فتراتٍ فاصلة، تسمح بإخراجنا من الطبيعة إلى الثقافة.

في عام 1952 صاغ راي بيردوستل (Ray Birdwhistell)، مصطلح علم الحركة لتحليل التعبير الجسدي، من خلال الوضع: الإيماءة؛ البعد والحركة. وفي الآونة الأخيرة تضمن مصطلح لغة الجسد أيضاً العديد من البنود الأخرى من تعابير الوجه: النظرة؛ الإيماءات؛ الوضع والاتصال الجسدي. ويتضمن أيضاً التوقفات عن الكلام وتعبيرات الجسد غير المسيطر عليها مثل احمرار الوجه خجلاً، وكذلك السمات البصرية الثابتة للشخص. وبرزت، مع ذلك، الملابس والشعر، المجوهرات وغيرها من التجهيزات الأخرى التي تبين منزلة الشخص والثقافة، والمزاج والموقف.

في عام 1959 نعت عالم الأنثروبولوجيا إدوارد هول هذه الصفات الإنسانية المعبرة بـ «اللغة الصامتة»، وجادل بأن لغة الجسد، تعبيرات الوجه ووظيفة التمثُّلات المتصنعة «بتجاورٍ للكلمات»، هي نقل المشاعر، والمواقف وردود الأفعال والأحكام باتساقٍ مختلف (Bauerlein, 2009).

بعد عام 1960، أصبح إكمان مهتماً في ما أسماها أخيراً «التعبيرات الدقيقة» (وجه صغير جداً) بالإيماءات التي عبَّرت عن العواطف العامة، والتي لا يمكن السيطرة عليها أو تعلَّمها. في «أكاذيبه المُعبَّرة» (Ekman, 1985) أو «العواطف المكشوفة»، يجادل بأن هناك عواطف أساسية، ومعظمها رُمِّز في عضلات الوجه، والتي تعبر عن شعورٍ معيَّن، ويمكن أن تُفسر بوضوح ٍفي أغلب الأوقات. ويثبت بأن هناك ثلاث إيماءات وإيماءات صغرى، تُستخدم من قبل الناس في جميع أنحاء الكرة الأرضية، أي أننا لا نستطيع السيطرة عليها، أي في أغلب الحالات تشير إلى علامة دقيقة نتميز بها. ويدعم إكمان أفكاره بتحليل الإشارات غير اللفظية، والتي وفقاً له ـ ولغيره ـ لديها آثار التطور الفردي، في العديد من الثقافات، والتعبير عن الشعور أو الموقف نفسيهما، حتى عندما تعمد إحدى المحاولات لإخفائه. ووفقاً لبرهاننا، فنحن نتفق على أن الإيماءات الدقيقة هي فطرية، وشبه عامة، وفي قاعدة لغتنا الجسدية، لأننا لا نستطيع السيطرة عليها.

وبالضبط، فإن هذه الإيماءات قد تأثرت بسبب آخر التدخلات على/في الجسد، بسبب التدخلات على مستوى الوجه ـ مع الجراحة التجميلية، حقن البوتوكس أو السليكون السائل وغيرها، وتتأثر التعبيرات الدقيقة بذلك. فلا تتوقف عن الحدوث، لكن تتوقف عن الخروج من وجوههم، لأن العضلة المسؤولة عن هذه قد تأثرت ولا تستطيع أن تتحرك كما يريدون. إذاً، ما هي التغييرات في لغة الجسد التي جلبها لنا التطور التقني الجديد؟

أ ـ وظائف لغة الجسد

للتعبير عن الموقف المباشر للموضوع في ما يتعلق بسياق «ماذا يسمع ويرى، ويشعر… إلخ». فإن لغة الجسد غير مقصودة، ولهذا فهي ليست مُدرَكة، وغير مُسيطر عليها، وليست متماسكة أو ضرورية بشكلٍ تام، لكنها يمكن أن تُعبِّر أحياناً عن أكثر من موضوعٍ مقصود، أو حتى بدرجةٍ أكبر هي «تدرك تعبير المواقف، الأمنيات أو التأثيرات، ويمكن أن نذكر ردود الأفعال غير الواعية التي يتحدث عنها فرويد».

ومساندة اللغة اللفظية، تكون من خلال الإيماءات، وتعبيرات الوجه، والموقف، ويمكنك إكمال اللغة اللفظية ودعم رأيك، وللإشارة إلى شيءٍ ما (لإظهار شيء ما مع إيماءاتك أو نظرتك). ولتأكيد حضورك الخاص ـ الجسد كالشيء الذي يدل على نفسه، من خلال الماكياج، العطور، الرقص… إلخ.

في عام 1965 حدد إكمان خمس وظائف للاتصال غير اللفظي: التكرار (الذي عبر عنه الاتصال اللفظي)، الاستبدال (اللفظي لم يعد ضرورياً)، يُكمَّل، يُركَّز ويُناقض. وفي عام 1975 درس آرغايل (Argyle) أربع وظائف: التعبير عن المشاعر، إرسال المواقف الشخصية، تقديم الشخصية ومرافقة الخطاب، كردود فعل لجلب الانتباه (Argyle, 1975).

وسنرى، في ما يأتي، كيف عُدَّلت الوظائف من خلال التدخلات في/على الجسد. ونحن لا نستطيع الحديث عن لغة الجسد، من دون أن نشرح في بادئ الأمر قليلاً عن الأنظمة الهامة. وعلينا أن ندخل قليلاً في أرض علم الإشارات، والذي بدأ من قبل دي سوسير (De Saussure) الذي يجادل بأن الفكرة، التي لها إيماءة مهمة جداً، ستكون مدرجة في نظام يصوِّرها في الحقيقة على أنها مختلفة بعضها عن بعض. وهذا هو النظام الذي يعطي أهمية لكل أجزائهِ، ولكل جزء أهمية من خلال الاختلافات الأصغر للآخر، وانطباق هذا على نظرية لغة الجسد. ونحن يمكن أن ندعم فكرة أن الجسد هو نظام هام (أو حتى أنه يمكن أن يتضمن أنظمة هامة متعددة)، يتصل فيه كل عنصر بالاختلاف داخل السياق، ونحن لا نستطيع ترجمة إشارة بمعزل عن سياقها وعلاقتها مع الإشارات الأخرى، التي تتصل سوية.

ب ـ الإنسان التكنولوجي وخصائصه

في العقود الماضية، حدثت تطورات مهمة في الحقل الطبي والكيميائي والتقني، وربما تختلف في (التقنيات، طرق البحث… إلخ)، وقد استُخدمت بنجاحٍ على الجسد، وبشكلٍ رئيس في حالتين مهمتين: الإعاقات (في محاولة لتعافي الجسد من الإعاقة البدنية)، والثقافة (في محاولة لتكييف الجسد في حالات الإعاقات الثقافية، أو بعباراتٍ أخرى، في الحالات التي لا تتوافق مع الجسد المثالي المستحسن/والمفروض اجتماعياً).

إنها ليست حول تغيير الملابس والأوشام أو قص شعرنا، وإنما حول تغيير أعضائنا واستبدالها بأعضاء احتياطية من الحيوانات أو الناس الآخرين، وحول الدم الاصطناعي والقلب الاصطناعي، هي حول الجراحة التجميلية (التي تتضمن، خصوصاً، إعادة عرض أجزاء من أجسادنا طبقاً للنموذج المثالي الاجتماعي)، وحول استبدال الجلد أو حتى حول تغيير الجنس! نحن نتحدث عن الأعضاء الاصطناعية البديلة والأدوات التي تنقل التنفس أو الدم لنا، وحول التدخلات في الحمض النووي لدينا أو استعادة الحواس المفقودة.

هناك الكثير من الطرق التي تمكننا من التدخل على/في أجسادنا. في ما يتعلق بالتغيير، هناك:

ـ التدخلات البدنية: من ماكياج وإزالة شعر الجسد إلى كمال الأجسام.

ـ التدخلات الكيميائية: الوجه وكريمات الجسد.

ـ التدخلات الجراحية: التي هي إما لإعادة إعطاء جسد الشخص الخاصية التي فقدها (جراحات شفط الشحوم)، وإما لإعادة تشكيله بالشكل المثالي (تقصير الأنف، تكبير الثديين… إلخ).

ـ التدخل التكنولوجي: خصوصاً لتعويض النقص، لكن التطوير هو في اتجاه تعديل الجسد الإنساني وتحسينه.

كل هذه التدخلات على/في الجسد قد أدَّت إلى عدم وضوح حدودهِ، ولا يوجد هناك حتى حد للجلد، لحفظ سلامة الجسد. الجلد لم يعد يعني الانغلاق! فالحدود بين الأجناس أو بين الرجل والمرأة تصبح غير واضحة، ويحدث الشيء نفسه للحدود بين الإنسان والآلة: «جعلت آلات أواخر القرن العشرين هناك غموضاً تماماً في الفرق بين الطبيعي والاصطناعي، العقل والجسد، وشهدت نمواً ذاتياً وصُممت خارجياً العديد من الامتيازات الأخرى التي استخدمت لتنطبق على الكائنات الحية والآلات» (Haraway, 1991: 152).

وهكذا يتحدث جيوسيب لونغو (Giuseppe Longo) حول المفهوم الجديد الذي يمكن أن يقرِّبنا إلى «الإنسان التكنولوجي»: …المخلوق التعايشي الذي تتفاعل فيه البيولوجيا والتكنولوجيا بحميمية. (إنه) ليس ببساطةٍ «جنس بشري بالإضافة إلى التكنولوجيا» وإنما «الجنس البشري المتحوِّل بالتكنولوجيا». إنه وحدة تطورية جديدة، تخضع لنوعٍ جديد من التطور في بيئةٍ جديدة. والتعايش المبتكر المغمور في العالم الطبيعي، لذلك يطيع قوانينه، ولكن أيضاً يعيش في بيئة اصطناعية، تميزت بالمعلومات، الرموز والاتصالات والواقعية (Longo, 2003: 23).

يبين هذا الرأي كيف أن الحدود بين الطبيعة والتكنولوجيا أصبحت ملغية: «وفي نفس الوقت، هي قد تسمح لنا بتجاوز الرؤى «الطبيعية» و«البنائية» للجسد»، والتي هي مُختزلة فينا، لأن الجسد ـ في وقتٍ واحد ـ بيولوجي وظاهرة اجتماعية» (De Nardis, 1999, and Fortunati, Katz and Riccini, 2003: 216).

تهدف كل هذه التدخَّلات لخلق إنسان جديد، يكون أسهل للتصليح، يعيش لفترةٍ أطول، ويبدو بحالةٍ حسنة. وهذه البيئة المتطورة، التدخلات في/على الجسد لديها الكثير من النتائج، لكننا أكثر اهتماماً بتلك التي تتعلق بلغة الجسد.المصادر:

(*) نُشرت هذه الدراسة في مجلة إضافات العدد 28، خريف 2014.

(**) ألينا ماريا هريشكا: طالبة دكتوراه في جامعة بابيش بولياي ـ رومانيا. البريد الإلكتروني: alina.hrisca@yahoo.com

(***) مازن مرسول محمد: البريد الإلكتروني: drma_2010@yahoo.com

[1] كما يقول مارسيل موس في محاضراته عن «Techniques of the body» عام 1934.

[2]   كلاهما عنوانان لكتابَي بول إكمان.

Argyle, Michael (1975). Bodily Communication. NewYork: International Universities Press.

Baudrillard, Jean (1993). The Transparency of Evil: Essays on Extreme Phenomen. London; NewYork: Verso.

Baudrillard, Jean (1998). The Consumer Society, Myths and Structures. London: Sage Publication.

Bauerlein, Mark (2009). «Why Gen-Y Jonny Can’t Read Nonverbal Cues: An Emphasis on Social Networking Puts Younger People at a Face-to-face Disadvantage.» Wall Street Journal, 4/9, <http://online.wsj.com/news/articles/SB10001424052970203863204574348493483201758>.

Borgmann, Albert (1984). Technology and the Character of Contemporary Life: A Philosophical Inquiry.Chicago, IL: The University of Chicago Press.

Burwood, Stephen (2007). «The Apparent Truth of Dualism and the Uncanny Body.» Springer Science + Business Media B.V.: 9 October.

Campbell, Courtney S. [et al.]. «The Machine in the Body: Ethical and Religious Issues in the Bodily Incorporation of Mechanical Devices.» in: B. Andrew Lustig [et al.]. «Altering Nature Volume Two: Religion, Biotechnology, and Public Policy.» Electronic Resource, Philosophy and Medicine; 98, <http://library.jkuat.ac.ke/cgi-bin/koha/opac-detail.pl?biblionumber=90190>.

Codoban, Aurel (2011). Imperiul comunicării. Cluj Napoca: Idea Design and Print.

Corbin, Alain [et al.] (2006). Histoire du corps: Coffret 3 volumes. Paris: Seuil. (L’Univers historique)

Csordas, Thomas (1995, 2003). Embodiment and Experience. Cambridge, MA: Cambridge University Press.

Darwin, Charles (1899). On the Origin of Species by Means of Natural Selection. New York: D. Appleton and Company.

De Nardis, Paolo (1999). Sociologia del limite. Rome: Meltemi Editore srl.

De Preester Helena, Manos Tsakiris (2009). «Body Extension vs Body Incorporation.» Springer Science + Business Media B. V.: 27 February.

Ekman, Paul (1985). Telling Lies: Clues to Deceit in the Marketplace, Politics and Marriage. London; NewYork: W.W. Norton and Company.

Fortunati, Leopoldina, James E. Katz and Raimonda Riccini (2003). Mediating the Human Body: Technology, Communication and Fashion. London; NewYork: Lawrence Erlbaum Associates Publishers.

Galimberti, Umberto (1998). Les Raisons du Corps. Paris: Edition Grasset et Fasquelle.

Goman, Carol Kinsey (2008). The Nonverbal Adevntage: Secrets and Science of Body Languag Eat Work. London: Berett-Koehler Publisher. (Bk Business)

Haraway, Donna (1991). Simians, Cyborgs and Women: The Reinvention of Nature. London: Routledge.

Ihde, Don (2010). Embodiment and Technics-At the Brink of Biology. New York: Automatic Press.

Longo, Giuseppe (2003). «Body and Technology: Continuity or Discontinuity.» in: Mediating the Human Body: Technology, Communication, and Fashion. Edited by Leopoldina Fortunati, James E. Katz and Raimonda Riccini. London; NewYork: Taylor and Françis e-Library.

Meijsing, Monica (2006). «Real People and Virtual Bodies: How Disembodied Can
Embodiment Be?.» Minds and Machines: vol. 16, no. 4.

Peace, Allan (1981 and 1997). Limbajul Trupului. București: Polimark. (Psihologia vieţii cotidiene).

Ventrella, Jeffrey (2011). Virtual Body Language. London: ETC Press

مركز درسات الوحدة العربية

Previous post بسبب زواجه من أنغام زوجة الموزع الموسيقي تقوم برفع دعوى
Next post مظاهرات المناخ من جديد في بلجيكا
%d مدونون معجبون بهذه: