الرئيسية » كتاب المدار » المحددات السياسية للأعمال العسكرية: مصر-أثيوبيا أنموذجا

المحددات السياسية للأعمال العسكرية: مصر-أثيوبيا أنموذجا

حاتم الجوهرى

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_ما بين “كورونا” و”سد النهضة” و”صفقة القرن” و”عاصفة التنين” تصمد آمال المصريين في لحظة قاب قوسين أو أدنى، حيث لا تأتي المصائب فرادى والعظة سيد الموقف.. فيما يخص “سد النهضة” كمتغير ملح وعاجل قد يصل لنقطة حرجة لا يوجد بعدها عودة حيث لا ينفع الندم. لابد من القول أنه يجب للحشد السياسي والقوة الناعمة المصرية أن يصلا للذروة، قبل الانتقال للحديث عن التحرك العسكري والقوة الخشنة.أثيوبيا والمتن الغربي المتمثل في أمريكا/ ترامب والصهيونية يسعيان للضغط على مصر، وتأسيس “قواعد اشتباك” سياسية وعسكرية جديدة، من خلال الربط بين موضوع “سد النهضة” وبين مشروع “صفقة القرن” لتصفية القضية الفلسطينية.
الحشد الناعم بخطاب ثقافي/ حضاري محيط
مصر ما بعد ثورة يناير في لحظة مفصلية وخطر وجودي شديد وملح، يجب على مصر عرض وجهة نظر بديلة وخطاب ثقافي وحضاري، يؤكد على تجاوز أثيوبيا للأعراف والاتفاقات الدولية، ويجب على مصر وقواها الناعمة أن تعمل على عدة مستويات دولية متوازية، أولها مستوى الاتحاد الأفريقي وضرورة استعادة ما كسبته أثيوبيا من أرض محتملة هناك، وتقديم الأدلة والأسانيد التي تدعم وجهة النظر المصرية، وكذلك على المستوى الصيني والروسي والأسيوي وأمريكا اللاتينية، وعلى مستوى دول الهامش الغربي في أوربا بما أن المتن تمثله أمريكا.
سيناريو ما بعد الحشد
بعد أن تكون القوى الناعمة المصرية قد استكملت مهمة الحشد ضد أثيوبيا -التي تقوم الآن بحشد مضاد- وإذا لم تخضع أثيوبيا لصوت العقل، وأرادت الاستمرار في سياسة “حافة الهاوية” واختبار مدى جدية مصر، سيكون علينا الاستجابة للتحدي الأثيوبي المدعوم من المتن الغربي المتمثل في أمريكا والصهيونية العالمية، وحتمية اللجوء للقوة العسكرية قبل أن تنجح مخططات تنفيذ سياسة “الصنبور المتحرك” عند منبع النيل، ووضع مصر تحت الضغط الدائم لهيمنة المتن الغربي والصهيونية العالمية.
في هذا المقال أخص بالحديث “المحددات السياسية” للأعمال العسكرية المعاصرة، من خلال “تطبيق حالة” على الموقف المصري/ الأثيوبي، سيكون الهدف السياسي المعلن للعملية العسكرية حال فشل المساعي الدبلوماسية، هو ضبط رد الفعل الأثيوبي ووضعه في مكانه الحقيقي، والتأكيد على “قواعد الاشتباك” السياسية والعسكرية الحالية.
المُحدد السياسي الرئيسي
ضبط رد الفعل الأثيوبي عسكريا
سيكون أول المحددات السياسية، هو ضربة محدودة الأثر للسد تجبر أثيوبيا على الجلوس لمائدة المفاوضات، لكن مع تحجيم رد الفعل العسكري الأثيوبي، وهنا بيت القصيد، المحدد السياسي المطروح هو ضبط رد الفعل العسكري الأثيوبي مع ضربة عسكرية محدودة للسد لها أثر سياسي بشكل أساسي.
لكن – ونضع هنا عدة خطوط تحتها – الهدف السياسي المسمى “ضبط رد الفعل” الأثيوبي، هو مكمن المتغيرات ودور القوة الخشنة المصرية بجناحها الاستخباراتي والعملياتي، أقصد أنه ربما تكون أثيوبيا في حالة استعداد مضاد بفعل عسكري ما، هنا ليس التكليف السياسي للقوة المصرية الخشنة/ العسكرية، هو مجرد ضرب السد ضربة محدودة للجلوس على طاولة المفاوضات.
التكليف السياسي المهني والمحدد هنا هو ضرية محدودة الأثر مع “ضبط رد الفعل” المضاد وما يتطلبه ذلك، ربما يرى الفريق العسكرى المكلف سياسيا بتنفيذ العملية عدة أشياء أو أهداف أخرى لابد من إتمامها، لضبط رد الفعل الأثيوبي وللتأكيد على المكانة و”قواعد الاشتباك” السياسية والعسكرية بين البلدين.
كامل المسئولية عن “المُحدد”
هذا الفريق الذي سيضع تفاصيل العمل العسكري حال إصرار أثيوبيا على اختبار قوة رد الفعل المصري وفق سياسة “حافة الهاوية”، سيتحمل كامل المسئولية عن “المُحدد” المسمى “ضبط رد الفعل” العسكري الأثيوبي، وتوقع مساراته. إذا لم تكن لدينا الكفاءات العسكرية لتنفيذ “المحددات السياسية” لـ”الأعمال العسكرية” المعاصرة، فعلينا إذن أن نتوقع الأسوأ. “الأمن القومي” المصري في خطر شديد، السياسات العامة التي تم استخدامها في المجتمع المصري فيما بعد ثورة يناير العظيمة، تحركت كلها بمفاهيم “الأمن السياسي”، وتم العمل على “خلق النتاقضات” وإدراتها لتفكيك إمكانية “احتشاد قيمي”، وتكون كتلة جامعة تطالب بالإصلاح والتغيير مجددا..
الأمن القومي في مواجهة “إدارة التناقضات”
والأشد خطوة كان لجوء مفاهيم “الأمن السياسي” لاستراتيجيته الأسوأ، وهي إلى جانب “إدارة التناقضات” كانت “تجفيف موارد” المواطن المصري البسيط إنسانيا رغم خطورة ذلك بمعايير الأمن القومي، وهو ما تمثل في ضغط الدخل المادي كي ينشغل الإنسان دائما بحاله، ورفع سعر الانتقالات كي تضيق دائرة العلاقات والحركة، رفع سعر المساكن ليصبح حلم الزواج مستحيلا، تأليب الناس على بعض في أبسط الخدمات الحكومية عن طريق خلق التناقض في المصالح، بأن يتحول الكمساري مثلا للتجبر على الناس لأنهم ربطوا دخله بالتذكرة، أو أن يمنحوا سلطة التقدير الجزافي للفواتير الشهرية في الماء والكهرباء والغاز للموظفين، وإما قبلت الناس تجبر موظفي تلك الخدمات أو قطعوها عنهم.
ضرورة دعم “المجهود الشعبي”
كمحدد “هامش” لمتن مُنتظر
أثر سياسات “الأمن السياسي” طوال العشر سنوات السابقة على “الأمن القومي” المصري حاليا، أنه استنفد ما يمكن تسميته بـ “المجهود الشعبي” أو رصيد “الموارد الأهلية” عند الناس الممكن لهم اللجوء إليها والتكافل الذاتي، لعبور الأزمات. حاليا تواجه مصر جائحة “فيرس كورونا”، بعدما استنزفت سياسات “الأمن السياسي” الناس وجعلت “المجهود الشعبي” في أدني درجاته.
وهو ما يتطلب أن تستعيد مفاهيم “الأمن القومي” مكانتها، في ضبط السياسات العامة للبلاد في هذه الفترة الحرجة، وأقصد بذلك “تمكين” الناس على المستوى الاقتصادي والسكني ومجال الأعمال عموما، أهمية ذلك للأمن القومي هو وجود مصر في حالة استهداف و “حرب محتملة” بما يستدعي دعم “المجهود الشعبي” وقدرته الذاتية علي مواجهة الأزمات، وحتى من خلال التكافل الذاتي المعروف تاريخيا عن المصريين.
ربما لا أكون مخطئا إذا قلت أنه يقبع على هامش “المحددات السياسية” للأعمال العسكرية في الدول و”أمنها القومي”، ضرورة دعم “المجهود الشعبي” والحرص على قدرته الذاتية لمواجهة الشدائد والصعاب، كذلك أيضا ضرورة تفعيل موارد القوة الناعمة لمصر الكامنة في مخزونها ورصيدها الثقافي الحقيقي الداعم لمفاهيم “الأمن القومي”.
خطورة استغلال “كورونا” لوصول أثيوبيا
لنقطة اللاعودة
ختاما “المحددات السياسية” للتكليفات العسكرية تشمل هدفا عاما له مجموعة من المتطلبات، هذه المتطلبات لابد للفريق العسكري من أن يحددها بوضوح لأنه سيتحمل مسئولية رد الفعل أمام الدولة المصرية التي يتعرض وجودها التاريخي الآن لخطر داهم وحقيقي بالفعل، ليس من جائحة “كورونا” وحده إنما لأن أثيوبيا قد تنتهز الفرصة وتسرع من أعمال تنفيذ السد، ووضع مصر أمام الأمر الواقع بالشروع في عملية حجز المياة خلف السد، ويكون الأمر قد وصل لنقطة اللا عودة، ساعتها لن ينفع العض على أصابع الندم، وتكون مصر قد دخلت مرحلة عظيمة من الاضمحلال في تاريخها القديم والمعاصر، غير مسبوقة بالمرة.

الحوار المتمدن

شاهد أيضاً

الاحتلال التركي الوشيك لليبيا

محمد علي المبروك خلف الله  شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_لم يكن من حظ كحظ الضبع …

%d مدونون معجبون بهذه: