السبت. نوفمبر 28th, 2020

السيد نصر الدين السيد

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_في أوقات الأزمات تزدهر “نظرية المؤامرة” ويزداد عدد المعجبين بها كيف لا وهي تقدم رؤيتها على هيئة حكاية مسلية إبطالها كيانات غامضة تستثير خيال المتابعين. وفى المقابل تقدم “النظرة العلمية” نجاحاتها بشكل تقريري عبارات مصاغة بدقة لا يشوبها الغموض تدعمها أرقام ومنحنيات.
وبما أن كل من “نظرية المؤامرة” و”منظومة العلم” تدعي أن ما تقدمه هو الحقيقة دعونا نتعرف أولا على ما تعنيه الحقيقة من منظور العلم. فـ “المعرفة العلمية (الحقائق)”، المنتج الرئيسي لمنظومة العلم، هي تلك التي يُعَوَل عليها في فهم ما يدور حولنا من أحداث وفي اتخاذ القرارات المتعلقة بالتعامل معها. وطبقا لهذا المفهوم فإن “المعرفة العلمية هي الأفكار/الاعتقادات الصادقة والمبررة”.
وصدق الفكرة/الاعتقاد يعني ان ما جاء بها أما “يطابق” الواقع، أو “يتسق (عدم تناقضه)” مع الحقائق المستقرة، او بما يوفره من حلول ناجحة لمشاكل عملية. فالقول، على سبيل المثال، أن “رفاه مجتمع ما في تزايد مستمر” يظل مجرد رأي أو تصور مالم تؤكده إحصاءات دقيقة. في هذه الحالة يمكن القول أن ما جاءت به الفكرة “يتطابق” مع الواقع لذا فهي صادقة ومن ثم تصبح “حقيقة”. أما الفكرة القائلة بـ “تماثل مواصفات شبكة الطرق المحلية مثيلاتها العالمية” فهي بالضرورة غير صادقة لكونها غير متسقة مع الارتفاع المستمر في عدد حوادث الطرق. والقول بـ “إن إنشاء بنوك الفقراء يسهم في تنمية المجتمعات” هو قول صادق نظرا لان إنشاء مثل هذه البنوك يؤدي حل مشكلات الفقر في العديد من الدول.
وصدق الفكرة/ الاعتقاد وحده ليس كافيا لاعتبارها حقيقة علمية بل لا بد أن تكون “مُبَررَة”. والتبرير هنا، أو “متانة التبرير”، يعني طبيعة “البينات (الشواهد) “Evidences التي تدعمها، والتي من أهمها: “البينات الإمبريقية (الإحصائية)”، “البينات الشهادية” و “البينات الحكائية”. والنوع الأول من البينات، “البينات الإمبريقية (الإحصائية)”، هي تلك تنتجها الملاحظة المنهجية لظواهر الواقع والتحليل العلمي لهذه الملاحظات. أما “البينات الشهادية” فهي تلك التي تقوم شهادة الخبراء المعتمدين والموثوق بهم في مجال الفكرة. وتتوقف قوة هذه البينات على مدى الثقة في خبرة أصحاب هذه الشهادات. وآخر أنواع البينات، “البينات الحكائية”، هي مجرد حكايات، متعلقة بموضوع الفكرة المطروحة، يرويها الآحاد بالأصالة عن أنفسهم أو نقلا عن الآخرين (العنعنات). وفى الحقيقة لا يقدم النوع الأخير من البينات دعما قويا للفكرة نظرا لانتفاء صفة “التواتر” أو “التكرار” عنه. وهي الصفة الضروري توفرها في أي بينة لازمة لدعم الفكرة ولتحويلها إلى حقيقة.
والآن وبعد ان تزودنا بالأدوات الضرورية حان وقت النظر عن قرب لمفهوم “نظرية المؤامرة” وبالتحديد “نظرية المؤامرة البارانويدوية” Paranoid Conspiracy Theory (*) كمنهج لتفسير أسباب ما يقع في العالم من أحداث. ويقوم منهج التفسير القائم على مفهوم “نظرية المؤامرة” على مبدأ مفاده:
أن أي حدث رئيسي لابد وأن يكون وراءه كيان خفي، حكومة أو جماعة أو تنظيم، ذو نوايا خبيثة وحاقدة خطط له وعمل بطريقة سرية وماكرة على وقوعه. وهي عبارة لا توجد دلائل على “صدقها”.  ولا يأخذ هذا المنهج في اعتباره أي شواهد عملية بل ويتعمد تشويهها وتحريفها لتلائم ما يسعى إليه من تفسير. أي انه وهو بالطبع لا يلقى بالا لـ “متانة التبرير” في تحليل الشواهد. وتتبدى العناصر “البارانويدية” فيما تتبناه من أفكار من قبيل قوى خفية ظلامية ذات قدرات خارقة لها أجندات سرية تسعى لتحقيقها بأي ثمن وبأي أسلوب. ويعتقد أصحاب نظرية المؤامرة اعتقادا راسخا لا يتزعزع في صحة نظريتهم وبأنها فوق النقد وأن من لا يعتنقها هو غافل أو مخدوع على أحسن تقدير.
وللحديث بقية
(*) البارا نويا Paranoia هي مرض نفسي يتسم من يعاني منه من شكوك غير مبررة وغير عقلانية تجاه كل من يتعامل معه ويسيطر عليه الاعتقاد بأنهم يسعون للإضرار به بشكل أو آخر.

الحوار المتمدن