دور الرأسمالية المصرية الكبيرة في خطف ثورتي يناير ويونيو(*)

حسين عبد الغني(**)

شبكة المدار الإعلامية الأوربية …_أصل هذا المقال هو مناقشة أُسرية كان كاتبه يجتهد فيها كأب بأن يفسِّر لنفسه ولأولاده ـ الذين انخرطوا مثل الملايين من شباب مصر في أتون الثورة ـ لماذا وكيف تغيَّر شعورهم الجماعي الغامر يوم ٣٠ يونيو من الإحساس الكامل بالثقة والتفاؤل بأن إطاحة نظام الإخوان ـ الذي سرق الثورة وقتل الحسيني وجيكا والجندي وكريستي ـ سيكون بداية استعادة هذه الثورة ووضعها على مسار الثأر للشهداء وتحقيق العدالة الاجتماعية لأغلبية المصريين، وبداية طريق الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة… إلى إحساسٍ آخر مزعج بعدم اليقين والحيرة والشكّ. ولماذا أصبح التململ وعدم الارتياح والقلق هو المسيطر على المزاج المصري العام؛ وحتّى التكشيرة الكئيبة التي كانت صبغت وجه المصريين خلال فترة حكم الإخوان واختفت لنحو شهر بعد رحيلهم عادت ثانية لتصبح صفة بارزة على وجوههم مجدداً.

أستطيع هنا أنْ أعدّد بعضاً من الظواهر الصادمة، التي بدأت منذ تعيين شخصيات في مؤسسات رفيعة لم تكن جزءاً من الثورة، بل ـ في الحقيقة ـ كانت معادية لها، وحتّى للنظام الجمهوري نفسه، مروراً باختيار حكومة لا تتجاوز علاقتها بالثورة أربعة وزراء (من أصل ٣٥)، في حين يسيطر الاتجاه المحافظ غير الثوري ليس على رئاستها فقط، بل على أهم الوزارات المتعلّقة بجدول أعمال الثورة ومعيشة المصريين. وهي على أي حال لم تقصّر أبداً في تأكيد طبيعتها البعيدة ـ ككل الحكومات التي تلت ٢٥ يناير ـ من الثورة والثوار بأداء راوح بين البطء والمراوغة بسكب ماء بارد على حرارة الفرحة الشعبية بانتصار ٣٠ يونيو وبين إعادتها تقريباً إلى نقطة الصفر الإخواني.

المشهد الإعلامي مثل مشهد الحكومة والسلطة، وربما أكثر، كان باعثاً على تقليص حصة التفاؤل والثقة وزيادة حصة التململ والانزعاج. لا يتحدث المرء هنا فقط عن سيطرة شبه مُحكمة لإعلاميين ارتبطوا بالنظام القديم وعودة بعض منهم بعد ٣٠ يونيو بعد أنْ كانوا ولّوا فراراً ورعباً من الغضب الثوري عقب ٢٥ يناير، في مقابل شحوب واختفاء وجوه إعلامية مرتبطة بالثورة؛ ولكن يتحدث أيضاً عن الهجوم الظالم على ثورة يناير وشبابها وثوارها واستهدافهم؛ مع أنّهم، بما قدّموه من شهداء من صفوفهم مع جماهير شعبنا، هم من أسقط مبارك وأنهى الحكم الفاشل للمجلس العسكري وأسقط مرسي. وجاء اتهام ثورة يناير بأنها نكسة أو وكسة، وأن ٣٠ يونيو ثورة منفصلة عن ثورة يناير وليست موجة ثالثة منها، وأنها الثورة الحقيقية (الوطنية) لأن يناير «كانت صناعة أمريكية»؛ بل إن يونيو هي ثورة تصحيح على يناير؛ ليؤكّد المخاوف ويضع ألف خطّ تحت ما تريد الرأسمالية المصرية الكبيرة، التي تمتلك هذا النفوذ الحكومي والإداري والمالي والإعلامي، أنْ تفعله بهذه الثورة بل بهذا البلد. ويبدو أن غرام الرأسمالية المصرية الكبيرة بمصطلح ثورة التصحيح، غرام لا شفاء منه منذ استخدمه الرئيس الأسبق أنور السادات ـ معبود هذه الطبقة وربّ نعمتها ـ عام 1971 في بداية انقضاض نظامه على حقوق جماهير الشعب المنتجة لمصلحة حفنة من الأغنياء.

لقد لاحظ الناس كيف تمكنت وسائل إعلام هذه الطبقة، المتحالفة مع شريحة الفساد في جهاز الدولة البيروقراطي وعبر كوادر مدرّبة شديدة الولاء، وعبر حملات أوركسترالية شديدة التناغم والتماثل، من قناة إلى أخرى ومن برنامج إلى آخر ومن ضيف إلى آخر، من تغيير جدول أعمال وطني أُعدّ لاستكمال الثورة إلى هدف تحقيق الاستقرار (لاحظْ أنّها النغمة الفاشلة عينها التي استخدمها مرسي ورئيس وزرائه قنديل في دعوة الثوار إلى الاستقرار وترك الميادين. لكن تجاهل الثوار لهذه الدعوة وتحديهم لها، وتقديمهم تضحيات لم تدفع فيها هذه الطبقة شهيداً واحداً، هو الذي أدّى إلى سقوط نظام الفاشية الدينية الإقصائي).

لقد تحوّل جدول الأعمال الوطني لإعلام الطبقة المهيمنة اقتصادياً ـ بقدرة قادر ـ إلى مجرد إعادة الاستقرار والأمن ومعدل النمو لاقتصاد متراجع (بسبب الثورة)؛ أي العودة بالضبط إلى استقرار مبارك (المزمن) الذي استمر ٣٠ سنة وكانت نتيجته خروج مصر من التاريخ وتخلفها عن العالم مئة سنة على الأقل مع جرعة تزوير للانتخابات، وتعذيب للمصريين في سجون وأقسام النظام وظلم طبقيّ فاق ظلم النظام الملكي (فقراء الريف في نهاية عهد مبارك زادوا على فقرائه في عهد فاروق).

بعبارة أخرى، لقد جعل كتّاب ومثقفون في أقل من ٣ أشهر استعادة استقرار مبارك ودولته الأمنية أقصى أمانينا؛ بل إنَّ البعض طالب برد الاعتبار لرموز حكمه كونهم حققوا طفرات كبرى ورصيداً استراتيجياً لم تعرفه مصر من قبل (ولا يعرف أحد حتّى الآن لماذا قامت ثورة على هذا النظام إذا كان أحمد عزّ هو الاقتصادي والصناعي الكبير، ويوسف بطرس غالي هو أهم وزير مالية، ونظيف هو الذي قاد مصر إلى الحداثة!). والأخطر أن تتم دعوة النظام الجديد بعد ٣٠ يونيو إلى استشارتهم والاستعانة بهم!

أول خطوة في تفسير الانتقال الجمعي من التفاؤل إلى القلق على حالنا الراهن هو الإقرار بأن الصراع السياسي الدائر في مصر الآن لم يعد فقط الصراع الرئيسي بين الدولة الوطنية والقوى المدنية (تحالف٣٠ يونيو) من ناحية وبين تيار الفاشية الدينية من ناحية أخرى؛ ولكنْ أصبح هناك بموازاته صراع جديد داخل تحالف يونيو نفسه نشأ بأسرع مما كان أكثر الناس تشاؤماً يتوقعون. وبما أن الصراع الرئيسي الأوّل معروف ومتفق على أسباب حدوثه، فإن هذا المقال يركز على الصراع الجديد.

أما الخطوة الثانية فهي إعادة الاعتبار للتفسيرات الموضوعية والمنهجية، وبالتحديد ـ مع الاعتراف بوجود عناصر أخرى للتفسير ـ للصراع الاجتماعي أو الطبقي كمحرك للصراع الجديد وحتّى لسرعة حدوثه.

إن أهم ملمح في هذا الصراع السياسي يرتبط ارتباطاً بنيوياً لا فكاك منه بطبيعة التحالف السياسي ـ الاجتماعي لـ٣٠ يونيو الذي تمكّن من إطاحة تنظيم الإخوان وسلطته. فهو أوّلاً، تحالف مدني ـ عسكري احتاجت فيه الملايين غير المسبوقة من جماهير الشعب السلمية التي نزلت إلى الشارع لإزاحة مرسي، إلى حماية ودعم القوات المسلّحة في مواجهة تحالف تيار الإسلام السياسي الذي يحمل جزءاً منه على الأقل السلاح الوفير والمتقدم وله تاريخ وسمعة سيئان في استعماله وإجازة العنف (منذ أربعينيات القرن الماضي) والذي تعهد أكثر من قائد من قادته (عاصم عبد الماجد وصفوت حجازي وغيرهما) استخدامه قبل بدء اعتصامَي رابعة وبعده والنهضة لسحق أي تمرد على «الشرعية».

وهو ثانياً، تحالف اجتماعي ـ سياسي واسع ضمّ لأول مرة قوى لم تنزل إلى الشارع في الثورة إلا في ٢٥ يناير، بل وبعضها كان ـ بوضوح ـ ضدها؛ وضم قوى ثورية تريد استعادة الثورة ممن سرقوها (الإخوان) بهدف استكمالها وإعادة الحقوق الاجتماعية المنهوبة لأغلبية الشعب وإعادة توزيع الثروة الوطنية؛ كما ضمّ قوى نزلت فقط كراهية للإخوان ولكنها لا تريد استكمال الثورة كما تفهمها القوى الأولى، بمعنى التغيير الجذري سواءٌ في مجال العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة داخلياً أو في مجال الاستقلال الوطني الحقيقي عن التبعية لأمريكا خارجياً. بل وبوضوح كامل تريد أنْ تمنع وصول الثورة إلى هذا المدى.

كان المؤشر الواضح على الاتساع والتناقض هو تكوين جبهة الإنقاذ الوطني (سياسياً) التي بدأت تجمع العمل الوطني المناهض لهيمنة الإخوان على مصر بين أحزاب يمينية، مثل المؤتمر والوفد والجبهة والمصريين الأحرار، وأحزاب من الوسط (يمين أو يسار الوسط)، مثل الدستور والمصري الديمقراطي الاجتماعي، وأحزاب وقوى يسارية مثل التيار الشعبي المصري والتحالف الشعبي الاشتراكي والأحزاب الناصرية والجمعية الوطنية للتغيير وحزب التجمع والحزب الاشتراكي ومجموعات شباب الثورة. وهو مؤشر تأكد لاحقاً (اجتماعياً) وبشكل أعمق في «حملة تمرّد» التي رفضت أي تصنيف سياسي أو طبقي أو حتى تصنيف المشاركة في الثورة الأولى كشرط لقيام عشرات الألوف من النشطاء بحماسة لتلقف مبادرة مؤسسيها بسحب الثقة من مرسي شعبياً عبر رفض مؤسسيها الاستجابة لمطلب شَرطي طرحته بعض قوى الثورة بمنع أي مواطن من الانضمام إلى الحملة وتوقيع استمارتها إذا كان من أنصار النظام القديم.

إن طبيعة تحالف الموجة الثورية لـ٣٠ يونيو كان أمراً واقعياً، ليس فقط لتاريخ الخصم في العنف وإعلان استعداده لاستخدامه لمنع الحركة الشعبية، ولكن أيضاً لتطابقه مع حالة الجبهات الوطنية الواسعة التي تتفق على هدف وطني جامع وتختلف في ما عداه.

أولاً: استعجال قطف الثمار

إن المعضلة التي تواجه مصر وثورة يناير وموجتها الكبيرة في يونيو هي أن هذا الصراع داخل الجبهة الوطنية الواسعة عادة ما ينتظر اندلاعه عقب انتهاء الصراع الرئيسي مع الخصم المشترك الذي تجمعت الجبهة لمواجهته. لكن حالة اخطفْ واجرِ (Cut and Run) التي تميز الرأسمالية الكبيرة عندنا والتي يمثلها الجناح اليميني في التحالف المنتصر على الإخوان، أدت إلى استعجال أطراف في التحالف السياسي (جبهة الإنقاذ) للحصول على غنائم النصر حتى قبل أنْ يكتمل.

هل الخروج المباغت من جبهة سياسية واسعة وعليها بشكل يخلّ بالمصلحة الوطنية جديد على سلوك الرأسمالية المصرية الكبيرة؟ الجواب هو لا. والحقيقة، ما أشبه الليلة بالبارحة؛ إذ سبق لهذه الطبقة تفكيك التحالف الوطني الواسع الذي خاض حرب تشرين الأول/أكتوبر 19٧٣ فور انتهائها، وقبل أنْ تجني أي ثمار للنصر وحيث دماء الشهداء الزكية لقواتنا المسلّحة لم تبرد بعد، وانقضّت على القطاع العام الذي تحمّل عبء الحرب وعلى العمال والفلاحين والطبقة الوسطى وأبنائهم من المقاتلين المؤهلين صنّاع النصر العسكري؛ وسرقت النصر كاملاً. أما من كانوا في الخنادق فخرجوا صفر اليدين!

وها هو التاريخ يعيد نفسه. هذه المرة يبدو أن أحد أهم أسباب التعجيل والتعجّل هو التقدير السياسي الخاطئ الذي يعتقد أن المعركة مع التنظيم الإخواني، سياسياً، ومع حالة الإرهاب في سيناء والوادي، أمنياً، قد انتهت أو كادت. وأنّه آن أوان قطف ثمار النصر أو الحكم (طبعاً في إطار المسارات التي رسمتها خريطة طريق ٣٠ يونيو).

يفسر هذا تعامل بعض أعضاء الجبهة على أنّها أدّت مهمتها كتجمع سياسي وأنها في حكم المنتهية، بما يعني أن التزاماتهم تجاهها وتجاه شركائهم فيها قد انتهى معها. وينصرف هذا التملّص الراهن من الالتزامات إلى التزامين أساسيين ـ كانا في وقتها ـ ضروريين، من ناحية لردم الاختلاف في المواقف السياسية والطبقية لأعضاء الجبهة، ومن ناحية أخرى لرص صفوفها بإسمنت صريح في مواجهة حلف موحّد عقائدياً ومصلحياً كانوا يواجهونه وهو تيار الإسلام السياسي.

فقد قررت الجبهة (وكاتب هذا المقال كان شاهد عيان ومؤسساً من مؤسسيها) ـ للإفادة من الخبرة المريرة واللوم الشعبي لإخفاقها في التوحد سواءٌ في الانتخابات البرلمانية (٢٠١١) أو في الانتخابات الرئاسية (٢٠١٢)، وهو ما سمح بفوز التيار الإسلامي بأغلبيةٍ في البرلمان وبرئاسة الدولة ـ الاتفاق على مبدأين أو التزامين:

١ ـ دخول أول انتخابات برلمانية بقائمة واحدة أو بقائمتين منسق بينهما؛ وتشكلت لذلك لجنة رأسها عبد الجليل مصطفى وجعلت محمود العلايلي متحدثاً باسمها.

٢ ـ دخول أول انتخابات رئاسية بمرشح مدني واحد من أعضاء الجبهة وترك الاتفاق على شخصه (مع ترجيح ضمني) إلى حين استحقاقها.

ويظهر التملص المتعجل في تحرّكات ومواقف بدت منفردة ومفاجئة من مثل إعلان أحزاب في الجبهة أنّها ستخوض انتخابات البرلمان بقائمة منفردة، أو إعلان أحزاب أخرى أنّها ستخوضها بقائمة مع أحزاب معيَّنة في الجبهة وليس مع كلّ أحزابها كما كان متفقاً عليه.

وظهر هذا كذلك في الانقسام حول مرشح الرئاسة، إذ إن البعض بات يفضله عسكرياً في حين يتمسك البعض بالاتفاق الأوّل على مرشح مدني، وآخر يسكت ويتحفظ، والبعض يعارض… إلخ. بل إن بعض أحزاب «جبهة الإنقاذ» الصغيرة، التي كانت أوشكت على الانتهاء (لانشقاقات أو انسداد في الأفق السياسي) قبل قيام الجبهة وأعطتها الجبهة بضمّها إليها قبلة الحياة، بدأت في تفكيك الجبهة جهاراً نهاراً وعدم انتظار حتّى سقوطها التدريجي عبر حالة التملص من الالتزامين. فشرعت في شنّ هجوم إعلامي على بعض أطرافها استوجب ردهم عليها، الأمر الذي أدى إلى تهلهلها حتى أمام وسائل الإعلام وفقدانها صدقيتها أمام الجمهور المصري الذي كان قد أسعده كثيراً ـ ولو على مستوى الرمز المعنوي ـ تحقيق أحد آماله المزمنة بوجود مظلة واسعة للقوى المدنية تنافس الوحش التنظيمي لجماعات الإسلام السياسي، وبخاصة الإخوان.

وفي الجبهة الأوسع اجتماعياً وشعبياً والأكثر شباباً، وهي تمرد، لم يكن الأمر أفضل كثيراً بعد أسابيع قليلة من الانتصار، إذ بدأ البعض يعترض على قرارات أو مواقف لقيادتها، وبخاصة للقيادي الألمع فيها محمود بدر الناطق الرسمي، ثم انسحب البعض من موقعها ومن الحملة نفسها، علناً أو بهدوء، بحيث لا يمكن الحديث الآن باطمئنان عن تمرد واحدة وإنما عن أكثر من حركة قد تتنازع الاسم أو قد تتخذ أسماء أخرى جديدة.

ثانياً: أطراف التحالف تعرف مصالحها الذاتية إلا معسكر الثورة

في تحالف ٣٠ يونيو المدني ـ العسكري هناك طرفان يعرفان تماماً ماذا يريدان، وبالتالي راحا يسعيان لتحقيقه ـ حتّى الآن كل على حدة ـ سواء في كتابة الدستور أو في رسم معالم النظام السياسي المقبل الذي ستفرّخه الانتخابات البرلمانية والرئاسية المبنية عليه. هذان الطرفان هما المؤسسة العسكرية والطبقة الرأسمالية الكبيرة المحلية التي صنعها بمواصفات معينة نظاما الرئيسين السادات ومبارك بالتنسيق مع الرأسمالية العالمية، وهما النظامان اللذان يكوِّنان وحدة عضوية مستمرة، وضع أسسها الأوّل وسار عليها وعمّقها الثاني.

الطرف الأوّل أي المؤسسة العسكرية، يشي معناها نفسه ـ كمؤسسة ـ ببداهة أنْ تكون عارفة ماذا تريد؛ فهي مؤسسة قديمة قِدم الدولة المصرية منذ الفراعنة. وهي مؤسسة وطنية منضبطة تقوم على هيراركية مُحكمة تحترم تسلسل قياداتها وصولاً لقائدها العام، وتقاليد وشائج جندية وسلاح ودفعات واحدة ورموز من الشهداء والتضحيات يعرفها بل ويقدسها أبناؤها؛ ولكن الأهم من ذلك (في عملية صناعة الوعي بمصالح المؤسسة في هذه اللحظة من تاريخ مصر) كان توافر عدة أسباب لا يمكن للمؤسسة تجاهلها وهي:

١ ـ ترى المؤسسة العسكرية أنّها ـ قبل غيرها من مؤسسات الدولة ـ وضعت مصيرها على المحكّ وخاطرت بحياة قادتها الكبار عندما قررت الانحياز للأغلبية الشعبية ضدّ رئيس منتخب أخفق في مهمته؛ أي عندما قررت الانضمام إلى تحالف كان يمكن أن يُهزم أو أنْ يفوز. ولا بُدَّ من أنْ يترجم هذا في صورة وضع للقوات المسلّحة يمنع تعريضها لهزات وعدم استقرار.

٢ ـ يبدو أن المؤسسة لن تقبل أبداً ـ حتّى لو أقرّت ضمناً بسوء إدارة المجلس العسكري الذي ترأسه المشير طنطاوي ـ أنْ تكرر ما اعتبره كثير من قادتها من ذوي الرتب الكبيرة والمتوسطة وحتّى الصغيرة، جزاء سِنِمَّار لتضحياتها ولموقفها الإيجابي برفض الانحياز لمبارك أثناء ثورة ٢٥ يناير والذي تحوّل في شعار الثوار من «الجيش والشعب يد واحدة» في شهور المجلس الأولى إلى «يسقط حكم العسكر» في الشهور التالية.

٣ ـ يبدو أنَّ المؤسسة لن تقبل أيضاً العودة (بعد دورها في ٢٥ يناير، وبالتحديد بعد دورها في ٣٠ يونيو) إلى ما أراده لها مشروع التوريث في السنوات العشر الأخيرة من عهد مبارك من تقليص لدورها لمصلحة مؤسسة الأمن الداخلي أو لمصلحة طبقة رجال الأعمال المتحلقة حول الوريث، أو إلى ما كان يخطط لها من اختراق أو تفتيت لصفوفها كما كان يحاول الإخوان ومرسي بعد الثورة.

٤ ـ بعبارة أخرى، إن المؤسسة ستسعى للحفاظ على وضعها التقليدي المؤثر في النظام السياسي المصري، بخاصة منذ ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢؛ بل ستسعى ـ وهذا هو الأهم ـ لتحويل هذا الوضع وهذا الدور إلى نصّ دستوري متعدد المواد يمنع الانقضاض عليها من جانب أي رئيس قادم أو من أي طبقة اجتماعية؛ وهو سعي كان قد بدأ يتحقق جزئياً في دستور ٢٠١٢.

الطرف الثاني هو طبقة الرأسمالية الكبيرة التي أنتجها وطوّرها بكلّ سرعة وقسوة الرئيس الأسبق أنور السادات الذي اختار النظام الرأسمالي كنظام اجتماعي تحت اسم سياسة الانفتاح الاقتصادي عام ١٩٧٤ (خلفاً لنظام 23 يوليو الذي كان يتجه نحو الاشتراكية والعدالة الاجتماعية وخصوصاً منذ عام ١٩٦١).

هذه الطبقة النافذة كان قد كمن خطابها السياسي وخفت صوتها، وتوارت عن الأنظار في ذروةّ المدّ الثوري لـ ٢٥ يناير؛ كان كلّ تركيزها مرحلياً هو على عدم دخولها دائرة القضايا والمحاكمات التي استهدفت جزءاً من واجهتها السياسية (مثل أحمد عزّ) كان تورطه في السياسة ومشروع التوريث ظاهراً للعيان؛ أي أن جهدها كان منصباً في هذه الفترة على عدم تعريض مكاسبها التي حصلت عليها خلال العهدين السابقين للخطر، لا على المجاهرة بأفكارها أو إعلان العداء لثورة في حالة فورة وتتحدث ليل نهار عن العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة.

وقد برهن الفشل الذريع الذي لقيه بعض عناصرها الذين غامروا للمنافسة في الانتخابات البرلمانية بعد الثورة على صحة موقف الكمون الذي اتخذته.

لكن مع تصاعد السخط الشعبي على أداء الإخوان الفاشل والإقصائي، سنحت فرصة هائلة لهذه الطبقة للعودة إلى مسرح السياسة واعتبرت نفسها، وبخاصة عن طريق وسائل الإعلام الخاصة المملوكة من جانبها، كطبقة برموزها وجمهورها، شريكاً كاملاً في التحالف وتحت تصرف الثوار، لا للدفاع عن ثورتهم وفضح مخطط الإخوان، وإنما لسرقة تلك الثورة ولإعادة استنساخ نظام مبارك لكن بصورة جديدة.

ومن الناحية الحزبية تعجّل القسم المعبّر سياسياً عن هذه الطبقة وعن مصالحها في جبهة الإنقاذ حصد المكاسب. وهذا لم يكن التعبير الوحيد، ولا حتى الأهم، في محاولة الرأسمالية الكبيرة العودة إلى السيطرة على الحكم في مصر، وليس فقط ضمان عدم فقدانها مكاسبها (انطلاقاً من وعيها الناضج بأنَّ السيطرة على الحكم هو الضامن الحقيقي لذلك وليس التحالفات الموقتة والتكتيكية مع خصوم أقل خطراً (الثوار) من خصوم آخرين (الإخوان) في لحظة معينة).

التعبيرات الأهم والأخطر كانت في محاولة الاقتراب المنهجية التي اتبعتها هذه الطبقة من السلطة الوطنية، أي من قيادة القوات المسلّحة، مصوِّرة أنها تمثل عمود القوة في الدولة والسلطة المصريتين في المرحلة الانتقالية الحالية؛ وذلك بهدف كسب ثقتها ثمّ ضمها لصفها في تحديد صورةٍ لمصر الغد تقوم على منع تغيير أسس النظام الذي قامت الثورة لاستبداله كلياً، أي أنْ تبقي على قبضتها كطبقة تسيطر على الاقتصاد الوطني وتستحوذ على ما تستطيع أنْ تهضمه من ناتج هذا الاقتصاد وتترك ما تبقى من فُتاته لبقية الطبقات الأخرى.

كانت الطبقة الرأسمالية تعرف أن مهمتها، في هذا الاقتراب، ليست نزهة سهلة لعدة أسباب:

١ ـ التركيب الطبقي للجيش المصري، وارتباطه بالوطنية الجامعة أكثر من ارتباطه بالطبقة المسيطرة (يقول بعض الباحثين إنّه حتّى قبل عام ١٩٥٢ وبعد فتح معاهدة ١٩٣٦ الباب لإعادة بناء الجيش المصري فإن أغلب ضباطه قبل ثورة يوليو كانوا من أبناء الطبقة الوسطى، بما فيها الشريحة الدنيا منها، وليس من أبناء الإقطاع أو كبار الرأسماليين) وهو أمر أتاح لأبناء العمال والفلاحين الانضمام إلى الجيش بعدما فتحت الثورة الباب على مصراعيه أمام المصريين لدخول الكليات العسكرية. وبالرغم من التغير الذي طرأ جزئياً في عصر مبارك على نفر محدود من الضباط الكبار انتقلوا فيه إلى شريحة الطبقة الغنية إلا أن ذلك ظلّ بمنزلة استثناءات لا تجعل الجيش كتكوين اجتماعي يعمل تلقائياً كأداة تقليدية للطبقة الأغنى في المجتمع.

٢ ـ لوجود تاريخ حديث وقديم نسبياً من الصراع خاضه الطرفان بدرجات متفاوتة الحدة. في التاريخ الأقدم نسبياً يعرف الجميع أنْ نخبة الثورة التي قادها جمال عبد الناصر وشكل العسكريون جزءاً مهماً وقيادياً منها كانت ـ وربما حتّى الآن ـ أكثر ما تكرهه الرأسمالية المصرية الكبيرة (الزراعية) بعد الإصلاح الزراعي بدرجاته المختلفة، ومثيلتها (الصناعية والمالية) بعد التأميمات في الستينيات، وما أدراك ما الستينيات، أي عداء يماثل عداء مرسي وصحبه لها. ولا يبدو أن أيّا منهما ـ الطبقة والمؤسسة ـ قد نسي هذه الخبرة.

التعارض الأحدث حصل في عهد مبارك، وإن كان أقل حدة، بسبب الغطاء الذي منحه المخلوع ونجله للطبقة الكبيرة. مع العلم أن ولاء الجيش وقتها لرئيس الجمهورية الخارج من صفوفه كان حقيقياً. عبّر هذا التعارض عن نفسه في عدة حالات؛ منها وصول نهم الرأسمالية الكبيرة إلى التهام أراضي الدولة الممتازة بأبخس الأسعار إلى حد تشجيع حملات إعلامية على استمرار استحواذ الجيش على مساحات من هذه الأراضي، وبخاصة في كردونات القاهرة والمدن الكبرى بغية إخراجه والاستيلاء عليها (نجحت بعض هذه الحملات فعلاً وأقيمت مثلاً مدينة استثمارية قرب القاهرة على أحد ميادين الرماية السابقة للجيش)، وكذلك الحملات التي وجهت من الرأسمالية لاقتصاد الجيش الصناعي الذي يحصل في رأيهم على مزايا تفضيلية (ولا يقوم بعمل وطني لتأمين حاجاته بعيداً من أسعار السوق الاحتكارية)، فضلاً عن العديد من الأمثلة الأخرى للحروب الباردة التي جرت والتي لا يتسع المجال لها.

٣ ـ الصعوبة الثالثة تمثلها طبيعة القيادة الجديدة أمام هجمة «الغزل» الرأسمالي، فهي قيادة أكثر شباباً من القيادة العسكرية الهرمة القديمة التي كانت بصورة أو بأخرى قد تكيفت ولو على مضض مع الرأسمالية المتنفذة. كما أنَّ القيادة الجديدة أكثر ثقة في نفسها ـ ولا سيما بعد ٣٠ يونيو ـ من القيادة السابقة وربما تشعر أنّها ليست مدينة لأحد، شخصاً كان أو طبقة، إلا للشعب بمعناه الكبير.

٤ ـ ربما الصعوبة الأكبر التي تلخِّص العاملَين السابقَين معاً هي أن هذه القيادة العسكرية الجديدة أعطت إشارات بسيطة وسمحت لإعلاميين وكتّاب قريبين منها أنْ يعطوا إشارات أكثر ـ دون أنْ تنفيها ـ أنّها تملك إعجاباً بعدوّ هذه الطبقة الرأسمالية أي بعبد الناصر (ليس معروفاً ما إذا كان إعجاباً باعتباره ابن العسكرية المصرية في الأصل أو إعجاباً شخصياً بكارميزيته وزعامته ليس لمصر ولكن للوطن العربي كلّه).

لكن عوامل تثبيط هذه الطبقة المسيطرة تدريجاً على مصر منذ انفتاح السادات في محاولتها اجتذاب المؤسسة العسكرية ـ قلب السلطة الحالية ـ إلى جانبها، لم تُثنها عن تكرار المحاولة؛ إذ كانت تعرف أنّها تمتلك ـ ضمن ما تمتلك ـ عوامل تأثير وتحفيز مقابلة تحول بينها وبين اليأس أو القعود. وهكذا بدأت المحاولة والاقتراب من خلال:

١ ـ السيطرة شبه الكاملة على وسائل الإعلام الخاص (الذي سيطر على الساحة تماماً بعد أنْ انكفأ إعلام الدولة أمامه تماماً) وولاء معظم رموزه ومقدمي البرامج المؤثرة في الرأي العام لمصالح هذه الطبقة، بما يضمن نسقاً إعلامياً وسلاحاً جباراً تمّ تقديمه وجعله في خدمة السلطة الجديدة. إلى درجة أنَّ الفرق بين هوية معظم القنوات الخاصة وحتّى البرامج بعد ٢٦ يوليو بات يتفاوت في درجة التباري في الخدمة وليس في بداهة القيام بها.

٢ ـ استنفار منظّري الطبقة من المفكرين والكتّاب من ذوي الوزن الثقيل لمواجهة وكبح التطلعات الهائلة وثورة التوقعات العظيمة سواء لدى معسكر الثورة أو لدى الجماهير (في أنْ يفتح ٣٠ يونيو الباب واسعاً لإنهاء تعثر الثورة وبدء مسيرة منتظمة وصاعدة لتحقيق أهدافها)، وذلك بإثارة الفزع من فكرة قيام الدولة بخطوات فعّالة لتحسين أحوال الجماهير المعيشية لأنّها ستؤدي إلى انهيار الاقتصاد وزيادة عجز الموازنة… إلخ. ووضع هؤلاء في مصاف المحرّمات إعادةَ دور حقيقي للدولة في التخطيط وتوجيه الاقتصاد أو فرض ضرائب تصاعدية تحقق العدل وتوفر موارد للدولة. أما التفكير في الاستقلال الوطني بالمعنى الجدي فهو خطيئة لا يمكن التسامح معها! وتتمثل هذه الترسانة الفكرية المستنفَرة ببعض مقالات المصري اليوم الأخيرة حول الدستور ووصف رأسمالية الاقتصاد المصري والسلفية الناصرية ووضع أراضي الدولة من كتّاب معروفين مثل نيوتن (اسم مستعار) ومحمّد أمين وسليمان جودة، وخصوصاً رئيس مجلس إدارة الصحيفة المفكر الدكتور عبد المنعم سعيد الذي يمكن وصفه بأنّه المنظر الأهم للطبقة الرأسمالية المصرية في العقد الأخير (وهو ما يفسر أن مكانته لم تتغير بانتهاء الحزب الوطني بعد الثورة فهو ليس منظّراً لجمال مبارك ولا لمبارك نفسه، وهو أقرب في الحقيقة إلى السادات منه إلى مبارك). والحديث عن منظّر للطبقة ليس من باب النقد (بل هو في الحقيقة من باب التقدير)، إذ كما يقول جورج لوكاش، إن السؤال الذي يقرر مصير كلّ صراع اجتماعي هو: ما هي الطبقة أو الطبقات الاجتماعية التي تملك الوعي الطبقي؟ وهو دور يستطيع أنْ يؤديه، ونأمل أنْ يؤديه، ولكن لمصلحة الطبقات الواسعة الفقيرة والوسطى، مفكرون وكتّاب منحازون للجماهير الغفيرة من مثل جلال أمين وأحمد السيد النجار في الاقتصاد وأحمد يوسف أحمد ومصطفى كامل السيد في السياسة… إلخ.

٣ ـ تنشيط مراكز النفوذ وتشابك المصالح المادية الهائلة التي كوّنتها هذه الطبقة في عهدي السادات ومبارك (بخاصة في السنوات العشر الأخيرة من حكمه) داخل كلّ مؤسسات الدولة وجهازها البيروقراطي في اتجاه تزكية وترغيب التحالف معها لدى من يقود الدولة الآن، بالتوازي مع عرقلة أي تطور جوهري في السياسات أثناء المرحلة الانتقالية بما يتعارض مع مصالح الرأسمالية الكبيرة (لاحظ مثلاً المقاومة الهائلة التي أبداها ممثلو مصالح هذه الطبقة في الحكومة الحالية لأي جرعة عدالة اجتماعية حقيقية ومتكاملة ـ باستثناء الحدّ الأدنى للأجور الذي تجرعوه كالسمّ ـ قد تصير حقوقاً راسخة للفقراء يصعب سحبها منهم لاحقاً).

تعرُّض المصريين لحملات إعلامية وثقافية شديدة الفاعلية والتأثير خلال الأسابيع الأخيرة، عبر استخدام الرأسمالية الكبيرة عناصر القوة لديها، يكشف عن مدى نفوذ هذه الطبقة وعن اقترابها الحثيث من مركز السلطة الحالية لقطف ثمار ٣٠ يونيو لمصلحتها ـ أي بما يقود إلى عودة النظام القديم مع تعديلات طفيفة ـ لا لمصلحة الثورة وأغلبية شعبها. وهو يكشف، وهذا هو الأهم، عن تقدّم هذه الطبقة في اتجاه هدفها وكسبها نقاطاً هي خسارة صافية لمعسكر الثورة.

الحملة الأولى: هي إخافة المؤسسة الحاكمة من اختيار قيادات حكومية أو إدارية خارج إطار من يدِين بالولاء لهذه الطبقة، وذلك عبر الهجوم المركّز على اليسار والناصريين بادعاء أن النظام السياسي بعد ٣٠ يونيو أتى بعدد منهم إلى المجالس (مجلس حقوق الإنسان والمجلس الأعلى للصحافة) وبعض الوزراء في الحكومة وبزعم أنّهم ملحدون وسيعيدون زمن التأميمات والحراسات… إلخ.

الحملة الثانية: هي الهجوم المنظم والممنهج على النخبة المدنية والسياسيين والأحزاب، وبخاصة تلك المتمسكة بهدف الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، التي أظهرت أنّها غير مستعدة لأن تُفاضل بين مكافحة الإرهاب وقبول عودة الدولة البوليسية. فقد بدأت حملة «مكارثية» مخيفة لكلّ من يريد قانون تظاهر بالمعايير المتفق عليها في الدول الديمقراطية تتهمه بأنّه خائن وعميل. وأكثر من ذلك بدأ كتّاب لم يكونوا يجرؤون على مهاجمة الإخوان في ذروة سطوتهم باتهام جماعة تمرد، الذين حملوا في الشهور الثلاثة الأخيرة عبء إسقاط نظامهم، بأنهم خوَنة لأنهم اعترضوا على مشروع هذا القانون، وتبين أنَّ الغاية هي إظهار كلّ السياسيين على أنّهم غير صالحين لقيادة مصر في المرحلة التالية للمرحلة الانتقالية وإبلاغ من في يده السلطة أن أدوات الطبقة المتنفذة نجحت في تمهيد الأرض وإزاحة من يعتقد أنه قد يمثل تهديداً ولو محدوداً إذا قرر ممثل عن المؤسسة العسكرية، وبخاصة قائدها ذو الشعبية الكبيرة، التقدّم مباشرة لحكم مصر ورئاستها.

بعد نجاح الحملتين ـ إلى درجة أنَّ المواطن العادي كفر بكلّ الشخصيات السياسية وأصبح مستقراً في وعيه أن مصلحة مصر الآن أن يأتي من يحكم البلاد بيد من حديد ويستحسن أنْ يكون عسكرياً ـ  بدأت الحملة الأخطر التي تبناها صراحة رجال أعمال على طريقة «الحيل القديمة المجرّبة تنجح دائماً»، وهي تشجيع حملة أو حملات ترشيح الفريق أول السيسي رئيساً لمصر وتسخير الحملات الشعبية والإعلامية والإنفاق السخي عليها من جانب رموز هذه الطبقة. وهنا ظهر الاستخدام المتزايد للسلاح الأكثر فعالية في الوسط الثقافي الموالي للرأسمالية الكبيرة، وهو الفنانون، وبخاصة الممثلون والمطربون. وظهرت هنا الأغاني والأوبريهات وتقدّم رجال أعمال في بيزنس الصناعة والتجارة والتعليم إلى جانب بيزنس الإعلام للتحضير والإنفاق والنشر والترويج.

بعبارة أخرى، تجد هذه الطبقة في ترشيح السيسي ـ غير ما تراه شرائح أخرى فقيرة (ربما تأمل في أنْ يكون ناصراً آخر ينحاز إليها) ـ فرصة لأن تكون المؤسسة القوية مدينة لها في حسم وإنفاذ هذا الأمر، وبداية لتحالف يقود فيه الجيش السياسة وتقود هذه الطبقة فيه الاقتصاد بما لا يتعارض مع الأسس التي سار عليها السادات ومبارك ومرسي وهي:

١ ـ استمرار النظام الرأسمالي وحصر دور الدولة في أضيق الحدود.

٢ ـ استمرار العلاقات الاستراتيجية مع أمريكا والسلام مع إسرائيل.

٣ ـ بقاء الدور الإقليمي والعربي لمصر كما هو عليه قبل الثورة منكمشاً ومتوقفاً على حاجات الاستراتيجية الأمريكية.

خاتمة

ما هي فرص حدوث تحول كارثي (تاريخياً) من هذا النوع؟ أي ما هي احتمالات أنْ تنتهي ثورة جماهيرية عظيمة بثلاث موجات كبرى (حتّى الآن) مثل ثورة يناير إلى نظام رأسمالي وغير ديمقراطي يقوده تحالف من الرأسماليين والجنرالات على طريقة أمريكا اللاتينية في الماضي؟

الجواب صعب جداً؛ وقد نجده في إجابة قديمة نسبياً للفريق أول السيسي جاءت قبل رحيل مرسي بـ٣٥ يوماً، وهو ما يعطي رداً مثيراً للتفاؤل النسبي بعدم إمكان ابتلاع الجيش لطُعم الصفقة مع الطبقة التي تبنّت من قبلُ عملية مماثلة لدعم توريث جمال مبارك كانت ستكون بالتأكيد (مثل خروجها تاريخياً عن تحالف أكتوبر 19٧٣) على حساب المؤسسة العسكرية وبالتالي ستكون هناك صعوبة في انحيازه كجيش وطني لهذا الخيار المخيف وغير الشعبي على المدى الطويل، وربما حتّى على المدى المتوسط، إذ قال باختصار: «إنَّ القوات المسلّحة مؤسسة وطنية لن تسيّس ولن تعقد صفقات».

لكن المغريات كثيرة والغزل صريح، والضغط الطبقي لا ينقطع، وهو يجد قبولاً من جهات ودوائر ليست بعيدة من الحكم وذات تأثير. والجزم بمدى المقاومة ونتيجتها النهائية غير ممكن الآن، وبخاصة مع تشظي معسكر الثورة وضعف قنوات اتصاله مع السلطة الانتقالية

مركز دراسات الوحدة العربية

Previous post الفساد النسقي والدولة الاستبدادية: حالة الجزائر 1962 – 2016(*)
Next post جوائز مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية
%d مدونون معجبون بهذه: