الأنظمة التعليمية و تأخر النهوض في البلدان العربية: متى عُرف السبب بطُل العجب!

مريم الحسن

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_يتفق الباحثون و المراقبون على اعتبار التعليم من أهم مقومات النهوض الحضاري و الارتقاء الإنساني. و يرى البعض منهم أن النظام التعليمي يُمثل واحداً من ثلاثة أنظمة رئيسية لا يتحصل من دونها الازدهار في أية دولةٍ من الدول. بحيث أن النظام التعليمي يُمثل مع نظام الرعاية الصحية و نظام البنى التحتية المعيار الذي لا غنى عنه و المؤشر الذي لا بدّ منه للاستدلال عبره على مدى تطور و تقدم أي مجتمعٍ من المجتمعات. فمثلاً لو أردنا قياس مستوى الوعي الاجتماعي و الرفاه الاقتصادي و الارتقاء الحضاري في أي مجتمع كان, يكفينا أن نقيس مدى تطوّر هذه الأنظمة الثلاث فيه لنستشف عبرها واقع و حال الإنسان الذي يُديره و يعمره أو يعيش فيه.غير أننا لو تعمقنا في التحليل أكثر, و ذهبنا بالتدقيق إلى تفاصيل الأمور, لوجدنا أن نظامَي الرعاية الصحية و البنى التحتية لا يمكن أن يتحقق لهما التطور و التقدم من دون ارتباطهما بنظامٍ تعليميٍ جيد ومتطور وحديث يرعى تحقيق أهدافهما عبر إعداد و تأمين القوة البشرية العاملة المتخصصة و القائمة على تنفيذ و إنجاح خطتيهما, لذا, يمكننا القول بأن النظام التعليمي هو المؤشر الحقيقي في أية عملية استدلال و قياس من هذا النوع كونه يسبق في أولويته و أهميته أي نظام آخر يعتمد عليه أو يُعتبر انعكاساً له. و من هذا المنطلق يمكننا الحكم بأن النظام التعليمي هو الهيكل و العماد الأساس الذي عليه تقوم و تنهض الأمم , و بأنه الرافعة الرئيسية التي بها تنبني المجتمعات حتى تزدهر و تتقدم , و بأنه هو الأس والقاعدة التي عليها يُؤسَّس البناء الإنساني الذي بفكره و صنعته يُشيَّد الصرح الحضاري, و المؤشر الرئيس الذي يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار قبل أي نظام أخر متفرع عنه أو يُساهم معه في عملية التقدم و التطور .فلو دقّقنا و تسلسلنا في تعليل الأمور و أسبابها لاكتشفنا أن من دون عملية التعليم لا يمكن أن يتحقق التطوّر العلمي و التراكم المعرفي بين الأمم و الأجيال, و من دون نظام تعليمي متطور و متجدد و مُؤسَّس على حق الفرد بالتساؤل و التفكّر و النقد و البحث الحر في أي حقلٍ من الحقول العلوم الطبيعة و الفلسفية و الفكرية لا تتطور العلوم و المعارف و الأفكار, و من دون تطور العلوم و المعارف الأفكار لا تتطور التقنيات و الوسائل و المؤسسات و الحرف , و من دون تطور التقنيات و الوسائل و المؤسسات و الحرف لا يتحصل أي ازدهار اجتماعي أو اقتصادي, و من دون الازدهار الاجتماعي و الاقتصادي لا تتحقق شروط التقدم و الارتقاء الحضاري.و عليه, فإن المجتمعات إذا ما تخلّفت عن ركب التطوّر المعرفي ستقع حكماً في فخ الركود الإنتاجي و التقهقر الاجتماعي و الاعتماد الاقتصادي على منتجات و تقنيات الغير و ستتحول بالتالي إلى مجتمعات مستهلكة (حتى لو امتلكت مقدرات هائلة من الثروات الطبيعية) , و حين تتحول المجتمعات إلى مجتمعات مستهلكة غير منتجة تفقد مناعتها الذاتية و مقومات بقائها و صمودها الحضاري بين الأمم, و تصبح عرضة لكل أنواع الغرو الممكنة : بدءاً من الغزو الثقافي وصولاً إلى الغرو الاقتصادي الذي يُعتبر العتبة التي منها يتسلل وحش الخضوع السياسي لسلطة الأنظمة الأكثر تقدماً مع كل ما يمثله هذا الخضوع من تحكمٍ اجتماعي و سياسي في شؤونها الداخلية لينتهي بها المطاف إما بين براثن التبعية للغير و عدم الاستقلال التام, و إما في فخ الاحتلال أو الاستعمار الذَين غالباً ما تُساهم المجتمعات المتأخرة في استجلابهما عليها جرّاء خمولها و عزوفها عن تحصين نفسها بالتجدد الفكري و التطور العلمي و الابتكار التقني و الصناعي. لكن و على الرغم من كل ما يمثله التعليم من ثقل و دور في عمليات الصمود و النهوض و التطور الحضاري , إلا أن هذا الثقل لا يُمكن له أن يُحقّق حضوره و يتم إنجاح أدواره ما لم يتم تبنيه حكوماتياً و تنظيمه مؤسساتياً و ترسيخه ثقافياً في المجتمع كثقافة وطنية جامعة يتبنّاها كل فرد كجزء من عاداته و تقاليده. و هذا أمرٌ لا يتحصل من دون تسويقه إعلامياً بشكل ثابت و مُكثف للتشجيع عليه ولتكريسه في وعي كل فرد كواجب وطني و حقٍ مجّاني. كما أن نجاح أداء النظام التعليمي يقتضي تحصينه بخطة استراتيجية حكومية سلسلة و مرنة و طويلة الأمد, تنظّمه و ترعاه و تراقب عثراته و نقاط ضعفه, لتعبّد له الطريق أمام إتمام مهام, من خلال الإنفاق المادي الجزيل عليه, و إيكال إدارته إلى طاقم بشري مُتخصص و نزيه, دائم التجدد و التعلم و التدرب , و لذلك لتحديث محتواه المعرفي بشكل مستمر و دوري, و بناء مناهجه وفق مخطط تعليمي موحّد يكرّس البحث العلمي النظري و التجريبي, و يُشجع عليهما في مختلف الميادين الحياتية و الاجتماعية و في كافة التخصصات العلمية و الفكرية من دون استثناء.  و من هنا نجد أن أكثر الدول تقدماً و تطوراً هي تلك الدول التي تولي نظامها التعليمي اهتماماً بارزاً يُراعي فيه معظم التدابير الواردة أعلاه كونها ترى في هذا النظام القائم على الاستثمار في الإنسان و في وعيه و قدراته, عماد بنائها و ازدهارها, و سبب منعتها و تقدمها, و حصانها الرابح, الذي عليه تراهن لتحسين مستقبلها, و به تنافس و تباري باقي الأمم, فلو قارنا مثلاً بين مقدار إنفاق الدول المتقدمة على النظام التعليمي و على البحث العلمي, و بين مقدار إنفاق الدول المتأخرة عليهما, لوجدنا أن الفرق بين القيمتين لافت, و البون بين الفريقين شاسع, و هذا الفرق يُعد المؤشر الدال على أسباب تقدم من تقدم من مجتمعات و أسباب من تأخر منها, و من بينها مجتمعات الدول العربية .فبحسب آخر الدراسات و الإحصائيات المتخصصة في هذا المجال مازال مجمل إنفاق الدول العربية على التعليم لا يتجاوز عتبة الاثنين بالمئة, كما أن أيَّ من الجامعات العربية لم يتسنى لها الوصول بعد إلى مستوى يؤهلها لتكون من بين أفضل مئة جامعة في العالم, إلا أن أكثر ما يُلفت النظر في أرقام هذه الدراسات ما أظهرته عن نسبة انتشار الأمية في البلدان العربية و عن مدى تفشي ظاهرة عمالة الأطفال فيها, لا سيما على وقع الحروب التي ساهمت في تفاقمهما و انتشارهما, و عن عدم ثقة المواطن العربي بأنظمة بلدانه التعليمية, لا سيما النظام التعليمي الرسمي, و عن اضطراره إلى دفع الرشى للحصول على مستوى تعليميٍ جيد, و اضطراره إلى اللجوء إلى المدارس الخاصة غير الحكومية للحصول عليه4. عند التأمل في معطيات هذا الواقع المزري للوضع التعليمي في البلدان العربية يبطل عجب المراقب السائل عن سبب تأخر مجتمعات هذه البلدان و عن سبب انتشار الفوضى و الفساد فيها و عن أسباب تدهور أوضاع إنسانها الاجتماعية, فالدول التي لا تستثمر في إنسانها و تجعل منه أولية في سُلّم اهتماماتها و من أبسط حقوقه الإنسانية واجباً وطنياً أولاً تعمل على تحقيقه لا سيما حقه في الحصول على تعليمٍ حكوميٍ إلزامي ممتاز و مجاني و المُشرعٍ بقوانين تفرضه بالقوة, و تحميه و تطوّره بشكل يتناغم مع متطلبات و حاجات تطوير مجتمعاتها, تسجن نفسها في حلقة مفرغة من التقهقر الاقتصاد, و الانحدار الاجتماعي, و التدهور الأخلاقي, و التأخر الحضاري, فتفقد بذلك ثقة مواطنها بها, و تُضعف كياناتها و مقومات صمودها, و تجعل من حدودها السيادية و حدودها الثقافية حدوداً هشّة قابلة للانهيار أو للتفكك, و عُرضة لكل أنواع الفوضى الاجتماعية و الانقلابات السياسية وصولاً حتى إلى مخاطر غزوها من الخارج. هذا الواقع المؤسف لحال التعليم في الوطن العربي هو ما دفعنا لاختياره كموضوع نبحث فيه, و هو ما سنعالجه وفق خطة نبدأها أولاً بتعريف بعض المصطلحات التي لها علاقة بالتعلّم و بالتعليم, لنتسلسل بالأمر لاحقاً من خلال عرض أهم الظواهر الناتجة عن تدهور أوضاع النُظم التعليمية في البلدان العربية, مع تفصيلٍ ظروفها و إشكالياتها و أسبابها, معتمدين في ذلك على معطيات بعض الدراسات التي أجرتها بعض المؤسسات البحثية المعنية في هذا الشأن.
تعريف المصطلحات المرتبطة بعملية التعليم
بين التربية و التعليم
ما معنى التعليم و هل هناك فرق بين التعلّم و التعليم و التربية؟ و ما معنى أمية و ما هي أشكالها؟ و ما علاقة الأميّة بكلٍ من التعليم و التربية ؟ للإجابة على هذه الأسئلة و استنتاج العلائق الرابطة بين كل من التعلم التعليم و التربية لا بد لنا بدايةً من تعريف هذه المصطلحات و الاستدلال عليها بالقواميس اللغوية لفهم معانيها الأصلية و الغاية من اصطلاحها, علماً أن آخر البحوث الفلسفية و النفسية و الاجتماعية المتخصصة في ميدان تعريف هذه العلوم ميّزت بينها جميعها , لا سيما بين عملية التعليم و عملية التربية, من حيث أن التربية هي عبارة عن علاقة ثنائية الأبعاد, قائمة على قُطبين اثنين واحدهما المُربّي و الثاني المُربّى, و هي عملية ذات دينامكية غير مباشرة, إذ أنها لا تقتضي الحضور الكلي لانتباه المتلقي, لأنها تسير بشكل بطيء و و تتغلغل بالمُربَى عن طريق المراقبة و التقليد, و تستمر حاضرة معه ما دام حياً . أما الغاية من عملية التربية, رغم تشابهها و تشابكها مع عملية التعليم, و تأثيرها عليها, و تأثّرها أيضاً بها كرد فعلٍ عليها على المدى الطويل , فإنها ليست هي نفسها غاية التعليم لأن العملية التعليمية تختلف عنها من حيث الشكل كونها علاقة ثلاثية الأبعاد قائمة على أركان ثلاث واحدهما المعلّم و ثانيهما المتعلّم وثالثهما المحتوى التعليم أو المعرفي.و على عكس ما هو الأمر عليه في عملية التربية, فإن الديناميكية في عملية التعليم هي ديناميكية مباشرة تقتضي حكماً الحضور الكلّي لانتباه الطرف المتلقي, و قبول هذا الأخير للعملية التعليمية بشكل العام, و هذا القبول هو ما تردفه به العملية التربوية إذا كان التعليم أحد اهدفها, إذ أن من تربي على حب التعلم و قبوله و الطموح إليه لن يلاقي عائقاً في لجم شتات انتباهه لسَوقِه حاضراً متأهباً في العملية التعليمية ليُساهم بدوره في إنجاحها, أما من تربّى على عدم الاهتمام بالعلم و بالمعارف و كان طموحه مأسوراً في نطاق أُطرِ أخرى بعيدة عنها فإن العملية التعليمية لن تُجدي معه نفعاً, و لن ينتقل له منها إلا القليل اليسير, حتى لو كان معلمه هو سقراط نفسه, و حتى لو هُيّئت له أفضل الأسباب. من هنا, فأن نشر ثقافة حب العلم و التعلم, مع تهيئة الأسباب لترسيخه كحاجة شخصية و اجتماعية ماسة, مع تسهيل سبل الوصول إليه, و التشجيع عليه, كلها عوامل تصب في خانة الغاية من عملية تربوية جماعية كبرى المسؤول الأول و الأخير عنها أرباب القيادة و الحكومات في الدول قبل الأب و الأم اللذَين قد يكونا ربما لسببٍ ما من الأسباب من ضحايا الأميّة التي ما زلت متفشية للأسف إلى حد يومنا هذا, و في أكثر من بلد و دولة, لاسيما في بلدان المنطقة العربية, بالرغم من بلوغنا القرن الواحد و العشرين و إقامتنا في عصر التطوّر التكنولوجي و الذكاء الاصطناعي .
تعريف التعلّم
في اللغة التعلّم هو مصدر مشتق من فعل : تعلّم تعلَّمَ و التعلَّم يعني الاكتساب. يُقال تعلّم الشي أي عرف حقيقته و وعاها (كتعلّم الأدب, و تعلّم العلوم) وأتقنه ( كتعلَّم القيادةَ أو فنونَ القتال ). أما في الاصطلاح فهو يعني : تعديلٌ دائم للسلوك من خلال الخبرة و نشاطٌ ذاتي يكتسب المرء من خلاله المهارات و المعارف. بمعنى أنه سلسلة من التغيرات الدائمة في سلوك الإنسان الناتجة عن التدرب و اكتساب الخبرات
تعريف التعليم
في اللغة التعليم هو مصدر مشتق من فعل : علّم. علَّمَ  يعلِّم ، تعليمًا ، فهو مُعلِّم ، والمفعول مُعلَّم . يُقال علَّمه القراءةَ أي جعله يعرفها ، فهَّمه إيّاها. و يقال علَّمه الرِّمايةَ أي درَّبه عليها. و التعليم في الاصطلاح يعني نقل المعارف و الخبرات من شخص يعرفها و يملكها و ذي خبرة إلى شخص آخر بسيط أو ساذج لا يعرفها و لا يملكها. إذاً التعليم هو عملية تواصلية يتم من خلالها مساعدة شخص آخر على تعلم المعارف و إتقان الفنون و اكتساب المهارات. أما تعريف منظمة اليونسكو للتعليم فجاء كما التالي : “هو نشاطٌ مُنظمٌ و مُتصل، مصممٌ بهدف توصيلِ مزيجٍ من المعارف والمهارات والمفاهيم ذات القيمة حول جميع الأنشطة في الحياة”
تعريف التربية
في اللغة التربية هي مصدر مشتق من فعل : رَبَّى و هو يتضمن مفهوم الزيادة و الإنماء و الإكثار يُقال ربى الشيء أي نماه و زاده ربَّى الشَّخصُ المالَ أي نمّاه و زاده,  ربَّى تجارتَه : أي كبّرها و وسّعها. و من هذا الفعل اشتُقت كلمة رابية و هي الأرض المرتفعة. و يُقال ربّى الولد أي نشّأه و حضنه لينمو و يربو بمعنى أنه غذّاه و هذّبه و نمّى قواه الجسميّة والعقليّة والخلقيّة حتى تبلغ كمالها. أما في الاصطلاح فالتربية هي عملية اجتماعية الهدف منها دمج الفرد في بيئته و بعادات مجتمعه و تقاليده و قيمه و أساليب كسب العيش فيه. و هي لا تقتصر على مرحلة عمرية معينة كونها دائمة و مستمرة و تتم عبر المجتمع ككل و ليس فقط عبر العائلة و المؤسسات التعليمية. أي أن التربية تستهدف تدريب الطفل و الراشد على حد سواء, و تعريفهما على عادات المجتمع و تقاليده و الأعراف التي تنظمه.
تعريف الأميّة
في اللغة الأميّ هو الذي لا يَكْتُبُ. و الأُمّيَّة هي مؤنث الأُمّيّ و هي مَصْدَر صَناعيّ ، معناه الغفلة أو الجَهالة أي عدم معرفة القراءة و الكتابة و بحسب م جاء في لسان العرب الأمّي هو لفظٌ مشتق من كلمة أُمّ : ” قال الزجّاج : الأُمِّيُّ الذي على خِلْقَة الأُمَّةِ, من لم يَتَعَلَّم الكِتاب فهو على جِبِلَّتِه ، وفي التنزيل العزيز : ومنهم أُمِّيُّون لا يَعلَمون الكتابَ إلاّ أَمَانِيَّ ؛ قال أَبو اسحق : معنى الأُمِّيّ المَنْسُوب إلى ما عليه جَبَلَتْه أُمُّه أي لا يَكتُبُ ، فهو في أَنه لا يَكتُب أُمِّيٌّ ، لأن الكِتابة هي مُكْتسَبَةٌ فكأَنه يُنسب إلى ما يُولد عليه أي على ما وَلَدَته أُمُّهُ علي ».أما في الاصطلاح , فيُلاحظ من تعدد التعريفات التي قدمتها منظمة اليونيسكو لمصطلح ” أمية” بأن مفهوم هذا المصطلح (أي أُميّ) هو مفهوم متحرك و غير ثابت و بأنه قابل للتبدل وللتطور وأيضاً للتوسّع في المعنى, و ذلك بحسب تبدل ظروف المجتمع الإنساني و تطوّره. إذ أن منظمة اليونيسكو قامت بتعريف مصطلح “أمية” تعريفاً تسلسل على ثلاثة مراحل تطور معها مدلول هذا المصطلح بشكل كبير و ملحوظ ليتلاءم و بالتدريج مع واقع و ظروف المجتمع الإنساني و مع تطوّر متطلبات العصر فيه. فأتي التعريف الأول بسيطاً مبسطاً و موافقاً لأغلب التعريفات البدائية الموضوعة له في قواميس اللغة , و هذا التعريف هو كما التالي : “يعتبر أميّاً كل شخص لا يجيد القراءة والكتابة ».غير أن الدراسات التي أجرتها المؤسسات البحثية المتخصصة في مكافحة الأمية أثبتت أن معيار معرفة القراءة و الكتابة من دون فهمٍ و إدراك لما يُقرأ و يُكتب هو معيار غير كافي و لا يحقق شرط إخراج المرء من حالة الأمية, لذا قامت منظمة اليونيسكو بعد تبنيها لمعطيات هذه الدراسات بتطوير تعريفها للأمية ليتطابق مع الواقع بتعريف جديد لغت به تعريفها الأول و ثبّتت معه معيار الفهم و الإدراك, شرطاً أساسياً لإخراج المرء من حالة الأمية, و ذلك جنباً إلى جنب مع شرط معرفة القراءة و الكتابة, فأتى التعريف الثاني كما التالي : « الشخص غير الأمي هو الشخص القادر على قراءة وكتابة وفهم نص بسيط وقصير يدور حول الوقائع ذات العلاقة المباشرة بحياته اليومية ».
و في سنة 1971 أعادت منظمة اليونيسكو تعديل تعريفها للأمية فوسّعت مدلوله بشكل أعمق و مفصل بما يتيح و يكفل لعملية محو الأمية, التي تقودها و تديرها المنظمة حول العالم, إنجاز مهامها بشكل أمثل ليس فقط بهدف تمكين الإنسان من القراءة و الكتابة فحسب, بل لتشجيعه أيضاً على الذهاب أبعد من ذلك, عن طريق ضمان حقه بتطوير ذاته, و بتحسين مستواه الإجتماعي, من خلال تعزيز قدراته الذهنية و الفكرية, و ذلك لمنحه فرصة أكبر للمشاركة الفاعلة في مجتمعات عصره, التي بات من أبرز سماتها التطور التكنولوجي السريع. لذا أتى نص تعريف اليونيسكو الثالث للأميّة كما التالي : « يعتبر ليس أمياً كل شخص اكتسب المعلومات والقدرات الضرورية لممارسة جميع النشاطات التي تكون فيها الألفبائية ضرورية لكي يلعب دوره بفعالية في جماعته، وحقق في تعلم القراءة والكتابة والحساب نتائج تسمح له بمتابعة توظيف هذه القدرات في خدمة نموه الشخصي ونمو الجماعة، كما يسمح له بالمشاركة الناشطة في حياة بلده”.
واقع التعليم الأساسي في البلدان العربية
تنص المادة 26 من شرعة حقوق الإنسان على أن : “لكل شخص الحق في التعليم، ويجب أن يكون التعليم في مراحله الأولى والأساسية على الأقل بالمجان، وان يكون التعليم الأولي إلزامياً، وينبغي ان يعمم التعليم الفني والمهني، وأن ييسر القبول للتعليم العالي على قدم المساواة التامة للجميع وعلى أساس الجدارة” .فهل هذا هو واقع التعليم الأساسي في البلدان العربية؟ أي إلزامي و مفروض بقوة القانون رغم رفض من يخالفه أو لا يراعي له قيمة؟ و مجّاني أي مؤمن و مجهّز بما يلزم و متاح لكل مواطن بشكل عادل وبالتساوي بين أفراد المجتمع على اختلاف طبقاتهم الإجتماعية و بين الريف و الحضر على حد سواء ؟ أجوبة هذه الأسئلة تمدنا بها إحصائيات الدراسات ومعطياتها بالدليل و بالأرقام. فماذا تقول أرقام الإحصائيات و معطيات الدراسات؟
ظاهرة تفشي الأميّة في المنطقة العربية
بحسب المنظمة العربية للتربية و الثقافة و العلوم (الألكسو) بلغت نسبة الأمية في مجمل الوطن العربي في سنة 2018 حوالي 76 مليون شخص، أي 21% من إجمالي عدد السكان البالغ 362 مليون شخص. وكانت قد بلغت النسبة في سنة 2005 حوالي 35% من إجمالي سكان المنطقة، لتعادل النسبة بذلك ضعف المتوسط العالمي في الأمية تقريبا أي 50% . وعلى الرغم من أن نسبة الأمية في الوطن العربي تشهد تناقصا مستمرا منذ سبعينيات القرن الماضي إلا أن أعداد الأميين نفسها لا زالت في ارتفاع, و لا زالت منظمة اليونسكو العالمية تصنف المنطقة العربية من أضعف مناطق العالم في مكافحة الأمية. و ما يعزز واقعية هذا التصنيف النسبة المرتفعة لأعداد الأميّين المقنعين في العالم العربي إذ يقدر عددهم بحوالي 20 مليون شخص، وإذا ما احتُسبوا من بين الأميين سيرفعون تعدادهم إلى 96 مليون أمي بدل 67 مليون أي ما يُعادل26.5% من عدد السكان. و”الأميّة المقنّعة” هي عدم القدرة على كتابة النصوص الجادة أو ملء الاستمارات الضرورية من دون مساعدة شخص آخر. و بالتالي يُقدر بأن محو الأمية في كامل العالم العربي لن يتحصل قبل عام 2050.
ظاهرة التسرب المدرسي
وفق إحصائيات المنظمة العربية للتربية و الثقافة و العلوم (الألكسو) لا تزال نسبة الأمية عند الإناث ضعفها عند الذكور, إذ تبلغ نسبة الأمية بين الذكور في الوطن العربي 25%، وبين الإناث 46%. أما بالنسبة للتسرب المدرسي فقد أفاد تقرير الرصد العالمي للتعليم في سنة 2011 بأن عدد الأطفال غير الملتحقين بالتعليم في البلاد العربية بلغ 6.188 مليون طفل .كما أن 7 إلى 20% من الأطفال الملتحقين بالفعل بالتعليم يهربون منه خلال المرحلة الدراسية الأولى، بل وتبلغ النسبة في بعض الدول العربية 30 %. و بحسب تقرير صدر عام 2015 عن أوضاع التعليم في المنطقة العربية، فإن عدد المنقطعين عن التعليم أو من يواجهون خطر التسرب من المدارس يُقدرون بحوالي 21 مليون طفل.
الأسباب الكامنة خلف انتشار هاتين الظاهرتَين
الأسباب المؤدية إلى إبطاء عملية مكافحة الأمية في البلدان العربية و تفشي ظاهرة التسرب المدرسي بين أبنائها لا سيما في مرحلة التعليم الأساسي, بحسب الدكتورة منى حسن دياب ,مديرة المناهج في المركز التربوي للبحوث و الإنماء- لبنان, مردّها إلى الظروف و العوامل التالية :
1. قصور السياسات و عشوائية التخطيط و عدم جدّية الحكومات العربية في تشريع إلزامية التعليم.
2. ارتفاع معدلات الهدر المالي في قطاع التعليم (الفساد) و قلة الأبنية المدرسية و ضعف التجهيزات.
3. ارتفاع ظاهرة الرسوب و التسرب المدرسي في التعليم الابتدائي نتيجة ضعف التعليم و عدم تطبيق حظر عمالة الأحداث (الأطفال ما دون سن السادسة عشر).
4. عدم عدالة توزيع الخدمات التعليمية بين الريف و الحضر.
5. عدم وظيفية المناهج التعليمية لربط المتعلّم بالتدريب المهني المنتج و ربط الأمية بنظام التعليم العام.
6. الفقر و التفاوت الحاد في مستوى الدخل بين الدول العربية.
7. عدم الاستقرار السياسي و الأمني في العديد من الدول العربية.
8. العادات و التقاليد, فبعض التقاليد الموروثة تحرم الإناث من التعليم و هذا نتيجة لعدم توافر الوعي الكافي خاصة لدى الآباء غير المتعلمين (و هذا ما يجعل من عملية مكافحة الأمية ضرورة إنسانية و وطنية ملحّة)
9. عدم وجود تعريف موحد و حديث للأمية, فما زال تعريف الأمية في الدول العربية متأرجح و غير ثابت.
ماذا عن ظاهرة عمالة الأطفال؟
بتكليف وتوصية من لجنة الطفولة العربية أُجريت دراسة بعنوان “عمل الأطفال في المنطقة العربية: تحليل كمّي ونوعي”. وبحسب ما جاء في هذه الدراسة فأن الأطفال في أجزاء من المنطقة العربية “يستدرجون بشكل متزايد إلى أسوأ أشكال عمل الأطفال ويتعرضون للاستغلال والاعتداء وسوء المعاملة وانتهاك الحقوق بشكل خطير ومقلق”. و قد أشارت الدراسة أيضاً إلى أن “الأطفال اللاجئين والمهجرين يعملون في أنشطة في شتى القطاعات، مع زيادة ملحوظة في العمل في الشوارع والسخرة والزواج المبكر والاستغلال الجنسي و التجاري. و مما ورد في الدراسة أيضاً أن “الأطفال الذكور يشكلون النسبة الأكبر من عمالة الأطفال. و حذّرت الدراسة من أنها لم تنجح تماماً باكتشاف أشكال خفية من عمالة الأطفال الفتيات، مثل العمل المنزلي والخدمات المنزلية غير المدفوعة الأجر, لا سيما في الشمال الإفريقي، وهذا برأيها يستحق المزيد من البحث والاستقصاء”

الأسباب الكامنة خلف تفشي ظاهرة عمالة الأطفال
أهم الأسباب هو ارتفاع نسب الفقر في بعض الدول خاصة في المناطق الريفية حيث يعجز الآباء عن تغطية مصاريف التحاق أبنائهم بالمدارس، فيستعيضون عن المدرسة بتعليمهم الحرف المهنية اليدوية و بتشغيلهم في سن مبكرة ليساهموا بتأمين المداخيل الإضافية. أيضاً من أسباب تفشي هذه الظاهرة .فقدان الأمن والاستقرار الناتج عن الصراعات والنزاعات المسلحة والحروب. فقد أدت النزاعات المسلحة إلى عدم قدرة الطلبة على الالتحاق مدارسهم أو إلى تدمير الأبنية المخصصة لاستقبالهم فيها .إذ جاء في تقرير صدر حديثاً عن صندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) أن نسبة 40 بالمئة من الأطفال في تسع دول عربية (من بينها سوريا و العراق و ليبيا و اليمن و السودان) هم خارج النظام التعليمي، وأن ما مجموعه تسعة آلاف مدرسة قد تعرضت للتدمير في هذه الدول المذكورة.
لكن و على الرغم من واقعية هذه الأسباب التي قد تبدو ربما شبه خارجة عن قدرة التحكم بها, يظل السبب الرئيسي الكامن خلف تفشي هذه الظاهرة غياب قانون واضح و صريح يمنع عمالة الأطفال منعاً باتاً, و يُجرم كل من يقوم بتشغيل أي طفل لم يتم سن السادسة عشر, جنباً إلى جنب مع سن قانون تشريعي يُلزم الآباء بإرسال أبنائهم إلى المدارس الحكومية المجانية, وذلك تحت طائلة الملاحقة القانونية, و يُلزم الحكومة بتأمين هذه المدارس لأبنائها من دون تحميل الآباء أي عبء مادي إضافي.
التعليم العالي و البحث العلمي في الدول العربية
بحسب معهد منظمة اليونيسكو للإحصاءات فإن مجموع إنفاق مجمل الدول العربية على التعليم حتى عام 2015 لم يتجاوز عتبة الــ 2,5% على التعليم بشكل عام و الــ 1% على البحث العلمي بشكل خاص. و مما جاء في تقرير لها نشرته حول تطوّر العلم و العلوم في العالم العربي فإن السبب الرئيسي الكامن خلف هذا التقشّف في الإنفاق على القطاع التعليمي في البلدان العربية مردّه أن «الصراعات السياسية الماثلة في المنطقة العربية أدت إلى خلق توجه نحو تعريف الأمن القومي وفق تعريفاتٍ عسكرية. ونتيجةً لذلك، يتم تخصيص الموارد للدفاع والميزانيات العسكرية، وليس لأنشطة البحث والتطوير التي يمكن أن تساعد في مواجهة الفقر والبطالة، وتآكل الرفاهية الإنسانية التي تستمر كوباء في المنطقة. فالدول صاحبة نسب الإنفاق العسكري الأعلى مقارنة إلى الناتج المحلي الإجمالي هي من دول الشرق الأوسط  ». كما لاحظ التقرير أن بعض الدول العربية «  تفقد حظوظها للتنمية والتقدم، و ذلك قد يكون إما لدوافع اقتصادية أو لظروف سياسية, بحيث أن العديد من الدول العربية تفتقر لأنظمة ابتكارية تعمل بصورة جيدة, ولإدارة واضحة, و لإطار عام للسياسة. وما يزيد التعقيد هو الفقر في البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي تعيق إمكانية الوصول إلى المعلومات والفرص لخلق المعرفة والثروة » و هذا ما يؤدي إلى نتيجة واحدة بحسب التقرير وهي. «  هروب الخبراء والباحثين من الدول التي أنفقت ملايين الأموال على تعليمهم »
كيف تُقيّم الشعوب العربية خدمة التعليم في بلدانها؟
في دراسة أجراها البارومتر العربي حول الفساد و تقييم الشعوب العربية للخدمات الرئيسية في بلدنها و من بينها خدمة التعليم, قدّر ما نسبته 42 % من المواطنين الذين جرى استصراحهم في إحدى عشر دولة عربية شملتها الدراسة ( مصر و ليبيا و الجزائر و المغرب و تونس في أفريقيا و العراق و الأردن و الكويت و لبنان و فلسطين و اليمن في آسيا) أن الخدمات الأساسية المقدّمة لهم سيئة بشكل عام, و أن الرشوة ضرورية للحصول على نوع أفضل من الخدمات, أما في ما يخص خدمة التعليم فقد كشفت الدراسة أن فقط ما نسبته 42 % من المستصرحين راضون عن خدمة التعليم في بلدانهم, فيما تحدّث 42 % منهم عن دفع رشوة للموظفين الحكوميين للحصول على خدمة تعليمية أفضل14. و قد احتل لبنان المركز الأول في هذه الدراسة من بين الدول التي تقول شعوبها بضرورة دفع الرشى للحصول على خدمات أساسية أفضل بنسبة بلغت 65 % و جاءت دولة الكويت في الترتيب الأخير بأدنى نسبة بلغت 13 %. الأرقام الواردة أعلاه هي فقط أرقام تعكس انطباع المواطن العربي عن واقع التعليم في بلدانه لكن ماذا تقول الدراسات الرسمية المتخصصة بتتبع مسار تطور التعليم و العلوم عن واقع النظم التعليمية في البلدان العربية؟
واقع أنظمة التعليم العالي في الدول العربية
مما جاء في تقرير اليونيسكو للعلوم الخاص بالدول العربية «  في معظم الدول العربية ، لا يُقَدِم نظام التعليم خريجين لديهم الحافز للإسهام في تحقيق اقتصاد أفضل لبلدانهم. كما أن مناهج التعليم العالي في أغلب الأحيان تكون مثقلة بالحقائق و مبنية على التلقين مع استخدام محدود لأدوات تكنولوجيا المعلومات و قلة التعليم بالممارسة, و هذا ما يجعل من هذه البيئة التعليمية بيئة تُحابي التعلم السلبي. كما أن تقييمات الامتحانات قائمة على قياس قدرة الطالب على استظهار المعرفة ومحتوى المنهج أكثر منها على قياس قدرة الطالب على تنمية المهارات التحليلية والإبداعية الضرورية للابتكار. »أما فيما يتعلق بتوافق المحتوى التعليمي مع حاجات سوق العمل و إسهامه في مكافحة ظاهرة تفشي البطالة فقد أشار التقرير إلى وجود تفاوت واضح بين المهارات التي تقدم للطالب في النظم التعليمية مقارنةً بتلك التي يطلبها سوق العمل. و هذا ما يؤجج البطالة بين خريجي التعليم فوق الثانوي، ويترك سوق العمل خالية من عمالة ماهرة فيها تنميها و تطوّرها لا سيما مع الفائض الزائد في أعداد الخريجين الجامعيين و ترويج صورة نمطية سيئة عن التعليم الفني وتحويل الطلاب المتعثرين إليه بدل الاعتراف بالدور الحيوي و المهم الذي يؤديه الفنيون المؤهلون في تنمية اقتصاد المعرفة-
واقع البحث العلمي
بالنسبة للبحث العلمي فقد كشف نفس التقرير عن أبرز المعوقات التي ما زالت تواجه الدول العربية في مجال البحث العلمي و من بينها : الافتقار لبؤرة تركيز في أولويات البحوث واستراتيجياته, و عدم كفاية التمويل لتحقيق أهداف البحوث, و قلة الوعي بأهمية البحوث العلمية الجيدة, و عدم كفاية التشبيك بين الباحثين, و محدودية جهود التعاون بين الدول بالإضافة إلى ظاهرة هجرة العقول منها. كما أشار التقرير أيضاً إلى أن الإحصاءات المتاحة بيّنت أن الحاجة ما برحت ملحّة لاستمرار الدعم الحكومي لتقوية البحث العلمي في الجامعات، و للتغلب على ضعف الروابط بين الجامعات و قطاع الصناعة، ولإعطاء خريجي الجامعات المهارات المهنية ومهارات ريادة الأعمال اللازمة لخلق نُظم ابتكار قومية ّفعالة.
واقع الجامعات العربية
غير أن أبرز ما لفت النظر في معطيات هذه الدراسة لا سيما في جانبها المتعلق بالبحث العلمي تقييمها لواقع الجامعات العلمية في المنطقة العربية, إذ خلصت إلى أن إن العديد من الجامعات العربية ليست جامعات بحثية و أن البحث العلمي لا يُمثل أولوية في معظمها, بدليل أن هناك الكثير من الطلاب وأعضاء هيئات التدريس لا يقومون بإجراء بحوث. و أن فقط القليل من أعضاء هيئات التدريس ينشرون أوراقاً بحثية في مجالات علمية محكّمة, و أنه من النادر أن يزيد الوقت الفعلي للأنشطة البحثية عند أعضاء هيئات التدريس في الجامعات الحكومية وفي أغلب الجامعات الخاصة عن 5 إلى10 % من إجمالي واجباتهم الأكاديمية، وذلك مقارنة بنسبة 35 إلى 50 % في الجامعات الأوروبية والأمريكية. و أرجعت تكريس هذا الواقع إلى أن البنود المرجعية للأستاذ الجامعي في المنطقة العربية لا تتضمن الأبحاث العلمية.
خاتمة
بناءً على ما تقدم و على ما عرضناه من معطياتٍ لدراساتٍ مهتمة بالشأن التعليمي في المنطقة العربية و بالنظر إلى أرقام الإحصائيات الرادفة لها, يتبين لنا أن واقع النظام التعليمي في المنطقة العربية ليس على ما يرام أو في أفضل حالاته. لا بل يمكننا القول أنه شبه متردي و لا يزال أمام حكومات الدول العربية المعنية به الكثير من العمل حتى يتحسن أداء هذا النظام, لتتحقق له القدرة على إتمام مهامه, و ليتفعل دوره بالشكل الأنجع و اللائق. و هذا أمرٌ ليس بالعسير و لا بالصعب إذا ما نظرت هذه الحكومات إلى المُواطن في مجتمعاتها نظرةً مسؤولة عادلة و ملتزمة, و قدّرت حقوقه الإنسانية تمام قدرها, وأوفته إياها, و استثمرت فيه باعتباره ثروة وطنية واعدة يجب الحفاظ عليها و تنميتها و تطويرها و ذلك بالإنفاق الجزيل على أمنه الاجتماعي, و بترقية وعيه بالتعليم الممتاز و المجاني, و بتدريب مهاراته وتبنيها و توظيفها , لصالح خدمة هذه الدول, للارتقاء بها ولصونها من أي اعتداء خارجي مهما كان شكله .إذ أن الأمن القومي الجاد الحقيقي و الحامي حقاً لا تتحقق شروطه الفاعلة بالإنفاق الجزيل فقط على التسلح أو بالاستثمار الاقتصادي في استراتيجيات استيراد المهارات و المنتجات التقنية و الصناعية من الخارج, بل بالاستثمار الذكي الجاد و المسؤول في إنسان هذه الدول, وفي دعمه بالعمل المتواصل على تثقيفه و تعليمه و تأهيله لإطلاق سراح روح الإبداع و الابتكار فيه, و هو أمر لا يُمكن له أن يتحصل من دون رفع القيود اللاجمة لحرية التفكر و التخيل و النقد البنّاء الهادف إلى أصلاح ما تردى و تقويم ما اعوج وتحديث ما صَلُح. و هذا أمرٌ هو أيضاً بالتالي لا يمكن له أن يتحقق من دون إعادة النظر في خطط التعليم بشكل عام, عبر تحديث المناهج فيها و وضع الاستراتيجيات المفيدة لتطويرها و الإنفاق الجزيل على نظامها وعلى كوادره, والترويج له و للعلوم و للمعارف عن طريق التربية الوطنية الشاملة و المُسوّقة إعلامياً بشكل دائم, وأخيراً العمل الحثيث و المتواصل للقضاء التام على الأمية بكل أشكالها, و في كل مناطقها, لاسيما في منطقة الوعي الذاتي و مناطق اللا وعي الرجعي .

الحوار المتمدن

5 thoughts on “الأنظمة التعليمية و تأخر النهوض في البلدان العربية: متى عُرف السبب بطُل العجب!

  1. 533500 198543Someone essentially assist to make severely posts I might state. That could be the quite 1st time I frequented your site page and so far? I surprised with the analysis you made to create this particular submit incredible. Magnificent task! 382467

  2. 482156 43666Howdy! This is my first comment here so I just wanted to give a quick shout out and say I really enjoy reading through your articles. Can you suggest any other blogs/websites/forums that go over the same subjects? Appreciate it! 88006

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Previous post التلاميذ إلى المدارس في النرويج
Next post الخطوات الحكومية لدعم العمال الفلسطينيين، عرض إعلامي أم خطوات فعالة؟
%d مدونون معجبون بهذه: