الرئيسية » كتاب المدار » اسراطينيات “عنزتان” الصفقة والمثلث

اسراطينيات “عنزتان” الصفقة والمثلث

جواد بولس

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_شاركتُ قبل ثلاثة أيام في ندوة عن “صفقة القرن” دعا إليها معهد “فان لير” الذي يعمل في القدس الغربية كمركز للدراسات المتقدمة والحوار الفكري العام؛ أبدى فيها كل واحد من المشاركين رأيه حول محورين أساسيين اقترحهما المنظمون كإطار عام لحصر النقاش ولنجاعته.
فكيف يجب أن تصنف الصفقة، وهل ستضاف قريبًا إلى ما سبقها من وثائق طواها الزمان؟ ورغم رفضها فلسطينيًا، هل ما زالت هنالك فرص لاستخراج ما هو جيّد منها؟ وهل تعكس هذه الوثيقة ميزان القوى العالمي بشكل حقيقي؟
ثم، ما هي السيناريوهات المتوقعة، إذا ما افترضنا أن الوثيقة أرست قواعد لعب جديدة؛ أهمها نسف إمكانية الحل على أساس الدولتين وفق جميع القرارات الدولية المعترف بها عالميًا؟
لا مجال للتطرق بالتفصيل إلى جميع محاور النقاش، الذي امتد طوال ثلاث ساعات، ولا إلى مادته الغنية؛ لكنني أرغب بمشاركة القراء العرب ببعض ملاحظاتي العامة عن كيف تناول المشاركون، وهم جزء من نخب المثقفين الإسرائيليين، هذه المسألة ومن أي منطلقات وهواجس؛ مع التأكيد على أن المنصة كانت مفتوحة لأي رأي وتحليل، دون أية ضوابط على حرية التعبير .
انشغل معظم المشاركين اليهود بتفكيك مضامين الوثيقة وبمحاولات لتفسير دوافعها وأهدافها، وتأكيدهم على متانة العلاقات بين الرئيس ترامب ورئيس الحكومة نتنياهو وما يمثلانه سياسيًا؛ ومع أنهم اختلفوا حول بعض التفاصيل والمفاهيم غير الجوهرية، تبين أنهم يتعايشون، بدرجات متفاوتة، مع مضامين الوثيقة ويعتبرونها بمثابة “الحدث المؤسس” في منطقتنا.
ولقد تقبلها بعضهم عن رضا وعن قناعة دفينة بجدواها، رغم ما أبدوه من “أسف” صوري على ما سببته من وجع للفلسطينيين؛ وبعضهم عبروا عن استيعابها على طريقة “المثقفين النخبويين” الذين يهادنون الريح إذا ما حركتها أمامهم آلهة لا ترحم ولا تسامح .
لم أتوقع غير ذلك، فإسرائيل اليوم تعيش في قوقعة مُحكمة تصهر جميع من في داخلها؛ تمامًا كما اتضح من أجواء هذه الندوة، التي كان من الممكن أن تكون مختلفة.
لقد تبين أن الأكثرية الساحقة من المشاركين ومن الجمهور لا يعترضون مبدئيًا على ما سمي مغالطةً “بالصفقة” ولم يعبروا عن أي تخوف من تبعاتها في المستقبل؛ وحتى عندما حاول أحدهم أن يبدو موضوعيًا وجدناه يمارس “أكاديميته” وفق دور “المستعمر المتنور” الذي يحترف إسداء المشورة، من عليائه، للفلسطينيين، وينصحهم كيف يجب أن يتعاملوا مع الحدث “بحكمة” ، إذ قد يستفيدون منه “بشيء ما ” في المستقبل !
كنت مشاغبًا على نحو ما ومستفزًا بقدر أكبر؛ فحاولت أن أقلب “عملتهم” إلى وجهها الإسرائيلي حين قلت: إننا نعرف لماذا على الفلسطينيين معارضة هذه الوثيقة/الصفقة ولماذا عليهم مقاطعة جميع تفاعلاتها وتداعياتها؛ لكنني، تساءلت، لا أعرف ما هو موقفكم الواضح إزاءها؟ أو لماذا سيعارضها المواطن الإسرائيلي المستفيد من دولته القوية ومما توفره له من رخاء ومن مستوى معيشة مريح ؟
الوثيقة هي تتويج لعمليات تتداعى في منطقتنا منذ سنين والاتفاق على إخراجها، في الوقت والمكان المحددين، جاء لأسباب فنية تخدم نجميها، ترامب ونتنياهو.
كانت تفاصيلها مختمرة منذ زمن، فبعد أن تفككت بنا معظم الدول العربية ودخلت أنظمتها في حيزات منظومات الحراسة الأمنية الإسرائيلية والأمريكية وتحت رحمتها؛ وبعد أن تناثرت المنظومة الإسلامية وتشظت شعوبها إلى ملل ونحل؛ وبعد أن استفحل الفراق بين الفلسطينيين وعظمت البغضاء وثبت نظام الإمارات وطلاق غزة وابتعادها عن حضن رام الله والقدس؛ وبعد أن راهنت القيادات الوطنية، لأكثر من عقدين، على دور أمريكا فقط وعلى نواياها، لم يعد هنالك موانع من تقطيع ما تبقى من الجسد الفلسطيني وسحقه تمامًا؛ فهذا ما تحاول هذه الوثيقة انجازه، وهي، بهذا المعنى، ليست اقل من صك استسلام يحاول “إمبراطور هذا العصر” إملاءه على الفلسطينيين المهزومين، تماما كما تعلمنا من تاريخ الهزائم والانتصارات في حروب الأمم.
سيبقى جديد هذه الوثيقة، إذا ما استبعدنا تفاصيلها المتعلقة بالحل الكراكوزي المقترح للفلسطينيين، في أنها أرست مبدأين خطيرين قد يفضيان قريبًا أو لاحقًا إلى نتائج وخيمة على المنطقة، بما في ذلك على إسرائيل وعلى مواطنيها العرب واليهود.
فاعتراف الإدارة الأمريكية بأن مرجعية الحق اليهودي في أرض إسرائيل تعود إلى وعد السماء كما جاء في التوراة، يقود عمليًا إلى تحويل الصراع في منطقتنا إلى صراع ديني فحسب، وكلنا نعرف ما هي مقاسات الصراعات الدينية وكيف مقيّض لها أن تنتهي أو ألا تنتهي !
وإصرار الإدارة الأمريكية على تحييد دور المواثيق والمنظمات الدولية، وشطب مكانة المجتمع الدولي وما أرسته الأمم من حقوق للشعوب وقواعد تحترم القيم الإنسانية العالمية، والانزلاق إلى اعتماد قاعدة واحدة تقر بحق القوة فقط، سيعيد، بشكل طبيعي وتلقائي، أصول الصراع إلى مربعها الأول، ولن يترك للفلسطينيين وللعرب إلا الانسحاب من جميع الاتفاقات وإلغاء ما كان مقبولا عليهم منذ العام 1948 وحتى يومنا هذا، وغير ذلك يعني قبولهم بالاستسلام .
تشير كل التوقعات إلى سيناريوهات مقلقة جدًا خاصة فيما يتعلق بمصيرنا، نحن، المواطنين العرب في إسرائيل. فمن المؤكد أننا سنكون من ضمن من سيدفعون فاتورة هذه الرؤى الجهنمية قريبًا وليس فقط لأننا حظينا “بلفتة” خبيثة في الوثيقة التي تبنت سياسة أبعادنا بداية من منطقة المثلث، بل لأن وجودنا يشكل لدعاة إسرائيل الكبرى اكبر عائق ملموس في وجه مشروعهم النهائي، وهذا سيستدعي، وفق سياساتهم الاقتلاعية، التخلص وتطهير الأرض منا.
سمعت تصفيقًا خافتًا في القاعة، عندما حضضتهم على أن يصحوا من سكرة عنجهيتهم وان يعودوا الى رشدهم . سألني أحد الحاضرين أن كنت لا اعتقد بأن إدخال فقرة المثلث لم تكن على طريقة تلك “العنزة” التي أدخلت إلى البيت كي تشغل بال أهله الفقراء عن مصائبهم الأخرى.
قلت له ربما تكون فكرته مسلية وجائزة ولكن ليس ونحن، هذه المرة، العنزة، فاليمين لن يتنازل عن أرض المثلث ولا عن أي ارض غيرها، ولذلك نحن نفهم أن المشروع برمته هو عملية طرد مقنّع باحبولة مكشوفة تبناها نظام عابث بقيم الإنسان والوطن وحكومة تعتبرنا في أحسن الأحوال ” اسراطينيين”.
عندما أراد الشاعر فرنسيس أن يحرق المغني فرنسيس
استمعنا بصوت الشاعر الغنائي اللبناني، نزار فرنسيس، وقرأنا على صفحته، كلامًا هابطًا لا يليق بمن يحترف صناعة الفرح ويحاول نحت الحروف تماثيل للجمال.
لا أعرف من غرر به ودفعه إلى ذلك المنزلق ؛ ولولا ما نكأه هجومه الحاقد من جروح عميقة في جسد قوم يقاومون من اجل بقائهم بكرامة على ارض أجدادهم ويدفعون عنهم، في نفس الوقت، مظالم “الأشقاء” وخناجر “أقرباء” يتعمدون معاملتهم “كاسراطينيين” – لما تطرقت إلى هذا الموضوع ولا أعرته أدنى اهتمام؛ ولا تناولت الجانب القانوني لمثل هذا التطاول ولا بأيّ حق يدّعى.
ستبقى الأبعاد الشخصية للأزمة ثانوية وعابرة؛ فالتطاول على الفنان المغني زهير فرنسيس لم ينل من مكانته اللافتة ولا من تقدير محبيه في البلاد وأبعد، ولن يضيره لو رضي عنه نزار أم لم يرضَ؛ ولكن أغاظني استسهال التهجم على فلسطيني”أسير” لا يستطيع مواجهة القذع بندّية متكافئة ومنصفة ولا أن يرد على من يهدده بالحرق ويغرقه بأوصاف يندى لها الجبين.
لقد شعر كثيرون مثلي بالاهانة من هذا الأسلوب المتعالي والمستفز فأحسسنا، مرة أخرى، كم انتم، في بلد الطوائف، بعيدون عن عروبتنا الأصيلة ألحقه، ومبتذلون في مشاعركم المغناة.
سيبقى زهير فرنسيس وجميع فنانينا ومبدعينا، أحفاد “أبي سلمى”، نقوش وشم على جبال الجليل، وستبقى أصواتهم خضرة على سفوح الكرمل لن تستطيع، مهما حاولت، أن “تعد وان تحرق أوراقها”.

الحوار المتمدن

شاهد أيضاً

كوفيد ١٩ والشبه مع برنامج “اكشن ت٤

إبراهيم عطا – كاتب فلسطيني شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_ما وجه الشبه بين فيروس كوفيد …

%d مدونون معجبون بهذه: