الرئيسية » كتاب المدار » هل يشهد العالم حرباً نووية جديدة ؟

هل يشهد العالم حرباً نووية جديدة ؟

رضي السماك

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_في مقال لي عن ذكرى مرور ثلاثة أرباع القرن على مأساة مدينة هيروشيما نهاية الحرب العالمية الثانية إثر إلقاء السلاح الجوي الأميركي عليها أول قنبلة نووية نهاية الحرب العالمية الثانية تناولت أخطر المحطات التاريخية التي مرت بها العلاقات بين القوتين النوويتين العظميين – الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي – طوال حقبة الحرب الباردة ، ومع ذلك فقد تمكنتا من تجاوز تلك المحطات بما يجنب العالم كارثة محرقة نووية عالمية . ولكن من مفارقات مجتمعنا الدولي المعاصر ؛ وبعد مرور 30 عاماً على انتهاء الحرب الباردة ، أنه بدلاً من أن يصبح العالم أكثر أمناً من مخاطر نشوب حرب نووية أضحى اليوم أكثر تهديداً بنشوبها في النظام الأحادي القطبية بقيادة الولايات المتحدة .
والحق فقد حذر محللون وباحثون ومسؤولون كبار من داخل الولايات المتحدة نفسها من مخاطر هذه الحرب مبكراً منذ أوائل العقد الماضي محملين مسؤولية بلادهم في تعاظم هذه المخاطر ، نذكر منهم على سبيل المثال -لا الحصر- وزير الدفاع الأميركي الشهير الأسبق روبرت مكنمارا ، ففي مقال له تحت عنوان ” واقتربت الساعة ” نُشر في مجلة “فورين بوليسي ” بتاريخ مايو أيار / يونيو حزيران 2005 أكّد أنه رغم انتهاء الحرب الباردة فإن السياسة النووية الأساسية للولايات المتحدة لم تتغير ، وأن تجريب إطلاق قصف نووي ضد قوة نووية سيكون انتحاراً ، أما ضد عدو غير نووي فغير ضروري عسكرياً ، ومقززاً اخلاقياً ، ولا يمكن الدفاع عنه سياسياً ؛ على حد تعبيره . يستطرد مكنمارا بوضوح مخيف أكثر صراحة : ” إن إعلان الحرب يتطلب تشريعاً من الكونجرس ، لكن إطلاق إبادة نووية جماعية يتطلب 20 دقيقة من النقاشات بين الرئيس ومستشاريه . ” . على أن نُذر الحرب النووية اليوم أكثر خطورةً من الوقت الذي حذّر مكنمارا من نشوبها قبل خمسة عشر عاماً ؛ إذا باتت تهدد سلام العالم في ظل بؤر التوتر الدولية المحتدمة والمنتشرة في مناطق عديدة من العالم ؛ ناهيك عن الحروب الاقليمية المشتعلة فعلاً ، لاسيما بعد وصول الرئيس الأميركي اليميني المتهور دونالد ترامب إلى البيت الأبيض منذ نحو أربع سنوات ، واستغلاله جائحة كورونا لتسميم الأوضاع الدولية دون أدنى ترو أو تبصر من مخاطر تصعيد المواجهة بين بلاده من جهة ، والصين وروسيا النوويتين من جهة اخرى ؛ دع عنك إيران التي هي على وشك الانضمام إلى النادي النووي وقبلها إسرائيل المنضمة فعلياً دون إعلان .
ولتوضيح الصورة التي كان عليها العالم خلال الحرب الباردة بين الدولتين الكبريين النوويتين واللتين كان يتشكل منهما النظام الدولي الثنائي القطبية لنقارن بوضعه الحالي ، حيث بات اندلاع أي حرب نووية ؛ ولو كانت إقليمية محدودة ، من شأنه أن يتحول إلى حريق نووي كوني ، بينما في زمن القوتين العظميين النوويتين وفي أشد أوار حربهما الباردة طوال ما يقرب من نصف قرن لم تعدما فرصاً للتعاون المشترك ومحاولة تهدئة بؤر التوتر في العالم التي لهما في مناطقها نفوذ ، ومن ثم العمل على تحقيق الإنفراج الدولي وتثبيت مبدأ التعايش السلمي بين الدول ذات الأنظمة الاجتماعية المختلفة ؛ حيث سعى الاتحاد السوفييتي من جانبه للعب الدور الأكبر بالتعاون مع القوى والشعوب المحبة للسلام في العالم والمناهضة لسباق التسلح النووي ؛ ذلك بأن الخسائر التي تكبدها الاتحاد السوفييتي في الحرب العالميةالأخيرة من أحد عوامل حرصه الشديد – بروح عالية المسؤولية لسلامة شعبه وشعوب العالم- على تفادي الصدام النووي مع الولايات المتحدة ، وكانت خسائر الاتحاد السوفييتي لا تضاهى في حجمها المهول بخسائر غريمته الولايات المتحدة التي خاضت كل الحروب التي شاركت فيها أو بادرت إليها خارج أراضيها منذ تأسيسها .
ففي السنوات الثلاث الأولى من الخمسينيات إبان الحرب الكورية أمكن تجنب المواجهة المسلحة بين الدولتين العظميين ، رغم ما لكلتيهما من تأثير ونفوذ لدى الكوريتين المتحاربتين . وفي العدوان الثلاثي 1956 الذي شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر كان لإنذار الاتحاد السوفييتي – بصفته دولة نووية – دوره الحاسم في تراجع العدوان واخماد بؤرة توتر شرق أوسطية مشتعلة ينذر استمرارها بأشد العواقب الوخيمة . وفي أوائل الستينيات – بعد سنوات قليلة من انتصار الثورة الكوبية- وازاء المخاطر الفعلية التي تحيط بهذه الثورة الوليدة من جانب الامبريالية الاميركية التي كانت تهدد بالتدخل لإحباطها من خلال قوى الثورة المضادة الي تحميها وتدعمها ؛ ما دفع صديقها الاتحاد السوفييتي إلى نصب صواريخ نووية في كوبا ، أي على أي مقربة شديدة من خاصرة الولايات المتحدة ؛ الأمر الذي أثار غضب الأخيرة الشديد مهددة موسكو بنزع هذه الصواريخ على الفور ، ولم تتردد عن قيام مقاتلاتها عن القيام بمناورات حول هذه الصواريخ والقاء قذائف استفزازية بالقرب منها . ولكن في النهاية انتصر صوت العقل بعدما كان العالم يحبس أنفاسه على حافة أخطر حفرة نووية حقيقية بعد محرقتي هيروشيما ونجازاكي النوويتين اللتين ارتكبتهما الامبريالية الأميركية في نهاية الحرب العالمية الثانية .
وفي عام 1963 وقعت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وبريطانيا معاهدة لحظر التجارب النووية في الجو والفضاء الكوني وتحت البحر . وفي العام نفسه تم تدشين الخط الساخن بين واشنطن وموسكو للتعامل مع الحالات المستجدة الخطيرة ازاء حدث يعنيهما في العالم . وفي عام 1968 وقعت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي مع دول اخرى معاهدة حظر انتشار السلاح النووي . وفي عام 1973 وقعت الدولتان النوويتان اتفاقية درء نشوب حرب نووية بينهما بين البلدين في هلسنكي المستجدة . وبالإضافة إلى الحالات والمواقف المشار إليها آنفاً التي شهدها عصر الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة والاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي ، ثمة حالات ومواقف عديدة من النزاعات والحروب أمكن تجنب الاقتراب من الحافة النووية خلال ستينيات وأوائل سبعينيات القرن الماضي ؛ كالحرب الهند الصينية ( ملحمة نضال الشعب الفيتنامي للتحرر من الهيمنة العسكرية الاميركية )، والنزاع الأسرائيلي – العربي الذي شهد اندلاع حربين بين الطرفين في عامي 1967 و 1973 ، وتوتر العلاقات بين القوتين العظميين جراء التدخلات الاميركية والسعودية في الشأن الأفغاني أوائل الثمانينيات على خلفية قيام نظام يساري عسكري في افغانستان ، والحروب التي شهدتها منطقة الخليج العربي خلال العقد نفسه ، وغيرها من المنازعات العديدة في العالم . حدثت كل تلك الأحداث على الرغم أنه منذ مطلع السبعينيات دخل القطبان النوويان في مرحلة جديدة من الانفراج الدولي وتخفيف حدة التوتر بينهما بدءاً من توقيع اتفاقيتي الحد من الاسلحة الاستراتيجية ؛ ومروراً باتفاقية الحد من الدرع الصاروخية وليس انتهاءً بتوقيع عدد من الاتفاقيات المماثلة خلال عهد جورباتشوف آخر رئيس سوفييتي مثل اتفاقية سالت 1 عام 1991 والتي تبعها سالت 2 عام 1993 غداة انهيار الاتحاد السوفييتي . ومن أبرز أمثلة التعاون في مجال الفضاء نشير على سبيل المثال لا الحصر إلى المركبة الفضائية السوفييتية ” سويوز ” التي التحمت مع المركبة الفضائية الاميركية ابولو عام 1975 كتعبير عن الرغبة المشتركة بين الطرفين في تخفيف حدة التوتر بينهما .
ومع ذلك لنقارن الوضع الذي كان عليه العالم في ظل الحرب الباردة زمن القطبية الثنائية بالحرب الباردة في زمن النظام العالمي الأحادي القطبية الذي تسعى الولايات المتحدة إلى فرضه من خلال نزوعها للهيمنة الكونية ! أليس سياساتها المتهورة وانفرادها بتقرير مصائر العالم بعيداً عن إشراك حتى حلفائها الغربيين دع عنك روسيا والصين يهدد سلام العالم بأسره ؟ أكثر من ذلك فأن الولايات المتحدة ما زالت متمسكة بمخزونها من العتاد النووي ؛ بل لاتتورع عن مضاعفته وتعزيزه . والحال ما كان يمنع الامبريالية الاميركية عن استخدام السلاح النووي لفرض هيمنتها الكونية لتحقيق مصالحها وجود دولتين نوويتين إشتراكيتين غريمتين لها ألا هما الاتحاد السوفييتي والصين فحسب ، بل ووجود تأثير لاصطفافات عالمية وقوى دولية لم تعد اليوم موجودة أو ضعف تأثيرها ، كحركات التحرر العالمية ، وتكتل دول عدم الاتحياز ، ومنظمات السلم العالمية ، واحتجاجات التسلح النووي الجماهيرية في اوروربا ؛ كالاحتجاج على نصب صواريخ بيرشينج وكروز النووية الاميركية في القارة الاوروبية خلال الثمانينيات . وكل مراكز القوى هذه في العالم لم تعد -للأسف – بنفس الفعالية التي كانت عليها في ثمانينيات القرن الماضي .
إن من يعتقد أن الولايات المتحدة لن تلجأ لاستخدام السلاح النووي بعد استخدامها له لإبادة سكان مدينتي هيروشيما ونجازاكي فهو واهم تماماً ، فالدولة التي لم تتورع عن استخدام هذا السلاح ثانيةً بعد ثلاثة أيام من استخدامه على المدينة الأولى رغم علمها بما لحقته القنبلة الأولى بسكان هيروشيما من فظائع وأهوال ؛ والدولة التي خططت لإعادة استخدام القنبلة النووية ثالثة في حال ما إذا رفضت اليابان الاستسلام حتى مع قصف المدينتين ؛ لن تتردد إذا ما لزم الأمر عن تجريبه ثالثةً في ظل الحرب الباردة الراهنة الأشد خطورةً . ولن يجبرها على التراجع عن مثل هذا الخيار الجهنمي الشيطاني الذي يهدد العالم إلا بإعادة تفعيل وبناء تحالفات قوى الخير والسلام والديمقراطية في العالم وتشديد ضغوطها في مواجهة قوى الشر والحرب التي تمثله سياسات الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين .

الحوار المتمدن

شاهد أيضاً

العالم العربي والعالم الثالث في ظل التآمر والازمات العالمية ….!!!!

زياد عبد الفتاح الاسدي شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_يشهد العالم في السنوات الاخيرة أزمات إقتصادية …

%d مدونون معجبون بهذه: