فيروس نقص المناعة النفسية و مأزق البحث عن اللقاح …

رجاء قيباش باحثة في علم الاجتماع . المغرب


جاي وينش :”الجروح والإصابات الوجدانية والتعب النفسي ،هي آلامُ تعيق الإنسان وتقعده ،مثل الجروح والإصابات الجسدية تماماً”

تُعَرَّفُ الصحة النفسية باعتبارها حالة سيكولوجية للفرد المتمتع بمستوى عاطفي وسلوكي متوازن، وحسب منظمة الصحة العالمية ،فإنها تعني الحياة التي تضمن الرفاهية والاستقلال والجدارة والكفاءة الذاتية. فالشخص الذي يعاني خلال مواقفه الحياتية المختلفة ، من حالة انفعالية سببها النزاع بين الرغبات المتنافرة و العجز عن إشباع الحاجات الوجدانية أو عدم السماح لرغبة ذاتية داخلية بالتعبير عن مكنوناتها شعوريا ، يجابه عدة عقبات ، لعل أبرزها تشنجات في علاقته مع الآخرين، وقد يعاني من خصاص على مستوى الاكتفاء الذاتي الاجتماعي ، نظرا لضآلة حس المسؤولية الشخصية في سلوكياته ، و هو ما يفضي إلى انحراف عن السياق ” الشرعي” للعلاقات الإنسانية ، فالجروح أو الإصابات الوجدانية ، آلام تعيق الإنسان تماماً مثل نظيراتها الجسدية، و الاعتراف بوجودها أنجع وسيلة لتجاوزها . و هذا ما ذهب إليه دستور المنظمة العالمية للصحة عبر تنصيصه على أن: “الصحة هي حالة من اكتمال السلامة بدنياً وعقلياً واجتماعياً، لا مجرّد انعدام المرض أو العجز”، مما يستدعي تفعيل استراتيجيات نفسية ، معرفية ، سلوكية و توظيف موارد نفسية و اجتماعية أساسية كلقاح ضد فيروس نقص المناعة النفسية لضمان الثبات السلوكي حتى لو كان لحظيا .

.
و انسجاما مع ما انصرمت الإشارة إليه ، الجسد يستجيب لنمط التفكير و يلغي كل الانشطارات الترابطية المصطنعة بين الصحتين النفسية و الجسدية ، علما أن البيئة الاجتماعية التي تحترم الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية و الاقتصادية والثقافية ،هي أيضاً ،من العوامل الأساسية لتعزيز الصحة النفسية و تمكين الناس من اعتماد أنماط حياة سليمة و استدامتها ، مع توطيد القدرة الجماعية والفردية على التفاعل و الاندماج ، رغم تنوع الفلسفات الاجتماعية واختلال نسبة “النمو الخلقي” الذي لا يمثل فقط الدراية بالقيم الثقافية ، بل أضحى يترجم التحولات التي تحدث في البنية الفكرية للفرد.
حري بنا ، و نحن نعيش في مجتمع يضع معيار القوة الاجتماعية على رأس أولوياته التنموية البشرية، و ينظر إلى الشريحة الاجتماعية المتحكمة بآليات التواصل الفعال على أنها “صفوة المجتمع” ،أن نطرح أسئلة هيكلية من ضمنها:
· هل يمكن اعتبار هذا المعيار مجرد أوهام كلاسيكية لا عقلانية ، أم أن المهارات اللفظية هي مجرد عقاقير نفسية مضادة للاحتقان الاجتماعي و الالتهابات التواصلية ؟
· و هل ما نلمسه من تناقضات سلوكية “كالسب و الشتم ” هو مخفف للآلام النفسية أم لغة عاطفية عنيفة تدمر العلاقات الإنسانية ؟
على النقيض من الاعتقاد السائد ، الذي مؤداه أن “السب و الشتم” من أمارات سوء التربية ، وهو السبب الرئيسي لجلطات اجتماعية يومية ، قد تودي بحياة العلاقات الانسانية إلى الهلاك إذا لم نسارع إلى إسعافها ، يُستفاد من التحليل السيكولوجي لشخصية و عاطفة و سلوك و إدراك الأفراد الذين يُغذون قاموسهم اللغوي بالكلمات النابية من خلال دراسة ل “ريتشارد ستيفنس”، تعود بداية إجرائها إلى سنة 2009، أن “السباب” كترويح نفسي و تفريغ عصبي ، يمكن أن يكون له تأثير على “تخفيف الألم النفسي”، و أن الشتائم تساعد على تقليل الشعور بالألم والتخفيف من حدة التوتر، و تلعب دور المسكن بنسبة قد تصل إلى 50%.
أيضا ، هناك مجموعة من الباحثين بكُلّيَتَي “ماريست” و “ماساجوستيس” بالولايات المتحدة الأمريكية، وجدوا أن الأشخاص المتوفر لديهم رصيد من الكلمات البذيئة يملكون معدلات ذكاء أعلى ، ومخزون أكبر من المفردات اللغوية ، و كذلك دراسة هولندية حديثة صدرت في “مجلة علم النفس وعلم الشخصية” الأمريكية ، بينت أن هناك علاقة قوية بين الشتم والصدق ، فعالم النفس ” فيلدمان” ، فرّق بين مسألة التلفظ بالشتائم والمصداقية والموثوقية، فمن وجهة النظر الأولى ، استخدام الألفاظ النابية هو كسر للأعراف الاجتماعية و من وجهة نظر أخرى ، من الممكن أن ترتبط الشتائم مع النزاهة والصدق في حالات معينة ، كما اتجهت الدكتورة «إيما بيرن» طبيبة الأعصاب، إلى أنه من المهم تعليم الطفل منذ الصغر معاني السباب والشتائم، وتأثيرها السلبي على الشخص المُتَلَقِّي أكثر من المُلقِي ، بدلًا من أن يتعلمها من محيطه الخارجي فيما بعد.
و يجب ألا يُفهم من هذا التحليل أعلاه ، أننا ندعو إلى تبني “السباب” كآلية تواصلية ، لكن حسبنا أن نثير النقاش حول الخصوصية الذاتية و الفردية في خضم التحولات القيمية التي يعيشها العالم اليوم ، فجهاز الكلام من أكثر الأجهزة التواصلية تطورا ، و هو حجر الزاوية في تنمية القدرة على نسج علاقات إنسانية ناجحة بعيدا عن التبارز الفكري و التصادم الاجتماعي ، و كلما أثرنا في أنفسنا الاهتمام بالآخرين ، و تعارفنا وفق مبدأ ” إيمرسون ” الذي يقول : ” كل شيء أقابله يتفوق علي في شيء ، و أنا أريد أن أتعلم منه الشيء ” ، سننجح إلى حد ما في الانعتاق من شرنقة المجال الشخصي و تحقيق الانفتاح على فكر الآخر .

رجاء قيباش / باحثة في علم الاجتماع / كاتبة / إعلامية / كوتش أسري و تربوي / مدربة معتمدة في التنمية الذاتية

Previous post أيام سوداء” لرياض وطار…..نبوءة سقوط رموز الفساد بالجزائر و تحرك الشارع الطامح للتغيير
Next post تفتيش عند العودة من السفر لبلجيكا
%d مدونون معجبون بهذه: