أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة » الأفلام الوثائقية.. حضور بصري جمالي لا يشبه غيره

الأفلام الوثائقية.. حضور بصري جمالي لا يشبه غيره

محمد جميل خضر

شبكة المدار الإعلامية الأوربية …_منذ فيلم (Nanook of the North) الذي أنتج عام 1922 ويصور رجلا من مدينة إينوك يدعى نانوك ونضاله هو وعائلته في القطب الشمالي الكندي، وسفرهم للبحث عن الطعام والتجارة في شبه جزيرة أونغافا شمال كيبيك في كندا، وحتى يومنا هذا، تحقق الأفلام الوثائقية بمختلف مسمياتها وأنواعها حضوراً بصرياً جمالياً تشويقياً معرفياً لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره.وعند أبواب المئوية الأولى منذ انطلاق عهد الوثائقي والتسجيلي في سياق تاريخ السينما، تسابقت خلال العشرين عاماً الماضية، جهات حكومية واستثمارية كثيرة نحو تخصيص قنوات تلفزيونية للأفلام الوثائقية فقط لا غير.وقد أنهت دزينة أعوامها الأولى، تتجلى الجزيرة الوثائقية بوصفها مساحة شغف لا ينفد.شغف قد يبدأ من متابعة سيرة عصفور ينقل الرحيق بين زهرتين، يحلق بجناحين مجنونين يخفقان 80 مرّة في الثانية الواحدة وينبض قلبه الصغير الذي بحجم حبة سمسم 450 دقة في الدقيقة، ولكنه حتماً لا ينتهي عند توثيق تاريخ القضية الفلسطينية كلّه، ومثله ملف لبنان وحربها الأهلية، وملف الجرائم السياسية بمختلف أسراره ودهاليزه وتشويقه ومآسيه. وملفات بالمئات عن الثورة التونسية، المصرية، السورية، الليبية، اليمنية ولا تنسى أحداً أو حرباً أو زهواً أو مأساة أو قضية منسية أو شعباً متوارياً أو حديقة باتعة “أجمل ثمانين حديقة في العالم” و”حدائق أوروبا” و”قصر الحمراء”. وهي في سياق متصل لا تنسى القلاع الشامخة ولا المساجد الرائعة ولا الكنائس والكاتدرائيات المدهشة

“تتجلى الجزيرة الوثائقية بوصفها مساحة شغف لا ينفد”

شغف الطيران: “أحلام العظماء” و”طائرة غيرت العالم” وأفلام أخرى كثيرة. شغف الموسيقى: “هذه الأوبرا لكم” و”موسيقى على الرصيف” و”فنانو الشوارع” و”محمد عبد الوهاب: صانع موسيقى العصر” و”الراي من النشأة إلى العالمية” وعشرات الأفلام الأخرى. شغف الفكر والمعرفة من خلال سلاسل ممتدة من الأفلام التي توثق سير فلاسفة وباحثين ومفكرين وعلماء ورواد وشعراء ونقاد ومبدعين ليس أولهم أفلاطون ولا آخرهم إدوارد سعيد خارج المكان وداخله.

إعادة تعريف مصطلح ثقافة الصورة

شغف الرياضة والسياحة والتاريخ ومعجزات العمارة والعجائب الخالدة التي أنجزتها حضارات بائدة. ففي الجزيرة الوثائقية وراء كل صورة حكاية، وفيها تنهض غزة على تموجات بحر أسير، وتلملم كما في فيلم “غزة حياة” جراحاتها وبقايا ركام برج الأظافر، وتبدأ حوارها اليومي مع البحر ومدارس البنات والتمارين الصباحية من أجل أمل يتجدد. تجهز القوارب، شباك الصيد، وتشرع في دوزنة إيقاع نهار جديد.
يستهل الفيلم مشواره البصري الإنساني بإلقاء نظرة شفيفة على يافطة مكتوب عليها: “غزة ترحب بكم”، ثم يقوم بجولة يرافق فيها الصغيرات، يلقي تحية الصباح على الصغار. يترك طيور الحبق تمارس حريتها القصوى. يعاين الأبنية التي يعاد إعمارها على عجل. يصعد نحو أبراج الناس، ولا ينسى أن يذرف دمعة على ركام برج الظافر.فهل تتصدى الجزيرة الوثائقية مستفيدة من مؤثراتها البصرية والسمعية، لمهمة تأمين مصادر بديلة للمعرفة؟ بحيث لا يبقى الكتاب هو المصدر الوحيد لها؟ هل تود، بمختلف ما تعرضه من إبهار ومشهديات وأفلام وشغف لا ينتهي، إعادة تعريف مصطلح ثقافة الصورة؟في إطار تعريفها عن نفسها، تقول الجزيرة الوثائقية إنها قناة “ثقافية متخصصة في عرض الأفلام الوثائقية”.
الجزيرة الوثائقية تعد حقاً الأولى من نوعها على مستوى العالم الناطق باللغة العربية، لأنها تنطلق من اهتمام أساسي قوامه “الإنسان وبيئته المعاشة والتفاعل الحاصل بينهما”.وهي تهدف، بحسب ما هو مكتوب على صفحتها الرسمية، لإشاعة “الثقافة التوثيقية في عالم اللغة العربية، وإلى رعاية مبدعيها وصانعيها وخلق صناعة وثائقية”. كما تسعى “لشراكة حقيقية مع روادها حول العالم. أملا في تحقيق إعلام وثائقي مختلف يخدم الإنسان وبيئته برؤية حضارية ذات رسالة وروح تنشر الأمل وتشيع ثقافة التواصل بين الشعوب والحضارات”.

تنهض غزة على تموجات بحر أسير، وتلملم كما في فيلم “غزة حياة” جراحاتها، وتبدأ حوارها اليومي مع البحر”

نسر يحلق لساعات دون أن يحرك جناحيه. نفق تحفره سلحفاة. طيور شقبانية تتخلص بأقدامها القوية من بركان نشط. تضع البيض عميقاً في الرماد البركاني الدافئ. اختلال التوازن الدقيق للمناخ. الاحتباس الحراري في المناطق القطبية. مأزق جرين لاند وتضاؤل المساحة الجليدية. الحيتان وحيدة القرن. خلجان البقاء. حيتان الأوركا ومجاميع الصيد القاتل. حيتان تقتل حيتانا. شمال كيبيك. دبب قطبية جائعة ومشوشة وغير بارعة في الصيد. بحر شديد الغيرة. مناطق مدارية. شعب يكافح للمحافظة على فكرة الوجود قريباً من جزر المحيط الهادئ. درجات الحرارة وحدود كوكبنا وأسلوب حياة بعض القبائل العتيقة. “فراعنة الاسكواش”. “امرأة البحر”. “مدائن صالح”. “عجلات الحرب”. “نكهات الحياة”. “التاريخ غير المروي للولايات المتحدة”. “أسطورة الصياد المجنون”. “كيف يصنع الطاغية”. “رجل العصابات الوسيم”. “جياد ناميبيا”. “ثلاثية الأندلس”. “كارل لاغرفيلد أيقونة الأزياء العالمية”. أول رئيس لجمهورية البوسنة والهرسك: سيرة علي. ثم يطلع صوت أحمد الشيخ: “المنافي ليست هي النهاية ولا المفاتيح المهاجرة ضرب من الأحلام. أفلام فلسطين: كل شيء من الماء إلى الماء”.عدسة حُرّة تقترح مفاهيم جديدة حول الحياة والسياسة وصراعات الإنسان من أجل البقاء والنهوض والكفاف.ثم تنتقل بنا الجزيرة الوثائقية إلى فيلم يروي تاريخ طائرة غيرت العالم، إنها دي سي 3، هذه الحرباء الجوية صاحبة التاريخ العريق الذي يزخر بالحكايا. صاحبة الألقاب الكثيرة: قاذفة الحلوى، التنين السحري، ذات الألف روح، نساء الأنقاض، هوليوود المفاخرة بأسرة النوم المريحة، الجدة: “استمري بالعطاء أيتها الجدة”.ثم فيلم آخر يحمل عنوان “عروس في الانتظار” عندما قررت مناضلات فلسطينيات أن يكرسن حياتهن للارتباط بأسرى على شكل عرائس تنتظر المعنى والمعنى فقط، فالأسرى المخطوبات لهم محكومون بأحكام يصل بعضها إلى مائة عام ومائتيّ عام. ثم فيلم آخر عن “عصفور الشمس الفلسطيني”.وأفلام “من وحي الشعوب”، وأخرى عن سلطان العارفين/ مولانا جلال الدين الرومي. حكايات العابرين. النهر الخالد/ محمد عبد الوهاب. “على الهامش” الذي يلقي ضوءاً على الفقر المدقع والجوع والغوص في وحشة القاع وعذاباته وعشوائياته في مصر المحروسة وعن ظاهرتي أطفال الشوارع والبلطجة وعن عدم ارتباط هاتين الظاهرتين حصراً بالأحياء العشوائية، وعن النظرة الجائرة النمطية المتأثرة بالسينما والإعلام حول سكان تلك الأحياء. القطيعة الموجعة بين سكان العشوائيات وباقي طبقات المجتمع الأحسن حالاً، وصولاً إلى حالة العداء بينهم وبين الآخرين.

ملفات بالمئات عن الثورة التونسية، المصرية، السورية، الليبية، اليمنية ولا تنسى أحداً أو حرباً أو زهواً أو مأساة أو قضية منسية أو شعباً متوارياً”

أما فلسطين فلها في وجدان الجزيرة الوثائقية مكانٌ أثير: رمكس فلسطين. الطريق إلى القدس. إسرائيل الانقسام على الذات. شارع الأنبياء. النكبة (أجزاء). فلسطين تحت المجهر (سلسلة). ثمن أوسلو. المجموعة رقم 9. الحكواتية. عروس في الانتظار. تحدي. الصندوق الأسود عملاء إسرائيل. نساء الأقصى. حواري القدس. الوحل/ حبائل الهوى. فلسطين/ عودة مشتاق. الآثار العثمانية في القدس. الكوفية أيقونة الثورة الفلسطينية. غريب في بلادي. كنيسة القيامة. الجريمة السياسية: غسان كنفاني وعلي حسن سلامة (الأمير الأحمر) وأبو جهاد وقائمة طويلة. تاريخ الصحافة العربية. حاضرة الزجل. يومياتي في المخيم. وعد بلفور. تغاريد عرس فلسطيني. رمضان في القدس. علم فلسطين. صورة العربي في الإعلام الإسرائيلي. شولا كوهين أخطر جاسوسة إسرائيلية. اقتلوه خارج دمشق. قتلة باسم الدولة/ الموساد. عز الدين القسام. السلطان عبد الحميد. عبد القادر الحسيني. شيخ المناضلين بهجت أبو غربية. رسائل الحسين مكماهون. أصبح عندي الآن بندقية. أرشيفهم وتاريخنا. الكتيبة الطلابية. المجتمعات الدينية/ اليهود الشرقيون. الشيخ أحمد ياسين. عن قرب اليهود العرب. الصعود نحو الشتات. يهود أصفهان. تجارة الموت. نبوخذ نصر. حكاية ثورة. 21 ساعة في ميونخ. أرض تحكي لغة المسيح. تل الزعتر/ خفايا المعركة. أحمد الشقيري. خارج المكان/ إدوارد سعيد. لفتا الصمود الأخير.ثم صوت أحمد الشيخ يصدح مرّة أخرى: “هنا فلسطين.. لا يزال صوت اليرغول صادحاً.. وأهازيج الطرب تعلو على صوت الحروب والحصار.. والأجيال تتعاقب لا تكف عن حب اللحن مع حب الوطن.. حرب، سلام ومقاومة.. لا تزال فلسطين تغني”.
ولا ينسى مرّات كثيرة أن يقول: “هنا فلسطين مبتدأ التاريخ ومكتمل الخبر.. إلى أن يقول: هنا فلسطين بيت جدي والحجر”.أما بخصوص المشي على الأقدام وأفلام الرحّالة والرحلات، فالجزيرة الوثائقية تفرد لهذا الموضوع المشوّق جداً، مساحة واسعة من الأفلام المنتجة من خلالها والإنتاج المشترك والأفلام العالمية: “أثيوبيا مشياً على الأقدام” و”إندونيسيا مشياً على الأقدام” و”على خطى الرحّال” و”المسافر” وأفلام أخرى كثيرة.ابني البكر المهندس حمزة، وخلال عتبي له أنه لم يقرأ بعد روايتي الأولى “يافا.. بوينس آيرس.. يافا” وهو الذي يقول عن نفسه إنه فلسطيني كحد السيف، وهو المنخرط بالفرع الأردني لحركة المقاطعة الدولية، يخبرني في إطار دفاعه عن نفسه لتقصيره بقراءة الرواية، أن الكتاب لا يستهويه وأنه يفشل بالتركيز فور فتحه دفتيّ كتاب، وأنه كوّن معارفه حول قضية شعبه، وأسّس وجهة نظره كاملة حول تاريخ فلسطين وحرب لبنان والثورة العربية الكبرى ومواضيع جذرية كبرى، من خلال أفلام الجزيرة الوثائقية. 

ضفة ثالثة

شاهد أيضاً

خطاب نسوي مفارق

شيرين أبو النجا شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_ما كان لجريمة قتل الشابة ذات الواحد والعشرين …

%d مدونون معجبون بهذه: