مناهضة الشيوعية في سويسرا الصراع مع الشيطان القادم من الشرق

بقلم دافيد أوغستير

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_في سويسرا دارت رحى الحرب الباردة في العقول. حيث ساد الخوف من شيوعية الاتحاد السوفياتي، والتشكك إزاء كل من لا ينأى بنفسه بوضوح تام عنها، بل وصل الأمر إلى حد الخوف من أن يكون العدو كامناً بين أقرب الجيران، حيث يبث سمومه وينشرها.في نوفمبر من عام 1956 زحفت الدبابات السوفياتية إلى المجر، كي تخنق الإصلاحات الديمقراطية في مهدها. ومن ثمَّ نزح مئات الآلاف ـ والكثير منهم توجهوا نحو سويسرا كذلك. إذ استُقبل اللاجئون المجريون، الذين لم يُرَوا بمثل هذه الأعداد لا في الحرب العالمية الثانية ولا بعدها، بكل حفاوة. ذلك لأن المجريين لم يكونوا فقط أناس في أزمة بل كانوا إخوة وأخوات في الحرب ضد الشيوعية. ولكن في ذات الوقت كان الغضب ينصب على هؤلاء اللاجئين الذين يشك في تحالفهم مع الشيوعية الإمبريالية التي يمارسها الاتحاد السوفياتي. أما “حزب العمل” السويسري الشيوعي، فكان يتهم بأنه “حزب عميل للخارج”، وكان أعضاؤه قد اعتبروا أعداء الوطن في الداخل. وقد وقعت اعتداءات على محال البعض، وتم فصل البعض الآخر من العمل، بل وصل الأمر إلى الاعتداء الجسدي المباشر على فئة ثالثة.

رقصة قبلية 

جدير بالذكر أن الاستياء من الشيوعية يرجع إلى السياسة الخارجية العدوانية التي مارسها الاتحاد السوفياتي ذاته. ولم يوفق حزب العمل السويسري في النأي بنفسه عن الاشتراكية العنيفة التي سادت تحت حكم ستالين ـ ممَا أضعف الحزب في نهاية المطاف بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. إلا أن مناهضة الشيوعية في سويسرا فاقت حدود النقد الديمقراطي. لقد اتخذت شكلا أشبه بالطقس الديني للقبائل البدائية. إذ وصف الكاتب السويسري فريدريش دورنمات مناهضة الشيوعية إبان الحرب الباردة بأنها “الرقصة القبلية للسويسريين”.حيث كانت هذه الرقصة تمارس أمام الرأي العام: فبعد عام 1945 كانت سويسرا تعاني من العزلة ـ حيث أدى دورها المحايد أثناء الحرب إلى إثارة شكوك القوى المنتصرة إزائها. لذلك ما لبثت سويسرا الرسمية أن سارعت إلى الوقوف إلى جانب “العالم الحر”. وأتاحت الدعاية الصاخبة ضد الشيوعية فرصة لعدم حتمية التطرق بالحديث إلى دور سويسرا في الحرب العالمية الثانية. وقد كتب دورنمات في هذا الصدد: «لإننا لم نكن أبطال الحرب، فقد أردنا أن نصبح أبطال الحرب الباردة على الأقل».

غسيل الأدمغة ـ الخوف من شن الحرب النفسية 

لذلك كانت الشيوعية تعتبر أيضاً شيئاً شيطانياً، يجب أن يتم تخليص الناس منه، ذلك لأن العدو الشيوعي لا يمكن الإمساك به أبداً. وحتى وإن كانت موسكو وسيبيريا مواقع جغرافية، إلا أن العدو ظل مثل إبليس الذي لا يمكن الإمساك به، وهو ما يجعله موجوداً ومسيطراً بصورة مستمرة. وكان أحد سيناريوهات الخوف المنتشرة حينها ينبع من الاعتقاد بامتلاك الروس لتقنيات متقدمة، تمكنهم من اختراق عقول وأرواح البشر، لجعلهم بلا إرادة وبلا مقاومة. وفي «المجلة السويسرية»، والتي كانت واحدة من أكثر المجلات شعبية آنذاك، أوردت عام 1956 واقعة ستة من المنشقين الروس، الذين أفقدوا القدرة على الحركة، عن طريق حقنهم بأحد العقاقير. ومن ثمَّ أطاعوا الأمر بإلقاء أنفسهم من الشباك بلا تردد. وخلاصة المقال هي: «حيثما كان للروس يد في أي أمر، فلا يمكن أن يصبح أي شيء حينها غير معقول، بحيث لا يمكن تصور حدوثه!» 

إبقاء الشعب متيقظاً ـ ومراقبته 

لذلك فقد رأت بعض الجمعيات أن واجبها يتمثل في الدفاع عن الشعب أمام «القتل الرحيم» الذي تمارسه الدعاية السوفياتية المتسللة. فبعض الجماعات التي كانت تتولى أثناء الحرب العالمية الثانية مهمة الحشد النفسي ضد الفاشية، وجدت في الشيوعية مجالاً جديداً لعملها في أعقاب الحرب. ومن بين تلك الجماعات جماعة «خدمة التنوير السويسرية» والتي تأسست عام 1947 لتحل محل المنظمات الحكومية الدعائية، حيث لعبت تلك الجماعة الخاصة دوراً محورياً. وكان أعضاؤها يبذلون جهداً للتعريف بالمخاطر التي تحملها الشيوعية في طياتها ـ وذلك بإلقاء المحاضرات وإقامة الندوات، وكثيراً ما حدث ذلك بتمويل حكومي. وفي بداية ستينيات القرن الماضي كتب الناشر جان رودلف فون ساليس، أنه تسود آنذاك حالة من الخوف المرضي من الشيوعية: «هناك بعض الناس يتوجسون حتى من أية جماعة استهلاكية بريئة ولا يرونها سوى شبكة من المتآمرين البلاشفة». وقد كان النقاد يعتبرون في هذا السياق هم المحرضون المحتملون، الذين يحاولون القضاء على كيان الدولة من خلال طرق سرية. أما دعاة السلام فكانوا برأيهم يسعون إلى إضعاف القدرة القتالية للجيش السويسري. كما يمكن لكل مقالة صحفية أن تفت في روح القتال ضد الشر. فكل شيء على يسار الوسط السياسي كان يشك في قدرته على التغلغل إلى القوات المسلحة. بهذا استخدمت مناهضة الشيوعية كأداة ناجحة لتهميش النقد ضد الدولة والجيش والوطن. إن تلك النظرة التي تشيطن الشيوعية وكل ما يمكن أن يشابهها، قد أدت إلى تقارب بين سويسرا وبين بما يحدث في الأنظمة الشيوعية بصورة متزايدة، وهذا فيما يتعلق بأمر بعينه: ألا وهو المراقبة التامة. فبعد انتهاء الحرب الباردة انكشف للرأي العام السويسري، إلى أي مدى كانت أجهزة المخابرات والشرطة تسعى لتوثيق أي تغلغل سياسي محتمل ومراقبته. ومع إماطة اللثام عما حدث قبل عام 1989 اتضح أنه جرى توثيق السلوك السياسي اللافت لحوالي سبعمائة ألف شخص. ولم يقتصر هذا الاهتمام على الشيوعيين وحدهم، بل تعدَّاهم إلى كل من وجه النقد إلى مجتمع الأغلبية: مثل اليساريين من جميع الأطياف، ومناصري الحفاظ على فضيحة الوثائق البيئة، ودعاة التغيير، والنشطاء المدافعين عن العالم الثالث، وأنصار المرأة. لكن مناهضة الشيوعية لم تختفِ تماماً بانتهاء المعسكر الشرقي. فجمعيات مثل «برو ليبرتات» (أو من أجل التحرر) ـ والتي تأسست أيضاً عام 1957 ـ حاولت التموضع مجدداً في عالم غير منقسم. وبدلاً من الحديث عن الشيوعية، فقد أصبح شغلهم الشاغل هو «الانضباط السياسي». أو بدلاً من جدلهم حول الثورة العالمية القادمة، فإن نقدهم أصبح موجهاً لمنظمات دولية مثل الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوربي. وبذلك تبدل الخوف من المد الشيوعي بعد عام 1989، ليتحول مصدر القلق من موسكو إلى بروكسل.

SWI

شاهد أيضاً

كيف تحولت تركيا الى بوابة عبور المقاتلين الأجانب من أوروبا الى سوريا وبالعكس ؟

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_منذ انطلاقة  “الثورة السورية” عام 2011، وتركيا اصبحت بوابة عبور المقاتلين …

%d مدونون معجبون بهذه: