فضيحة» النفط مقابل الغذاء: كشف لفساد إداري أم مزيد من التوظيف السياسي للأمم المتحدة(*)

محمد أشرف البيومي(**)

شبكة المدار الإعلامية الأوربية…_كثُر الحديث عن الفساد الذي ارتبط ببرنامج النفط مقابل الغذاء، ويجيء التصعيد الإعلامي متزامناً مع المناداة بإصلاح هيئة الأمم المتحدة، ومقترناً بالضغوط الأمريكية على أمينها العام. فنجد عناوين في الصحافة العربية (وهي تعكس عناوين مماثلة في الصحافة الأجنبية، خصوصاً الأمريكية)، مثل: «النفط مقابل الغذاء: حبل الفضيحة يلتف حول عنق كوفي عنان»[1]، و«سناتور أمريكي يطالب باستقالة أنان، وآخر يطرح قانون محاسبة «الأمم المتحدة»»[2].

يقول مهدي الحافظ رئيس المركز العراقي للتنمية والحوار الدولي ووزير التخطيط سابقاً في حكومة الاحتلال برئاسة بريمر في الحياة 17/9/2005 إن «مسيرة هذا البرنامج، الذي امتد نشاطه حتى عام 2003، قد انطوت على مفارقات وفضائح يندر وجود مثيل لها في التعاملات الدولية، وتشكل نقطة سوداء في تاريخ الأمم المتحدة… وهكذا تضافرت الأطماع والنيات الشريرة لفئات واسعة لإلحاق الكوارث بالعراقيين من خلال طريقين: نهب ثروتهم المالية من ناحية، ومحاصرتهم في أتون الفاقة والحرمان بمقاييس مريعة لسنين طويلة من ناحية أخرى»

وتذهب عناوين أخرى، في اتجاه ثانٍ، مثل: «الفضيحة الحقيقية»[3] و«تشويه المحافظين الجدد لسمعة أنان: أي فضيحة للنفط مقابل الغذاء»[4]؟

والسؤال: ما هي الحقيقة؟ وما هو الفساد الذي يثار حوله الحديث؟ ومن هي الجهة المسؤولة عنه؟ وما هو حجم هذا الفساد؟ وهل يُستغَل هذا الفساد لتغطية فساد أكبر، ونهب منظّم لثروات العراق النفطية والحضارية؟ هل يوظف هذا الموضوع لخدمة أغراض سياسية معينة، مثل الضغط والابتزاز السياسي للأمم المتحدة ممثلة في أمينها العام، بالرغم من تعاونه في معظم الأحوال مع الإدارة الأمريكية؟ وما الذي فعله أنان حتى أغضبها؟ وهل هناك علاقة بين موضوع الفساد والأحداث التي تجري على أرض العراق والمعارضة المتصاعدة من قبل الرأي العام الأمريكي لتورط حكومته في العراق ولقيامها بجرائم التعذيب في أبو غريب وغوانتانامو وغيرهما من معتقلات سرية؟

نطرح هذه الأسئلة ونحاول الإجابة عنها مستندين في كثير من الأحوال إلى حقائق موثّقة، آخذين في الاعتبار مصداقية المصادر ودقة اتهاماتها، ومؤكدين التناقضات الصارخة في المعايير المستخدمة وتضارب المصالح المتنافسة.

بعد هذه المقدمة سنعطي نبذة عن ماهية برنامج النفط مقابل الغذاء، وعن إنجازات البرنامج وقصوره والعقبات التي اعترضته، والتناقض الذي ميّز قرارات الأمم المتحدة في العراق مما اضطر المسؤول الأول للأمم المتحدة في العراق (دينس هاليداي) إلى الاستقالة وتبعه كذلك من حلّ محله. ونناقش تقرير فولكر، والنقاط الأساسية التي جاءت به والغموض والخلط الذي شاب بعض فقراته، خصوصاً التناول الإعلامي له.

كما نناقش التوظيف السياسي من قِبل الإدارة الأمريكية للتقرير، للتغطية على الجرائم الكبرى التي ارتكبتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة وهي: الحصار والتنكيل، التدمير والاحتلال، الإبادة والنهب. ولعل أهم ما سنعرض له هو قضية التوظيف السياسي لشعار إصلاح الأمم المتحدة لتسخيرها كأداة طيّعة في خدمة إمبراطورية القرن 21، وتقع أهمية ذلك في كونه نموذجاً لممارسات حالية في أمتنا العربية تستعمل فيها شعارات الإصلاح والدمقرطة للهيمنة والتدخل.

أولاً: حقائق أساسية حول برنامج النفط مقابل الغذاء في العراق

بعد أن وصلت الأحوال الصحية ومستويات التغذية في العراق إلى درجة خطيرة، اضطرت الحكومة العراقية إلى الموافقة على مذكرة التفاهم المستندة إلى قرار مجلس الأمن رقم 986 الصادر في 14 نيسان/أبريل 1995. بموجب هذا الاتفاق سُمح للعراق ببيع كميات من النفط مع الإبقاء على الحظر الدولي الذي فُرض عليه بعد غزو الكويت عام 1990، مما يمكّنه من شراء حاجات إنسانية أهمها الغذاء والدواء. وكانت الحكومة العراقية ترفض الموافقة على برامج مشابهة باعتبارها متناقضة مع سيادتها الوطنية، ولقناعتها بأن الإدارة الأمريكية تسعى إلى فرض مزيد من الهيمنة عليها وابتزازها باستخدام سلاح الغذاء.

وبعد عدة سنوات من الحصار، وبعدما استنفدت الحكومة معظم مخزونها الدوائي والغذائي، ووصل معدل الحصة التموينية التي توزعها على كل مواطن حوالى نصف ما تعتبره المنظمات الدولية الحد الأدنى الضروري، رضخت الحكومة العراقية، ووافقت على مذكرة التفاهم في أواخر 1996، وبدأ التنفيذ الفعلي لبرنامج النفط مقابل الغذاء في نيسان/أبريل 1997 حيث وزّع جزء من الحصة التموينية المقررة، وهي الدقيق، ثم اكتملت هذه الحصة تدريجياً.

وفي الحقبة الأولى كان المبلغ المسموح به من عائدات النفط هو ملياري دولار كل ستة أشهر يخصم منه 30 بالمئة لصندوق التعويضات الذي يذهب أغلبه إلى الكويت، و2.2 بالمئة لهيئة الأمم المتحدة لإدارة البرنامج والتأكد أن الغذاء وبقية المواد الإنسانية توزع «بكفاءة وبمساواة»، وتقييم «كفاية» هذه المواد للمواطن العراقي. ولقد عمل كاتب هذا المقال رئيساً لفريق الملاحظين المسؤول عن الغذاء في الفترة ما بين 3/1997 و5/1998.

كان الغذاء هو الجزء الأعظم من المواد الإنسانية (1.1 مليار دولار كل ستة أشهر من الـ1.3 مليار دولار المتبقية بعد خصم مبالغ التعويضات ومصاريف إدارة البرنامج). وفي عام 1999 رُفع الحد الأقصى للنفط المسموح ببيعه، وأصبح خاضعاً لإمكانات العراق في ضخّ النفط، وبذلك تضاعفت أموال عائدات النفط التي كانت هيئة الأمم المتحدة تشرف عليها. نسوق هذه الحقائق حيث توجد مغالطات أو تعتيم حولها، على سبيل المثال عند ذكر جملة المبالغ التي موّلت البرنامج يهمل الكثيرون حقيقة أن ثلث المبالغ لا يستخدم من قبل العراق لأنه يذهب إلى صندوق التعويضات الذي كان أغلبه للكويت ولكنه كان يشمل أيضاً شركات الكيان الصهيوني.

ومن المهم التأكيد أن الحكومة العراقية كانت لا تحصل على أية مبالغ، حيث إن الأموال كانت تودَع بالكامل في بنك باريس في نيويورك تحت الإشراف الصارم من قبل هيئة الأمم المتحدة، وتحديداً من قِبل لجنة العقوبات (لجنة 661)، التي لعبت الولايات المتحدة وبريطانيا الدور المحوري فيها. وكان للحكومة العراقية الحق في اختيار الشركات التي تشتري منها المواد الإنسانية في إطار المبالغ المخصصة لكل بند وحسب الاتفاق بين الحكومة العراقية والأمم المتحدة.

أُبرم الاتفاق لمنع «مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية» التي وصلت إلى حالة خطيرة بعد التدمير الهائل والمتعمد للمنشآت الكهربائية ومنشآت تنقية المياه والصرف الصحي والبنية التحتية عموماً. ومما لا شك فيه أن البرنامج أتاح للعراق شراء سلع غذائية ودوائية واحتياجات إنسانية أخرى، كان الشعب العراقي في أمس الحاجة إليها. ولا بد من التأكيد أن تمويل البرنامج برمّته هو من ثروات العراق النفطية، وأن البرنامج لا علاقة له بأية معونة من أي جهة، كما يظن البعض.

ثانياً: إنجازات البرنامج وقصوره والعقبات التي واجهته

من المهم التوضيح بأن هدف البرنامج، حسب ما جاء في قرار الأمم المتحدة، كان منع المزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية للشعب العراقي، وليس تلبية حاجاته الضرورية وتحسين أوضاعه الإنسانية كما كان يجب على منظمة الأمم المتحدة أن تفعل. لقد حقق البرنامج هدفه بوقف التدهور ومنع كارثة إنسانية محققة، رغم أن المواطن العراقي لم يحصل بالكامل على الحصة التموينية المستحقة حسب مذكرة التفاهم، بسبب تأخير الموافقة على العقود التموينية وتعليق بعضها من قبل لجنة العقوبات، وذلك في المرحلة الأولى (نيسان/أبريل 1997 حتى تشرين الأول/أكتوبر 1997). فمن واقع سجلات اللجنة ذاتها كان متوسط الوقت الذي أخذته اللجنة للموافقة على العقود الغذائية المقدمة من الحكومة العراقية في إطار البرنامج المتفق عليه ستة وستين يوماً في المرحلة المذكورة. ولقد تحسن الأداء بعد أن أبرزنا هذا الخلل الفاضح في تقاريرنا الرسمية مما أثار غضب بعض المسؤولين الأمريكيين والبريطانيين في لجنة العقوبات. وكان الوقت اللازم لشحن المواد إلى المرافئ العراقية هو تسعة وخمسين يوماً، بينما تقوم وزارة التجارة العراقية بإيصال المواد إلى مخازن التوزيع في مختلف المحافظات في أسبوع واحد في المتوسط. كما شكّلت حجة «الاستعمال المزدوج» عقبة رئيسية للحصول على حاجات ضرورية، منها بعض الأدوية، كما جاء في أحد تقارير الأمم المتحدة في كانون الثاني/يناير 1998.

ورغم تلك المفارقات، كانت الاتهامات مستمرة بأن الحكومة العراقية، وصدام حسين تحديداً، يحرمان مواطنيهما من الغذاء والدواء. أما توزيع الحاجات الإنسانية بكفاءة وعدالة فقد أكدته كافة تقارير الأمم المتحدة من جميع وكالاتها، وتقارير لجان متخصصة جاءت لمتابعة عمل هذه الوكالات مثل برنامج الغذاء العالمي الذي كنت رئيساً لفريق الملاحظين التابع له في المرحلة الأولى، وقد أشاد بذلك تقرير فولكر نفسه.

ورغم إنجازات البرنامج، فلقد استمرت حالة التدهور الصحي، وكذلك الوفيات خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال، كما أثبتت دراسة ميدانية قامت بها اليونيسف، وشارك فيها فريق الملاحظين الذي كان كاتب الدراسة يرأسه. لم يلبِّ البرنامج إذاً حاجات العراق في مجالات عديدة أهمها الدواء والمعدات الصحية وكذلك في المجال الزراعي والتعليمي والصرف الصحي وتنقية مياه الشرب وغيرها، فطالبت الأمم المتحدة في العراق في السنة نفسها، بقيادة منسقها دينس هاليداي، بمضاعفة كميات النفط المسموح بتصديرها حتى تتوفر المبالغ اللازمة لتلبية الحاجات الإنسانية، مما أدى إلى إزالة الحد الأقصى للنفط المسموح ببيعه عام 1999.

والجدير بالذكر، أن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة عام 1999 طالب مجلس الأمن بالإسراع في بت عقود قطع الغيار والأدوات اللازمة لضخ البترول، والعقود المتعلقة بالصحة والمياه والمرافق الصحية. وقد نوّه الأمين العام بتعاون الحكومة العراقية وطالبها بالمزيد من التعاون، وأشار إلى الزيادة الكبيرة في عدد العقود التي علّقتها لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة، وأغلب هذه العقود كان متعلقاً بإعادة بناء البنية التحتية التي دمرتها القوات الأمريكية والبريطانية في عام 1991.

ثالثاً: تناقض في مهام الأمم المتحدة و قراراتها

ذكر الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة في تقريره لمجلس الأمن عام 1999: «.. إن قرار الأمم المتحدة رقم 986 (1995) لم يستهدف أبداً تلبية كل الحاجات الإنسانية للشعب العراقي». يمثل هذا التعبير في نظر الكثير من القانونيين تناقضاً مع ميثاق الأمم المتحدة التي يمثّلها الأمين العام، بالإضافة إلى تناقضه مع عدة مواثيق أخرى مثل ميثاق حقوق الإنسان وميثاق حقوق الطفل والاتفاقيات الرافضة للإبادة الجماعية. وهذا يعبر عن مدى تناقض قرارات الأمم المتحدة بالنسبة إلى العراق؛ فمن ناحية فرضت المنظمة على العراق حصاراً كانت له أضرار بالغة على 21 مليوناً من البشر يمثّلون شعب العراق، بل أدى إلى وفاة أكثر من مليون إنسان، مما يمثل إبادة جماعية، ومن ناحية أخرى أصدرت المنظمة نفسها قرار رقم 986 لمنع مزيد من التدهور في الأحوال الإنسانية.

إن هيئة الأمم هي التي فرضت الحصار الذي أدى إلى زيادة معدل وفيات الأطفال دون الخمسة أعوام من 65 لكل ألف طفل في 1984 ـ 1989 إلى 131 في 1994 ـ 1999 حسب دراسة اليونيسف الميدانية المذكورة سابقاً. وقد أكدت كارول بيلامي رئيسة اليونيسف بأنه «إذا استمر انخفاض معدل وفيات الأطفال في العراق بالمستوى الذي كان عليه في الثمانينيات حتى التسعينيات لتوفي نصف مليون طفل على الأقل..» لقد أثارت هذه الحقائق، وتصريح بيلامي الخطير، غضباً شديداً في العالم كله على ما يجري من الحصار. ولعل موت هؤلاء الأطفال والغضب العارم الذي تبعه، يكونان رادعاً للأمم المتحدة وأعضاء مجلس الأمن، خصوصاً الولايات المتحدة وبريطانيا، عن فرض حصار إجرامي آخر على أي شعب في العالم وتحت أي حجة.

إن هذا التناقض البيّن والممارسات الخاطئة للأمم المتحدة هي التي دعت دينس هاليداي، المنسق العام لبرنامج النفط مقابل الغذاء والسكرتير المساعد للأمم المتحدة، وخليفته هانز فون سبونيك وممثلة برنامج الغذاء العالمي إلى الاستقالة احتجاجاً على دور الأمم المتحدة في استمرار القتل الجماعي للشعب العراقي. وهو السبب نفسه الذي جعلني غير مستعد للاستمرار في عملي حتى يكون لديّ حرية الحديث عن الحقائق وكشفها على نطاق واسع، وهذا ما فعلت بمشاركة آخرين على رأسهم هاليداي وفون سبونيك.

رابعاً: تقرير فولكر: كشف للفساد أم تغطية على جرائم الاحتلال؟

أثير الكثير من الاتهامات بالفساد والتلاعب وسوء الإدارة في برنامج «النفط مقابل الغذاء» من مصادر عراقية وأمريكية، مما دفع الأمين العام للأمم المتحدة إلى تشكيل «لجنة فولكر» للتحقيق في هذه الادعاءات. كان بول فولكر، رئيس لجنة التحقيق «المستقلة» يشغل منصب رئيس المجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي. ومن أهم النقاط التي أوردها تقرير اللجنة النهائي التي أصدرته في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2005 أنه لم يكن هناك إشراف ملائم على برنامج النفط مقابل الغذاء، ودعا إلى إصلاح السياسات والممارسات الإدارية في الأمم المتحدة التي تحتاج إلى «إدارة تنفيذية أقوى وإصلاح إداري شامل ومزيد من التحكم والمراجعة». ولكنه نبّه أن هذا «لا يعني العثور على فساد في الأمم المتحدة برمّتها».

ذكر التقرير أن برنامج النفط مقابل الغذاء «افتقد في كثير من الأحيان إلى الكفاءة والأمانة والمسؤولية». وأقرّ بأن «البرنامج الذي أعد كطريقة للتوفيق بين الحصار القوي ضد النظام العراقي وبرنامج النفط مقابل الغذاء قد حقق نجاحات هامة وأنه أبقى على الحد الأدنى من مستويات الصحة والتغذية في مواجهة كارثة محتملة»، هذا بالرغم من الاتجاهات المتذبذبة في مجلس الأمن، وضغوط القوى السياسية المتنافسة في العراق، والفساد المزمن هناك.

يدعم التقرير بالوثائق كيف أن الاختلافات بين الدول الأعضاء في مجلس الأمن كانت عائقاً أمام اتخاذ القرارات، وأنها تسامحت مع تهريب واسع النطاق.. وذكر أيضاً كيف أن «صدام حسين وجد طرقاً ووسائل لتوظيف البرنامج لمصلحته»، ومن بين الذين أشار التقرير إلى ارتباطهم بصفقات «غير مشروعة»، وأنهم حصلوا على أُذون صرف «كوبونات» نفطية وباعوها في الأسواق مقابل عمولة: النائب البريطاني جورج غالاواي والمندوب الفرنسي السابق في الأمم المتحدة جان برنار مريميه ووزير الداخلية الفرنسي السابق شارل باسكوا والسياسي الروسي المعروف فلاديمير جيرينوفسكي.

لام التقرير مجلس الأمن، أي الدول الأعضاء فيه، على سماحه بخروقات ضخمة للعقوبات، عبر شحنات نفط عراقية إلى الأردن الذي طالب بالحصول على ترخيص قانوني من مجلس الأمن كونه بلداً مجاوراً متضرراً من العقوبات.

وحسب التقرير، استغل كوجو أنان منصب والده للحصول على سيارة مرسيدس خلال عمله في شركة سويسرية تسمى كوتكنا، التي كانت تراقب البضائع التي يستوردها العراق، كما حصل مسؤولان كبيران في الأمم المتحدة على رشىً، وهما ألكسندر يكفلوف الذي اعترف وقدّم استقالته، وبنون سيفان وكيل الأمين العام في إدارة البرنامج، الذي كانت تهمته الحصول على حوالى 160 ألف دولار من أموال البرنامج التي تبلغ حوالى 100 مليار دولار، كما كتبت راغدة درغام في الحياة في 9/9/2005.

بعد قراءة نقدية للتقرير وما جاء حوله من تناول إعلامي في الصحف العربية والأمريكية، من المهم أن نتساءل: عمَّ نتحدث بدقة؟ هل نبحث في فساد متعلق ببرنامج النفط مقابل الغذاء الذي كان تحت الإشراف الكامل لهيئة الأمم المتحدة ووكالاتها المتعددة، أم عن الفساد المرتبط ببيع كميات كبيرة من النفط العراقي إلى بعض دول الجوار وبالذات الأردن وتركيا، الذي يقع خارج برنامج النفط مقابل الغذاء، فهو نفط مقابل المال، كما أنه تمّ برضاء أمريكي ولأسباب سياسية محض؟ كذلك يجب أن نتوقف عند كلمة فساد، فهل قيام دولة ذات سيادة بالتحايل لكسر حصار اقتصادي مفروض عليها دولياً وأدى إلى تدهور اقتصادي وصحي، للحصول على أموال تمكّنها من شراء بعض احتياجاتها الضرورية يعتبر فساداً ؟ ولماذا هذا الاختزال المتعمد للنظام العراقي في شخص الرئيس السابق وكأن عائدات النفط هي أموال شخصية له؟ وعلينا أن نتساءل لماذا هذا الاهتمام الكبير، الذي يثير الإعجاب، بتعرية «الفساد» بينما هناك إهمال وتغاضٍ ملحوظ يثير الريبة والدهشة عن فساد إدارة الاحتلال الأمريكي والحكومة العراقية التابعة له، وعن النهب الهائل لثروات العراق بما في ذلك النفط والآثار؟

ما هي دوافع الإدارة الأمريكية وإعلامها من إبراز الفساد في الأمم المتحدة وفساد النظام العراقي السابق؟ وهل هناك علاقة بين توقيت الحملات الإعلامية وما يدور في العراق وتفاعل المجتمع الأمريكي معه؟

في هذا المجال يجب التشديد على النقاط التالية:

1 ـ لا بد من التفرقة بين فساد بعض الموظفين القلائل في الأمم المتحدة الذين استغلوا مناصبهم أو علاقاتهم للاستفادة غير الشرعية من البرنامج، وقبلوا رشى يعاقب عليها القانون، وقيام شركات دولية بدفع مبالغ، تعتبرها بأنها شيء من رسوم التعاملات، للنظام العراقي حتى يسمح لها بالتجارة. علماً بأن الحكومة العراقية كانت السلطة الشرعية في ذلك الوقت وأن جميع التعاملات كانت مرهونة بموافقة الأمم المتحدة كما جاء على لسان متحدث باسم إحدى هذه الشركات. لا شك أن ذلك تحايل مفهوم بل واجب وطني من قبل الحكومة العراقية لتجاوز الحصار المفروض عليها وعلى الشعب العراقي. أما الشركات التي دفعت هذه المبالغ، ومنها شركات أمريكية، فقد انتهكت قرار الأمم المتحدة لأسباب تجارية يعاقب عليها القانون، ولكن ما شأن الأمم المتحدة بذلك اللهم إلا إذا تم بعلمها؟

بالطبع هناك مسألة كيفية استخدام الحكومة العراقية للأموال التي تحصل عليها، فبقدر ما تستخدم لأغراض شخصية يكون الأمر فساداً بلا شك، وبقدر ما تلبي احتياجات إنسانية شعبية يكون الأمر وطنياً.

2 ـ كل أنواع الفساد مرفوضة ولكن هناك فساد أصغر وفساد أكبر (ميني فساد وسوبر فساد)، رغم أن الرشى التي أعطيت لموظفين في الأمم المتحدة بهدف استغلال مناصبهم ضئيلة بالنسبة إلى حجم البرنامج فهي ما زالت فساداً مرفوضاً لا بد من العمل على التصدي له. ولكن لا يجب بأي حال من الأحوال أن يحرف الفساد المتعلق ببضع مئات الآلاف من الدولارات أنظارنا عن الفساد الضخم المتعلق بمليارات من الدولارات التي نهبت أو اختفت من العراق تحت إدارة الاحتلال وحكومة بريمر، ثم الحكومة العراقية التابعة للاحتلال؛ فهذا أمر يثير الدهشة بل الغضب. ومن المهم الإشارة إلى قرار الرئيس الأمريكي في 22 أيار/مايو 2003، الذي لم تذكره الصحافة الأمريكية «المستقلة!»، إذ إن القرار رقم 13303 (EO) ، ورغم عنوانه المضلل، يعطي تفويضاً غير محدود للشركات الأمريكية لنهب العراق وحصانة دائمة من أي محاسبة قانونية. وقد صدر هذا القرار بعد ساعات معدودة من تبنّي الأمم المتحدة القرار 1483 الذي أعطى عملياً غطاء شرعياً لغزو العراق واحتلاله، كما أعطى سلطات هائلة لما سمي بسلطة التحالف المؤقتة التي كانت تتحكم فيها الولايات المتحدة بقيادة بول بريمر. سمح أيضاً هذا القرار بإنشاء صندوق الإعمار والتنمية العراقي الذي جمع الموارد المالية المتبقية من برنامج النفط مقابل الغذاء ومن مبيعات النفط.

3 ـ استنتج التقرير الرسمي الذي أعده تشارلز دولفر مفتش السلاح السابق والموظف في «سي أي أيه»، ونُشر في 30 أيلول/سبتمبر 2004، أن النظام العراقي استطاع الحصول أثناء فترة الحصار على 9.2 مليارات دولار من مبيعات نفطية خارج برنامج النفط مقابل الغذاء، والغالبية الساحقة من هذه الأموال هي من مبيعات نفطية للأردن (4.44 مليارات) وسورية (2.8 مليار) وتركيا (7 مليارات)، ومنها مبلغ 229 مليون دولار ضريبة إضافية غير رسمية فرضتها الحكومة العراقية علناً على مبيعات النفط. إذاً التقرير يؤكد أن تسعة مليارات تقريباً كان مصدرها مبيعات خارج برنامج النفط مقابل الغذاء، تمت بموافقة ضمنية وغير رسمية من مجلس الأمن وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية.

4 ـ ذكر تقرير اللجنة الفرعية للتحقيقات بمجلس الشيوخ الأمريكي عام 2004 أن 52 بالمئة من عمولات النفط التي دُفعت للحكومة العراقية كان مصدرها أفراد وشركات أمريكية أكبرها شركة بيي أويل (Bay Oil) بهيوستون، تكساس.

5 ـ يقول وزير النفط العراقي بحر العلوم حول «فضيحة النفط مقابل الغذاء» إن «العراق تعرض لأكبر عملية نصب دولية لنهب أمواله»، وهنا أنقل ما قاله جهاد الخازن في الحياة : «أريد من بحر العلوم التحقيق في محيط النهب أيام إدارة بول بريمر فهذا المندوب السامي الأمريكي تسلم إدارة العراق وهناك ستة بلايين دولار باقية من برنامج النفط مقابل الغذاء وعشرة بلايين من بيع النفط العراقي. وهو سلّم الوزارات العراقية 8.8 مليون دولار (لاحظ مليون لا بليون). أين ذهبت هذه الأموال؟»[5] ويسترسل الخازن: «الأرقام.. صادرة من مكتب المحاسبة الحكومي (الأمريكي الرسمي) وهي فضيحة أكبر من كل ما اتهمت به الأمم المتحدة». وفي مجال آخر يقول الخازن: هناك فضيحة «النفط مقابل الغذاء»..، وهناك فضيحة موضوعها شركة هاليبرتون التي ترأسها يوماً نائب الرئيس ديك تشيني والتي أعطيت أهم العقود في العراق»[6].

خامساً: جريمة الحصار وتداعياته

كان هدف الإدارة الأمريكية منذ البداية هو تركيع شعب العراق رغم دموع التماسيح التي ذرفتها كثيراً عليه بزعم أنه ليس لديها أي مشكلة مع الشعب وأن مشكلتها مع الحكومة فقط!. إن الدليل على ذلك ليس فقط تدمير المنشآت المدنية من مرافق المياه والصرف الصحي والكهرباء، وليس فقط منع وتعطيل استيراد المواد الأساسية، بحجة الاستخدام المزدوج، من أدوية ومعدات صحية ومواد ضرورية لتنقية المياه وتطهيرها كالكلور والشبة وحتى المخدر الضروري والخيوط اللازمة للعمليات الجراحية. بل إن التقارير الرسمية هي الدليل الدامغ على ذلك، فتقرير مكتب المحاسبة الرسمي التابع للحكومة الأمريكية (US General Accounting Office) ، والصادر بتاريخ 20 نيسان/أبريل 1995، يحدد خمسة أهداف رئيسية للحصار أحدها «تحطيم إرادة السكان المدنيين» (Degrading the Will of the Civilian Population) [7].

وهناك تقرير آخر ربما أكبر خطورة، بل يعتبره البعض وثيقة إدانة بجرائم الحرب للإدارة الأمريكية، حيث يذكر التقرير أن العراق يعتمد على استيراد المواد اللازمة لتطهير المياه وسيحاول التحايل على الحصار المفروض عليه لاستيراد هذه المستلزمات الحيوية وفشله في ذلك سيؤدي إلى نقص في مياه الشرب النقية لأغلب المواطنين[8]. هذا قد يتسبب في زيادة حالات الأمراض وانتشارها كأوبئة وأن أمراض مثل الكوليرا والتيفوئيد والكبد الوبائي ستحدث. بينما اعتبرت لجنة العقوبات الكلور مادة ذات استخدام مزدوج يحظر استيرادها. لقد بات واضحاً تماماً أن نقص الغذاء وضعف صحة الأمهات وانتشار الدوسنتاريا بسبب تلوث المياه كانت الأسباب الرئيسية لموت مئات الألوف من أطفال العراق.

نحن لم نرَ لجنة مثل لجنة فولكر أتت للتحقيق في هذه الجريمة المشينة، ولكننا شاهدنا مادلين أولبرايت ممثلة الإدارة الأمريكية في منظمة الأمم المتحدة في البرنامج التلفزيوني «ستون دقيقة» التابع لسي بي إس، عندما سألتها المذيعة ليسلي ستول حول وفاة نصف مليون طفل عراقي بسبب الحصار، وهل أهداف الحصار تستحق هذا الثمن؟ فردت أولبرايت مقولتها المعروفة «نعم تستحق»!

سادساً: التوظيف السياسي تحت شعار إصلاح الأمم المتحدة

علينا أن نضع الأمور في إطارها الأكثر شمولاً وأن نتحدث عن المناخ السياسي العدواني الذي يحيط بهيئة الأمم المتحدة، خصوصاً من حيث تعامل الإدارة الأمريكية وبعض أعضاء الكونغرس والإعلام الأمريكي. وكذلك الدور الذي تريده الدولة الأعظم والقطب المهيمن الأوحد من هيئة الأمم المتحدة، كما لا بد أن نفهم ديناميكية العلاقة بين الإدارة الأمريكية والأمين العام.

في إطار ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، والجديد فيه هو انفراد الولايات المتحدة بالهيمنة الكونية والدور الثانوي للاتحاد الأوروبي، تلعب الأمم المتحدة دوراً معادياً لمصالح العالم العربي والعالم الثالث عموماً. فعلى سبيل المثال تراجعت الأمم المتحدة عن وصف الصهيونية بالعنصرية، وأضفت شرعية على الحصار المدمر للعراق الذي استمر أكثر من اثني عشر عاماً والذي قتل مئات الألوف من الشعب العراقي منهم حوالى نصف مليون طفل، بالإضافة إلى تلطيف صفة الاحتلال عبر قرار الأمم المتحدة الذي حوّل قوات الاحتلال إلى قوات «متعددة الجنسية».

وكما ذكرت د. سهير مرسي في إطار ندوة حول العراق وانهيار القانون الدولي (عُقدت في 11 كانون الثاني/يناير 2005 في نقابة الصحافيين بالقاهرة وشارك فيها دينس هاليداي السكرتير المساعد لهيئة الأمم المتحدة والمنسق العام لبرنامج النفط مقابل الغذاء في العراق سابقاً):

«بينما لم يجئ من هذه المؤسسة الدولية قرار بانسحاب قوات الاحتلال الأمريكية من العراق، أصدر مجلس الأمن قراراً بانسحاب قوات دولة عربية من دولة عربية أخرى أي القوات السورية من لبنان، وأيضاً بإنهاء نشاط المقاومة. وبالنسبة لفلسطين لا ننسى كيف خضع كوفي أنان للضغوط الأمريكية بعدم إرسال لجنة تقصي الحقائق للبحث في مجزرة جنين، كما لا ننسى مساعدة منظمة مراقبة حقوق الإنسان (Human Rights Watch) بإعلانها في 3 أيار/مايو 2002 عدم حدوث مجزرة في جنين. ثم اعتراف كوفي أنان المتأخر بعدم شرعية الحرب».

إن التحولات التي تمت في وكالات وبرامج الأمم المتحدة مؤخراً تساهم بطريقة أو أخرى في ما وصفه جون بيلغر ( (John Pilger بـ«أمركة الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية»[9]. فقد لعبت الولايات المتحدة دوراً محورياً في حصار الأمم المتحدة وتطويعها لخدمة المطامع الإمبراطورية وليس فقط بالنسبة إلى الوطن العربي. فقد عملت الإدارة الأمريكية الحالية والسابقة بل والأسبق على ترويض وكالات الأمم المتحدة مثل اليونيسكو، وكذلك نجحت الولايات المتحدة في تدمير مؤسسات عالمية أخرى مثل مركز الأمم المتحدة للشركات المتعددة الجنسية (UN Center on Transnational Corporations) الذي كان يسعى إلى حماية الدول الضعيفة من نهب الشركات العالمية العملاقة واستبدلته بالمجلس التجاري للتنمية المستدامة (Business Council for Sustainable Development) .

وفي عام 1999 أقام كوفي أنان المنتدى التجاري الإنساني (Business Humanitarian Forum) تحت رئاسة المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة، بالاشتراك مع رئيس شركة (UNOCAL) المشهورة كطرف في حثّ الإدارة الأمريكية على تغيير الحكم في أفغانستان بما يتناسب مع المصالح البترولية في أواخر التسعينيات.

وبنفوذها وهيمنتها أخضعت الولايات المتحدة هيئة الصحة العالمية (WHO) لإملاءات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بواسطة مفوضية جديدة معنية باقتصاد الصحة (Commission on Microeconomics and Health) برئاسة رجل الاقتصاد الرأسمالي المشهور جفري ساكس (Jeffrey Sacks) . وهكذا أصبحت هيئة الصحة العالمية معرّضة لتعلّم لغة البنك الدولي بعد مرور ما يقرب من ربع قرن على «إعلان الما آتا» تحت شعار «الصحة للجميع».

ورغم أن كل ما سبق يوضح كيف أن الإدارة الأمريكية نجحت بدرجة كبيرة في إخضاع الأمم المتحدة لإملاءاتها، فإن هذا لم يمنعها من مواصلة سياساتها العدائية تجاه الأمم المتحدة، وذلك لغضبها من بعض مواقف الأمين العام، خصوصاً اعتباره أن الحرب على العراق عمل غير شرعي. لذا، لا بد أن ندرك بوضوح أن القوة المهيمنة، خصوصاً إذا كانت إمبراطورية تسعى إلى إحكام قبضتها على العالم بما في ذلك الحرب والاحتلال المباشر (الصدمة والترويع)، وخصوصاً في ظل إدارة مثل المحافظين الجدد، فهي لا تقبل التردد أو اتخاذ مواقف غير متطابقة تماماً مع مصالحها. كما أن الاستمرار في الضغط والتشويه والابتزاز يؤدي إلى تحقيق مزيد من الأهداف المرجوة.

إن شعار إصلاح الأمم المتحدة كشعار الدمقرطة والإصلاح الذي يستخدم بكفاءة لتغيير نظم عربية أو على الأقل ابتزازها، وراءه مآرب أخرى وهي التوظيف الكامل للأمم المتحدة، وهذا هو بيت القصيد. ومن الواضح أن التغييرات الضرورية المقترحة «لإصلاح» الأمم المتحدة تشمل سحب سلطات الجمعية العامة لصالح السكرتير العام (سيختار سكرتيراً جديداً العام القادم)، وتعيين مجلس دائم لحقوق الإنسان وغيرها من المقترحات التي تمكّن الولايات المتحدة من السيطرة الكاملة على المنظمة، وتجنب أن يحرجها في المستقبل سكرتير عام باعتبار شنها الحرب على إحدى الدول الأعضاء غير شرعي، كما فعل أنان. أو بنشر تقرير مذابح لحليف استراتيجي كإسرائيل، كما فعل بطرس غالي بنشره تقرير قانا. كما أن ما يسمى بـ«أمركة» منظمة الأمم المتحدة ما هو إلا واحد من مظاهر التعبير عن الأسس والعلاقات البنيوية المرتبطة بالمرحلة الحالية للتطور الرأسمالي الكوني.

المصادر

[1]شبكة النبأ المعلوماتية، 10/8/2005،  <http://www.annabaa.org/nbanews/49/182.htm>

[2]الحياة ، 2/12/2004.

[3]جهاد الخازن، في: الحياة ، 17/12/2004.

[4] Counterpunch, 11/12/2004.

[5] الحياة ، 11/9/2005.

[6] الحياة ، 2/12/2004.

[7]{Cruise Missiles: Proven Capability Should Affect Aircraft and Force Structure Requirements,} US General Accounting Office, 20 April 1995 (no. GAO/NSIAD-95-116),

مركز دراسات الوحدة العربية

Previous post الخطوة الثانية في السلام بين مصر وإسرائيل هي خطوة كبيرة
Next post المعركة ضد التطرف: التقييم وطرق العلاج
%d مدونون معجبون بهذه: