الدروس التي لا بدّ أن تستخلصها الأنظمة الملكية العربية من عدم الاستقرار في البلدان المجاورة

الدكتور محمد اشتاتو

 شبكة المدار الإعلامية الأوربية …_في أعقاب الانتفاضات المتعددة التي شهدها العالم العربي منذ العمل البطولي الذي قام به بائع الفواكه التونسي محمد البوعزيزي عندما أضرم النار في نفسه، لم تتجلَّ أمثلة تُذكر عن الديمقراطية. ومنذ عام 2011، حنّ الكثيرون من العرب إلى “الأيام الخوالي” في عهد الدكتاتوريات التي سبقت الربيع العربي، إلى حقبة كان فيها رزق الناس والسلامة والاستقرار مضمونًا.        

ومع ذلك، لا بدّ أن يختار العالم العربي الديمقراطية التامة في حال أراد أن تفضي حلقة الثورات هذه إلى الاستقرار نوعًا ما. ونظرًا إلى التركيبة الديمغرافية التي يطغى عليها عنصر الشباب في العالم العربي، يتعيّن على قادته توقّع موجة انتفاضات جديدة يقودها الشباب والمحرومون والنساء والأقليات العرقية. ومن دون التفكير بجدية في طرق شاملة وديمقراطية تقنع هذه الفئات من السكان بمصلحتهم الحقيقية في مستقبل بلدهم، قد تلحق الانتفاضات الجديدة ضررًا يفوق ذلك الذي خلّفه الربيع العربي.

أنظمة جمهورية غير مستقرة  

ولسوء الحظ، تشهد حاليًا دول عربية متعددة وضعًا مزريًا. ومن الضروري جدًا إدراك حدّة العواقب الناجمة عن الحفاظ على الوضع الراهن. فعلى سبيل المثال، كانت مصر فيما مضى أهم وأقوى بلد في المنطقة وشاركت كجهة فاعلة رئيسية في الربيع العربي. أما اليوم فباتت شوارع القاهرة غير آمنة وفقدت الإسكندرية التي تعايشت فيها الأديان بسلام على مرّ التاريخ التسامح الذي ميّزها. وأوصد سكّان الأرياف أبوابهم عند حلول المساء توخيًا الأمان فيما نشرت المجموعات الإسلامية العنيفة والمسلّحة الرعب في منطقة سيناء  وبالرغم من التعافي البطيء لقطاع السياحة في مصر بعد انهياره في أعقاب الربيع العربي، لا يزال المصريون يواجهون صعوبات في العثور على عمل.    

أما في اليمن وسوريا فالوضع أشدّ سوءًا بكثير. ففي اليمن يتنقّل السكان غالبًا ضمن مواكب ترافقها الميليشيات المسلّحة نتيجة عودة النزاعات العشائرية التي تعزّزها الميليشيات الحوثية علمًا أن هذه الأخيرة تزدهر في ظل انعدام الأمن. وخلّفت الحرب الأهلية وراءها البؤس والموت ليس إلا، وحصدت الهجمات التي قادتها السعودية واستهدفت الحوثيين عددًا هائلًا من القتلى في صفوف المدنيين ومن بينهم عدد كبير من الأطفال. وإلى جانب الحرب الحالية، لا يزال جنوب اليمن، الشيوعي سابقًا، يمقت الحكومة المركزية ولا يمانع الانفصال عنها حتى لو لم يكن الأمر ممكنًا في الوقت الراهن. وفي غضون ذلك، يجد تنظيم “القاعدة في شبه الجزيرة العربية” أرضًا خصبة للتجنيد في صفوف اليمنيين الفقراء من سكان الأرياف بالرغم من خطر غارات الطائرات من دون طيار الأمريكية. وفي حين دمّر الرئيس السوري بشار الأسد بلده، تشهد المعارضة تفككًا كبيرًا وتزداد أوجه الشبه بين مناطق سورية متعددة لا تخضع لسيطرة النظام وليبيا.    

ويلف غموض تام الوضع في ليبيا إذ لا يملك الناس من الخارج أدنى فكرة عما يحصل داخل الحدود الليبية. ولكن يتّضح أن الميليشيات تبسط سيطرتها على البلاد وأن حكومة طرابلس المنتخبة والمعترف بها دوليًا تفتقر للإرادة والقدرة على نزع سلاحها. ويبيع قادة الميليشيات النفط للشركات الأجنبية من دون إذن من الحكومة. وفي شرق البلاد، يبدو أن المشير خليفة حفتر على استعداد للقيام بأي شيء من أجل طرد الإسلاميين من البلاد، بما في ذلك اعتماد سياسة الأرض المحروقة. وفي الجنوب، تعمل العشائر على تهيئة سيف الإسلام القذافي، نجل الدكتاتور السابق، ليصبح المرشد المقبل وذلك في محاولة، يؤمل أن تكون ديمقراطية، لتوحيد البلاد.     

وفي الجزائر، دُقّ المسمار الأخير في نعش بوتفليقة السياسي وبات الترقّب سائدًا في البلاد في حين تناضل النخبة السياسية لإيجاد بديل له. وتعكس الاحتجاجات المتأخرة التي تعمّ الجزائر والتي يطغى عليها طابع “الربيع” حقيقة أن البلاد لم تقتدِ في البدء بجارتها تونس في عام 2010. ويكره الجزائريون التراجع عن وعد السلام من جرّاء تجربتهم في خلال العشرية “السوداء”، أي الحرب الأهلية الجزائرية التي امتدّت بين عامي 1990 و1998 ولكن سياسة الحكومة القائمة على إخضاع شعبها عن طريق الرشوة من خلال الدعم العام للمواد الغذائية والأدوية والنقل والإسكان لم تعد قابلة للاستدامة بسبب الركود الاقتصادي في الجزائر. وعلى نحو مماثل، يبدو أن الطريقة التي اعتمدها السودان لتجنّب الموجة الأولى من الربيع العربي عن طريق الدعم السخي للمواد الغذائية الأساسية والقمع السياسي قد شارفت على استنفاد فعاليتها، إن لم يكن اليوم فقريبًا من دون شك.        

وفي السودان والجزائر على حدّ سواء، يسعى الشباب إلى وضع حد لأنظمة حكم الشيوخ و المسنين وغياب التمثيل السياسي والآفاق الاقتصادية المغمّة. ويبدو أن البلدان التي تجنّبت في الظاهر الربيع العربي الأساسي أصبحت مستعدة للدخول في مرحلة جديدة من المطالبة بالتمثيل السياسي وقد تتطوّر إلى أعمال عنف. وفي غضون ذلك، يدرك الجميع الوضع المزرى الذي تعيشه هذه البلدان العربية ولكن الأنظمة الملكية العربية ذات الاستقرار المزعوم ينتابها القلق أيضًا.        

وَهم النظام الملكي العربي

خلافًا لعدم الاستقرار الشديد الذي تواجهه بلدان عربية متعددة، تفادت الأنظمة الملكية العربية لغاية الآن الانتفاضات المضطربة. ويمكن تصنيف هذه الأنظمة الملكية ضمن فئتيْن فرعيتين هما: الأنظمة الملكية التقليدية التي تستمد شرعيتها من الولاء القبلي وبطريركية (أبوية) الدولة (الأردن) أو الشرعية التاريخية والدينية (المغرب)؛ والأنظمة الملكية القائمة على النفط التي نشأت وتستمر بفضل وفرة البترودولار – أي دول الخليج.    

وافتُرض خطأ أن هذه الحكومات ستسلم لأجل غير مسمّى من الانتفاضات لأنها تجنّبت اضطرابات الربيع العربي الأول. ولكن قد تعيث موجة ثانية من نوع جديد من “الربيع العربي” الفوضى في هذه الحكومات ما لم تقرّ هذه الأخيرة إصلاحات جوهرية.   

ومع الاحتجاجات الكبرى التي يشهدها السودان والجزائر، قد تعمّ المغرب والأردن موجات اضطراب مماثلة من جراء فشلهما المستمر في الوفاء بوعودهما التي قطعاها في عام 2011. وتجنّب النظامان الملكيان نوعًا ما الربيع العربي الأول بفضل هيكلية حكومتيْهما التي تشدّد على نماذج الشرعية. وعندما خرج حراك 20 شباط/ فبراير (mouvement du 20 février) المغربي إلى الشوارع للتنديد بالفساد والمحسوبية وسوء استخدام السلطة دعا المحتجون إلى إقامة نظام برلماني ملكي بدلًا من نظام ديمقراطي بالكامل. ويبدو أن الأردنيين أيضًا يحبون ملكهم عن حق ويحترمونه.         

وبالإضافة إلى ذلك، ركّزت استجابات المغرب والأردن للاضطرابات السياسية على نماذج مماثلة. فقد حافظ هذان النظامان الملكيان على هيكليتهما الملكية الأساسية من خلال القيام بتغييرات وإصلاحات هامة وإنما معتدلة. ولكن هذا المسار نحو الإدماج السياسي الإضافي قد توقّف في نهاية المطاف عندما تبيّن أن الشعب قد استُرضي.     

وتراجع النظام الملكي في المغرب عن وعده بإصلاح السلطة من خلال إحكام قبضته على الأحزاب السياسية عن طريق الاستقطاب وقمع الانتفاضات الإقليمية في مناطق الحسيمة وزاكورة وجرادة الفقيرة ومنع الحريات الصحافية التي تشتد الحاجة إليها. وفي الأردن، لا يكفي الاستقرار القائم على أسس الولاء القبلي والتقاليد البطريركية (الأبوية) المتضعضعة لضمان الاستمرارية السياسية. وبالفعل، أظهرتالاحتجاجات السياسية الأخيرة وحوادث الشوارع المتعلقة بضرائب الدولة أن السكان بشكل عام قادرون على التشكيك بالنظام الملكي إذا قلق الشعب بما يكفي حيال إمكانية كسب رزقه.       

إن الاستقرار الظاهر في الأنظمة الملكية الخليجية القائمة على النفط زائف وهذا الأمر مثير للقلق. فقد لجأت الحكومات في ذروة الانتفاضات العربية إلى توزيع الأموال على السكان من أجل شراء ولائهم وكسب الوقت. وتهدف هذه الطريقة إلى تهدئة الاضطرابات العامة وتُعتبر إجراء قصير الأمد وليس حل طويل الأمد. وعندما تدرك البلدان من مثال المملكة العربية السعودية ضرورة تنويع اقتصادها وتخفيض الدعم، لن تتمكن الأنظمة الملكية الخليجية من ضخ الأموال بالمعدلات عينها للقضاء على الرغبة في الديمقراطية والحرية. 

وتُمنع في دول خليجية كثيرة المعارضة ويُحظّر فيها النقد والتعبير عن الآراء. ويمكن معاملة النساء كالأثاث: إنهن جزء من المنزل. وتعتمد حرية المرأة على شهامة أقاربها من الذكور إذ حرمتها الدولة من أي استقلالية عنهم. ومع تزايد أعداد النساء الخليجيات اللواتي يلتحقن بمعاهد الدراسات العليا في الغرب، تزداد احتمالات عدم تقبلهن العودة إلى سجونهن الذهبية. 

وفي معظم هذه البلدان البطريركية (الأبوية) والعشائرية، يتخلّف السكان، بالرغم من الثراء والحداثة التقنية المذهلة، لسنوات ضوئية في المساءلة بأنواعها كافة. ثمة استقرار ولكن من دون حرية. ثمة حكومة قوية ولكن من دون ضوابط وموازين. ثمة نظام عام ولكن الاحتجاج غير مسموح. وباختصار، تغيب حرية الرأي وحرية المعتقد وحرية النقد. ويتمتّع الناس بالثروة ولكن عليهم عيش حياة منظمة صارمة من دون أن يتوفّر لهم بديل أو أمل.

خلاصة القول  

أظهر درس من الدروس الرئيسية المستخلصة من الربيع العربي الأول السهولة التي تنتشر فيها الاضطرابات من بلد إلى آخر ومدى شمولية المطالبة بزيادة تكافؤ الفرص الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في صفوف المتظاهرين في مختلف أنحاء العالم العربي. وتكثر حاليًا الشرائح السكانية العربية المحرومة من حقوقها من خلال آليات متنوعة. وبما أن الأنظمة الملكية مستقرة حاليًا، حان الوقت لإقرار إصلاحات جوهرية، الآن وليس بعد فترة الاضطرابات، إذ قد يؤدي ذلك إلى نوع الفوضى وعدم الاستقرار الطويل الأمد الذي يظهر جليًا في أماكن أخرى من العالم العربي.      

وبين الشباب والنساء، يحرم العالم العربي غالبية سكانه من حقوقهم. وفي حال لم يمكّن العالم العربي المرأة فستثور وتحتج على النظام الاجتماعي القائم بطريقة غير مسبوقة لا يمكن لأحد التنبؤ بها. وفي حالم لم يلبِّ العالم العربي احتياجات الشباب الملحة فسيزداد الوضع خطورة من دون شك.

ولا بدّ أن يلجأ العالم العربي إلى المساءلة داخل حكوماته درءًا للاستمرار في تبديد الثروة الوطنية على أوجه عدم المساواة التي توقع عددًا كبيرًا من سكانه في شرك حلقات الفقر المدقع وتعزّز الفساد. وستستمر أوجه عدم المساواة الصارخة هذه في دفع شبابه اليائس إلى النضال.   

وفي حال لم يرسّخ العالم العربي بوضوح الحرية الشخصية ويسمح لأقلياته، من ثروة مجتمعاته المحلية العرقية والدينية إلى مجموعات المثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية فيه، بالمشاركة العلنية في الحياة العامة، فسيستمر النظر إلى هذه الهويات على أنها معارضة للدولة وقد يؤدي ذلك إلى وقوع اضطرابات. ومن دون الاعتراف بالمجموعات العرقية والدينية المتنوعة التي تعيش في المنطقة وبمطالبها الثقافية والسياسية، لن يحلّ السلام الاجتماعي.   

إن هذه الجهود كبيرة جدًا ولكن من الضروري بذلها للتصدي بشكل نهائي للاضطرابات السياسية التي تلوح في الأفق مجددًا، وتشكّل بالإضافة إلى ذلك أفضل فرصة لفك حلقة الاضطرابات والقمع التي تظهر عواقبها في مختلف أنحاء العالم العربي اليوم.

منتدى فكرة معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى

لماذا توجد أهمية للانتخابات المحلية في تركيا؟

مراد يتكين

في 31 آذار/مارس ستجرى انتخابات محلية في جميع أنحاء تركيا، يختار فيها الناخبون رؤساء البلديات إلى جانب أعضاء مجالس المدن والمحافظات. ونظراً للتوافق الفريد في قضايا السياسة المحلية والخارجية، فقد تؤثر هذه الانتخابات على العلاقات الأمريكية-التركية وعلى خطوات أنقرة في الشرق الأوسط، مما يستدعي اهتماماً من واشنطن أكثر مما يتوقعه المرء.

تصويت “وجودي”

في ظل ظروف طبيعية، قد يكون للتصويت المحلي صلة ضئيلة بالقضايا الجيوسياسية، لكن الرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه الحاكم «حزب العدالة والتنمية» اعتمدا حملتهما الانتخابية على برنامج ذو توجه أمني، مما يشير إلى أن “وجود” تركيا بحد ذاته يتوقف على النتيجة. وفي السياسة التركية، تعتبر كلمة “وجود/(“بقاء” باللغة التركية) رمزاً لمحاربة النزعة الانفصالية الكردية. وليس مفاجئاً إذاً أن يكون أردوغان قد اختار دولت بهتشلي – زعيم «حزب الحركة القومية» وخصماً قوياً في الانخراط مع الفصائل السياسية الكردية – حليفاً له في هذه الانتخابات. ومعاً، أطلق «حزب العدالة والتنمية» و«حزب الحركة القومية» على نفسيهما اسم “تحالف الشعب”، ويخوضان المعركة ككتلة فعلية تقف وراء مرشحين توافقيين في العديد من الـ 81 محافظة و 992 دائرة انتخابية في تركيا.

ورداً على ذلك، شكل زعيما المعارضة الرئيسيان في تركيا – رئيس «حزب الشعب الجمهوري» كمال كليتشدار أوغلو ورئيسة «الحزب الجيد» (“إيي”) ميرال أكشنار – “التحالف القومي”. وبدوره، تَشَكّل «الحزب الجيد» بعد انشقاق بعض السياسيين عن «حزب الحركة القومية» للانضمام إلى أكشنار، محتشدين معها ومع بعض السياسيين من يمين الوسط. وحالياً، يطرح «حزب الشعب الجمهوري» و«الحزب الجيد» مرشحين توافقيين في العديد من دوائر المنافسة المحلية.

أما بالنسبة للفصيل الثالث الأكبر في البرلمان، «حزب الشعوب الديمقراطي» الذي يركز على حل المشاكل، فقد شجب أردوغان وبهتشلي أعضاء هذه الكتلة الكردية باعتبارهم “امتدادات إرهابية” واتهما هؤلاء الأعضاء بإقامة روابط مع «حزب العمال الكردستاني» المحظور. وحتى الآن، لم يسمِّ «حزب الشعوب الديمقراطي» مرشحيه في المدن الكبرى كإسطنبول وأنقرة وإزمير. وقد دفع هذا القرار بـ«حزب العدالة والتنمية» و«حزب الحركة القومية» إلى الادعاء بأن تحالف «حزب الشعب الجمهوري» و«الحزب الجيد» “يتعاون مع الإرهابيين” لأنه سيستفيد من غياب مرشحين معارضين آخرين في هذه المناطق.

ولبرنامج “الوجود” الذي أطلقه أردوغان تداعيات مباشرة على سياسة الولايات المتحدة في سوريا. فخلال حملتها ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، تعاونت واشنطن مع «وحدات حماية الشعب» – الجناح السوري الكردي لـ «حزب العمال الكردستاني» الذي يشكّل العمود الفقري لـ «قوات سوريا الديمقراطية». وقد أثارت هذه الشراكة استياء أنقرة، خاصةً في ضوء التقارير التي تفيد أن نحو 30 ألف عنصر من أفراد ميليشيا «وحدات حماية الشعب» تلقوا عتاداً من المعدات المعيارية لحلف “الناتو” وتدريباً عسكرياً أمريكياً. وفي الواقع، يشعر معظم الأتراك بالاستياء من التعاون بين الولايات المتحدة و«وحدات حماية الشعب»، باستثناء بعض الأفراد ضمن قاعدة «حزب الشعوب الديمقراطي». وينظر أردوغان إلى الانتخابات المحلية باعتبارها اختباراً لمدى تأييد الشعب للمقاربة التي ينتهجها إزاء هذه القضايا.

انتخابات حاسمة في اسطنبول وأنقرة

في عام 2018، ساهم الدعم الذي قدمه بهتشلي إلى أردوغان في فوزه مجدداً في الجولة الأولى من الانتخابات حيث حظي بتأييد 52 في المائة من المشاركين فيها. أما هذا العام، فيبدو أن هدف الرئيس التركي يتمثل باحتفاظ التحالف بين «حزب العدالة والتنمية» و«حزب الحركة القومية» بهذه النسبة على الأقل على الصعيد الوطني. وإذا فشل في ذلك، فهو يأمل في الاحتفاظ بالسيطرة على مقاعد رؤساء البلديات التي فاز بها كل حزب في غالبية عواصم المحافظات التركية في عام 2014 (ثلاثة وخمسون من بين واحد وثمانين مقعداً لـ «حزب العدالة والتنمية» وستة لـ «حزب الحركة القومية»).

وقد يكون ذلك أكثر سهولة في بعض المدن من سواها. على سبيل المثال، طلب أردوغان من رئيس الوزراء السابق بن علي يلدرم التنحي من منصبه الحالي كرئيس للبرلمان بهدف الترشح لمنصب رئيس بلدية إسطنبول تحت راية التحالف بين «حزب العدالة والتنمية» و«حزب الحركة القومية». وخلال ولايته السابقة كوزير للمواصلات، اكتسب يلدريم شهرة واسعة كباني الطرق السريعة والجسور وخطوط المترو. ويَنظر إليه العديد من سكان إسطنبول البالغ عددهم 15 مليوناً بعين الرضا، آملين أن يقوم بتحسين البنية التحتية للمدينة. وأظهرت بعض استطلاعات الرأي تقدمه على مرشح «حزب الشعب الجمهوري» و«الحزب الجيد» أكرم إمام أوغلو بنسبة تتراوح بين 3 و4 في المائة.

ومع ذلك، أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة احتمال خسارة معسكر أردوغان العاصمة أنقرة، ثاني أكبر مدينة البالغ عدد سكانها حوالي 5 ملايين نسمة. أما مرشح «حزب الشعب الجمهوري» و«الحزب الجيد» لهذه الانتخابات فهو منصور يافاش الذي خسر بنسبة 1 في المائة فقط في عام 2014 وسط ادعاءات بحصول تزوير في الانتخابات. لكن بعض التقارير تفيد بأنه يتقدم هذه المرة على مرشح «حزب العدالة والتنمية» و«حزب الحركة القومية» محمد أوز حسكة بنسبة تتراوح بين 2 و3 في المائة. وقد تشكّل عملية الاقتراع في أنقرة السباق الأكثر أهمية الجدير بالمراقبة في 31 آذار/مارس، ويعزى ذلك جزئياً إلى أن الناخبين قد يعتبرون خسارة العاصمة نقطة تحول نفسية في مسيرة الرئيس التصاعدية. وكان اسم أردوغان قد أصبح مألوفاً للمرة الأولى عام 1994 عندما انتُخب رئيساً لبلدية إسطنبول، المنصب الذي كان بمثابة نقطة انطلاقه إلى منصبي رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية.

وبالنسبة إلى ثالث أكبر مدينة في تركيا، إزمير، فمن المرجح أن يحتفظ «حزب الشعب الجمهوري» بسيطرته هناك. ومع ذلك، هناك مدن كبيرة أخرى لها اعتبارها تشمل بورصة وأضنة وأنطاليا، مسقط رأس وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو. يُذكر أن تحالف «حزب العدالة والتنمية» و«حزب الحركة القومية» متقدم على تحالف «حزب الشعب الجمهوري» و«الحزب الجيد» في كل من عواصم المحافظات الثلاث هذه، إنما بفارق ضئيل فقط.

أهداف المعارضة، التحديات المحلية

خشية تكرار السباق الذي شهدته أنقرة في عام 2014، كانت أحزاب المعارضة تعرب عن مخاوفها بشأن احتمال تزوير الانتخابات، لا سيما في مرحلة فرز الأصوات والإعلان عنها. ومع ذلك، أظهر عدد قليل من مرشحي «حزب الشعب الجمهوري» أو «الحزب الجيد» حتى الآن مؤشرات كبيرة على انتزاع أعداد كبيرة من الأصوات من تحالف «حزب العدالة والتنمية» و«حزب الحركة القومية»، على الأقل من حيث برامجهم الانتخابية وأدائهم. ويتيح هذا الأمر مجالاً أمام فصائل أخرى لإحراز مكاسب – على سبيل المثال، قد يجذب «حزب السعادة»، وهي جماعة إسلامية سياسية محافظة، بعض ناخبي «حزب العدالة والتنمية»، في حين من المرجح أن يفوز «حزب الشعوب الديمقراطي» بمدن رئيسية في جنوب شرق البلاد الني تقطنها أغلبية كردية، بما فيها ديار بكر.

وحتى لو نجح أردوغان وبهتشلي في الاحتفاظ بالمدن الرئيسية في 31 آذار/مارس، إلّا أنّ بانتظارهما أيام صعبة. فقد دخل الاقتصاد التركي رسمياً مرحلة ركود هذا الشهر، مما يعني أنه لم يسجل نمواً خلال ربعين متتاليين. وهذا تطور مؤلم بشكل خاص بالنظر إلى النمو الاقتصادي المفاجئ الذي حطم أرقاماً قياسية وأشرف عليه أردوغان منذ أن أصبح رئيساً للوزراء في عام 2003 (بصرف النظر عن الفوضى المؤقتة في عام 2008). علاوةً على ذلك، بلغ معدل التضخم 25 في المائة خلال تشرين الأول/أكتوبر الماضي، مسجلاً أعلى مستوى له منذ 15 عاماً. ولوقف هذا الاتجاه السائد، لجأ أردوغان إلى أساليب غير تقليدية، شملت كبح الأسعار. غير أن التوتر الثنائي المستمر بشأن قرار تركيا شراء أنظمة الدفاع الجوي الصاروخية الروسية من طراز “أس-400” قد أثار مخاوف من احتمال فرض واشنطن عقوبات اقتصادية وعسكرية على أنقرة. ومن شأن مثل هذا التطور أن يفاقم الأزمة الاقتصادية – كما حصل في 2018 عندما فرض الرئيس ترامب تعريفات على الحكومة التركية بسبب احتجازها القس الأمريكي أندرو برونسون، مما ساهم في انهيار الليرة.

التداعيات على السياسة الأمريكية

قد يعني استمرار تحالف أردوغان- بهتشلي اتباع المزيد من السياسات المتشددة في أنقرة، تشمل اتخاذ موقف أكثر صرامة ضد الشراكة بين الولايات المتحدة و«وحدات حماية الشعب» في سوريا وفرض إجراءات أمنية محلية أكثر تشدداً يبررها الكفاح لمحاربة الإرهاب ضد «حزب العمال الكردستاني». ومن شأن تحقيق «حزب العدالة والتنمية» و«حزب الحركة القومية» انتصارات واسعة النطاق أن يعزز أيضاً مقاربة “إقامة علاقات مع دول أوراسيا” ضمن «حزب العدالة والتنمية» – أي السعي إلى توطيد العلاقات مع روسيا والصين وإيران من دون الخروج فعلياً من حلف “الناتو”، وسط توقعات بأن يوافق جميع هؤلاء الخصوم على علاقات تركيا غير التمييزية.

وفي المقابل، إذا ما سجَّل تحالف «حزب العدالة والتنمية» و«حزب الحركة القومية» أداءً ضعيفاً في الانتخابات المحلية، فقد يتخلى أردوغان عن بهتشلي بالكامل. وخلال السنوات القليلة الماضية، كان لـ «حزب الحركة القومية» دوراً مهماً في الشؤون الحكومية كما لو أنه كان شريكاً رسمياً في التحالف، ولكن دون المشاركة في تحمل أي مسؤولية عن المشاكل التي واجهتها الحكومة كما يفعل مثل هؤلاء الشركاء عادةً. وإذا قام أردوغان بتفكيك [الشراكة مع] «حزب الحركة القومية» وقاعدته القومية القوية المناهضة للأكراد، فقد يجرب تحالفات سياسية مختلفة في السنوات المقبلة. على سبيل المثال، قد يعتمد – على المدى المتوسط – موقفاً أكثر ليبرالية فيما يتعلق بالقومية الكردية في تركيا والمنطقة.

وفي هذا الصدد، سيكون الوقت بجانبه بعد 31 آذار/مارس. لقد شهدت تركيا 7 اقتراعات وطنية، ومحاولة انقلاب كارثية (2016) منذ عام 2014، ولكن ليس من المقرر إجراء الانتخابات الرئيسية التالية قبل عام 2023. لكن بغض النظر عن حسن أداء «حزب العدالة والتنمية»، ستؤدي الانتخابات الحالية إلى حدوث تغييرات في سياسة تركيا الداخلية والخارجية.

 معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى

Previous post هل تقوّض السياسة الإسرائيلية مساعي كوشنر للسلام؟
Next post بسبب الفيديو كليب المطرب الأمريكي الشهير جاستن كارتر يلقى مصرعه
%d مدونون معجبون بهذه: