أوروبا إلى أين؟

جيف آرنولد

“إدراك الشعور الجيوسياسي هو القدرة على إدراك مجمل العوامل الجيوسياسية  في شكل واعٍ، مع فهم واضح لكل من موقفنا الشخصي والانتظام في هيكل تصوراتنا. إنه لا يعني فقط المواطنة ومجالا معينا من المعرفة المهنية … بل هو إشغال الذات بتوضيح موقفها الخاص وتحديد العلاقة مع الخريطة الجيوسياسية للعالم. هذا الموقف ليس جغرافيا ولا سياسيا، ولكنه اجتماعي  ثقافي، حضاري، يتعلق بالقيم، التي تمس الهوية الخاصة بالجيوسياسي. في بعض الحالات، يمكن أن تتغير، ولكن هذا التغيير هو تغيير جدي مثل تغيير انتساب المرء الديني أو تعديل جذري في الآراء السياسية “، الكسندر دوغين.
أوروبا تعيش في حالة أزمة عميقة. هذا واقع تتزايد فيه  بسرعة أعداد الناس العاديين والمحللين الذين وصلوا إلى  استنتاج ذلك وهذا  ليس منطقيا بالنسبة لهم فحسب، بل ويشعرون به في أعماق العقول والنفوس. شعوب القارة الأوروبية، ورثة اللاوعي من التقاليد الأوروبية، والصدمات، والصراعات، يرتجفون من الواقع، بعد قيلولة حالمة بـ “نهاية التاريخ” التي تظهر نفسها بسرعة وكأنها كابوس. مرة أخرى، ودون أي رائحة مبتذلة، هناك شبح يخيم على أوروبا. ومع ذلك، بدلا من موجة الثورات البرجوازية التي تهدد بإسقاط البقايا المتحللة من النظام التقليدي أو مسيرة الأعلام الحمراء التي تعلن تحقيق العدالة للجماهير التي صودرت من قبل الحملة الصليبية “الحرية من” ، هناك شبح جديد أعمق وأخطر ولا تحمد عقباه،  وما هو على المحك ليس تحول الوضع الأوربي على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، أو الروحي في مصلحة هذه الفئة أو تلك ، ولكن أيضا يهدد بنهاية أوروبا نفسها.
هذه المرة، وعلاوة على ذلك، فإن الظلام الذي يلف أوروبا ليس ظل ظلمها لنفسها، ولكن هو اليأس من الانتحار بمساعدة الغير، دفعه إلى الهاوية من قبل ذرية خونة أوروبا، وهي القوة الأمريكية التي أخذت الجوانب المظلمة من الحداثة الأوروبية (الليبرالية والرأسمالية، والإيمان بالآخرة المبتدعة) إلى ذروة منطقية. في أوروبا اليوم، كما أشار الكسندر دوغين ، يطرح هذا التهديد من قبل الأيديولوجية الليبرالية، والقهر الجيوسياسي الأطلسي، والكوارث التي نتجت عن الرأسمالية المتأخرة. كل من هذه المؤشرات الحيوية الثلاث تجد تعبيرها في العذاب والانهيار، والتسوس، ووحشية الهوية المستأصلة.
شعوب أوروبا المختلفة لا يمكنها عكس الانحدار، أزمة متعددة الأبعاد، أو على الأقل التوحد معا لمواجهة الصعوبات طالما أن هذه الشعوب عالقة في فخ الليبرالية  وهوية التدمير الذاتي أو المزدوج. كيف يمكن للعمال أن يصارعوا ضد الرأسمالية إذا كانوا لايدركون ماذا يحدث من حولهم؟، وكيف يمكن لأمة أن تحارب ضد الاستعمار الجديد إذا لم تتعرف على نفسها؟، وكيف يمكن لشعوب أوروبا أن ينقذوا قارتهم إذا كانوا لا يستطيعون حتى تحديد “نوع الجنس” الخاص بهم؟” التقسيم الكلاسيكي واستراتيجية القهر المنصوص عليها في العقيدة الليبرالية وتنفيذها من قبل الطاغوت الأمريكي عن طريق القوة من جهة والتلقين الإيديولوجي الذي مارسته الولايات المتحدة بفعالية، لدرجة أن أصبح مفهوم الهوية الأوروبية المرتبط بالهياكل الاستغلالية للاتحاد الأوروبي المدعوم أميركيا، محجوبا كليا، وكذلك ترك الطعم السيئ في فم الشعوب الأوروبية الذين اضطروا إلى تذوق حصص طعام فاسدة جراء “التكامل الأوروبي” .
والتآكل أو عدم وجود هوية هو في حد ذاته مأساة كما أنه يقلل من التحول إلى الموضوعية، ولكن المعنى الضمني الأوسع أصعب بكثير من ذلك بكثير. شعوب أوروبا الآن يجب أن تكون جهات فاعلة أكثر من أي وقت مضى وليس مجرد موضوعات يعمل عليها، والآن ربما تواجه أوروبا الفرصة الأخيرة لتجديد نفسها لتكون القطب الموجب في عالم مزدهر ومتعدد الأقطاب، شعوب القارة لا يمكنها أن تتعرف على نفسها في المرآة. سائق الحافلة اليوناني يرى في نفسه ضحية للتعذيب والظلم وسجينا للرأسمالية الأوروبية. يتنهد الخباز الألماني من خيبة الأمل ويذكّر نفسه أن ذنبه التاريخي لا يسمح له بأن يفكر بأن ما يحدث هو خطأ. مزارع التفاح البولندي يحذر من “العدوان الروسي” الوشيك، ويقتصر عمله على حفر الخنادق وتجهيز الحواجز الوقائية، وهو لا يفهم لماذا عليه إعطاء ثمار تعبه مجانا للجنود الأمريكيين. العامل الفرنسي يتساءل في نفسه من هو حقا الفرنسي: هو أم جيرانه في الشمال الأفريقي المجاور. الشباب الصربي لا يمكن أن يعتقدوا أو يقبلوا أن صربيا ترفع العلم الذي شكل صدمة طفولتهم مع أصوات القنابل ومشاهد “الأضرار الجانبية”. يحاول العاطلون عن العمل في إيطاليا أن يحكوا رؤوسهم  وأن يتذكروا كيف صار حال إيطاليا الموحدة ولماذا هبطت روما الأولى الآن إلى هذا الدور الكوميدي الذي أحرج ايطاليا من خلال  فضائح أوروبا الشائعة جدا والناتجة عن الديمقراطية الليبرالية. كل ما سبق يختلط مع احتمال إدراج بلد مثل تركيا في الاتحاد لتحمل اسم “الأوروبية”  وأيضا مع الانتقاد “الفاشي” من قبل وسائل الإعلام حتى لأدنى استجواب حول الموجات التي لا تنتهي من المهاجرين الساخطين، وهلم جرا. هذه الأمور العالقة في دورة الليبرالية والرأسمالية والانحلال والتغريب، لا تمنع فقط انعكاس الصورة في المرآة ولكنها تخفي الصورة الأكبر  تماما.
من وجهة نظر الاختزال الجيوسياسي، تمثل أوروبا طرف الأرض، وهو الفضاء المتنازع عليه بين القوى البرية والقوى البحرية وقوات التكامل القاري والوعي الحضاري من جهة مقابل قوى القهر عبر المحيط الأطلسي التي تمثل الاستعمار الجديد. على الخريطة اليوم  يتجلى الصراع بين الإمبراطورية الأمريكية، مع الدمى الليبرالية الأوروبية، والأرواح القارية الناشئة في أوروبا مدعومة بصحوة بديلة لتشكيل أوراسيا بقيادة روسيا. في النصف الأخير من القرن الماضي قيدت أوروبا نفسها لتكون دمية في يد الولايات المتحدة.
لتحافظ الولايات المتحدة على إمبراطوريتها، تريد وتحتاج إما لأوروبا المستعمرة أو لأوروبا المزعزع استقرارها، وليس أوروبا الموحدة على كلمة واحدة. الخيار الأول له ثلاثة سيناريوهات مختلفة: (1) من خلال إطالة أمد الوضع الراهن الذي تعتبر أوروبا فيه شبه مستعمرة من قبل القوة الأميركية أحادية القطبية من خلال جمع الاتحاد الأوروبي الحالي والولايات المتحدة بحلف شمال الأطلسي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، (2) الاحتلال الصريح لأوروبا من قبل القوات المسلحة الأمريكية، أو (3) التحريض على مشروع جديد “الطريق الثالث” مع شكل وعواقب مماثلة لتلك التي سببتها الفاشية في القرن الـعشرين. الخيار الأول هو اليوم  في وضع يعبر عن نفسه على نحو متزايد بحيث لا يمكن الدفاع عنه، “وحدة” الاتحاد الأوروبي بدأت تنهار تحت وطأة ثقلها الاصطناعي، والقوات القارية بدأت وببطء بالظهور ولكن بثبات ومن خلال التلاعب بهجوم الاتحاد الأوروبي ضد روسيا والجوانب المناهضة بوضوح لأوروبا من  الفكر الأمريكي عبر الأطلنطي.  الخيار الثاني هو في طور الاختبار إذ يتم نشر المزيد والمزيد من الجنود الأميركيين تحت ذريعة “ردع بوتين”، البديل الثالث هو النموذج الذي تم اعتماده من خلال دعم الولايات المتحدة للأوكرانيين النازيين الجدد وتثبيتهم في كييف عام 2013. هذا الخيار ما زال مفتوحا للنظر فيه، على الرغم من أن التنفيذ الكامل لمثل هذه الخطة  يظهر نهاية المشروع،   فمن غير المرجح اعتمادها نظرا لمشاركة روسيا في حماية السياسة الأوروبية من الحملات الأمريكية الاستفزازية. وعلى أي حال فإن “الشمولية” الجديدة التي تعاني منها المجتمعات الغربية هي “مرحلة ما بعد الليبرالية” التي تجاوزت بكثير الآليات القمعية السابقة للقوة الصلبة والناعمة.
ويتضمن الخيار الثاني سيناريوهات أخرى محتملة. ويجري العمل باطراد من خلال الهجرة الجماعية و”أزمة اللاجئين”. والهدف النهائي في هذا السيناريو يمكن أن يكون إما أسلمة صريحة لأوروبا والتي يمكن أن تقوم به الولايات المتحدة جنبا إلى جنب وبنفس الطريقة التي عملت فيها مع الوهابية في الشرق الأوسط، زعزعة الاستقرار التي دمرتها الحرب العرقية و”صراع الحضارات” على التراب الأوروبي، أو نشر “وقائي” لجيوش الولايات المتحدة والتي ستلعب دور الاستفزازات في حرب قبلية أو الإعلان المنافق “الوحدة في الحرب ضد الإرهاب الإسلامي”. إن أسلمة أوروبا يعني نهاية أوروبا الأوروبية بغض النظر عن البديل ومهما كانت ضمانات حل “المشكلة الأوروبية”. إن تدمير الأساس الانثروبولوجي لأوروبا، وللأوروبيين أنفسهم، لن يكون مجرد ثمن بسيط، وسيؤدي إلى زعزعة الاستقرار وعندها سيصل الإرهاب إلى حدود روسيا.
هدف آخر يمكن أن يكون في الحسبان وهو التحريض على الحرب الأهلية الأوروبية وتعميم البلقنة كإستراتيجية جديدة للقارة. إن تحقق مثل هذا السيناريو يعتمد بطبيعة الحال على إرادة الأوروبيين أنفسهم وعلى ذاكرتهم التاريخية بأن هذا الهدف هو واحد من الأهداف المحتملة للسيطرة الليبرالية.
ومن المهم أن نذكر أن الإمبراطوريات المنهارة تتخبط  في جزء كبير من سياساتها وتصبح غير  قادرة على صياغة ومتابعة خطط متماسكة. وهذا يعتبر سمة مميزة بين النخب الأمريكية الحالية ويشرح تنوع السيناريوهات واختلافها بالفعل تجاه أوروبا والانهيار السريع نسبيا لمبادرات الولايات المتحدة في أوكرانيا وسوريا. ومع ذلك، فإن الوحش الذي يعلم أنه سيموت   سوف يهاجم ويحاول قتل العديد من الضحايا معه.  ومع هذا لا يمكن التقليل من شأن التهديد الأمريكي، فقبل كل شيء نحن نتعامل مع قوة مفرطة لا مثيل لها في التاريخ، تتحرك بدافع من الانحرافات كالجشع والأيديولوجية الاقتصادية والدينية ولن تسمح لأحد بأن يقف في طريق مصالحها، أولئك الذين يدعون أن خطر الأسلمة، على سبيل المثال، ينبغي أن يكون بمثابة نقطة داعمة لوحدة  “الشمال (أمريكا + أوروبا) ضد الجنوب”  أو تشكيل محور في مقابل محور مثل “الشرق مقابل الغرب” (أوراسيا مقابل أتلانتيس) هم ينفذون دائما المخطط الأمريكي.
إن الاحتلال القاسي أو زعزعة  الاستقرار المروعة أو الاختفاء المأساوي لأحد أقطاب الحضارية في العالم هو كارثة تلوح في الأفق. إذا كان هذا ما بشرت به الحراب الأمريكية وقطع الرؤوس من الوكلاء الإسلاميين أو الحرب الأهلية بين الأشقاء فإن هذا سيبقى عرضة للتساؤل ومشروطا بعوامل مختلفة وبمسار الأحداث ذات الصلة. التهديد نفسه بغض النظر عن تحققه هو دعوة للاستيقاظ ليس فقط بالنسبة للأوروبيين ولكن بالنسبة لبقية العالم. إذا سقط طرف الأرض فإن أوراسيا قلب الأرض في خطر، وعندما يسقط قلب الأرض  فلن يكون هناك شيء يوقف نهاية التاريخ. كما كتب الكسندر دوغين في عام 1999، “قليلون هم الواعون  لما حدث في مطلع التسعينات وأي جانب فتح “نموذج النهاية” أمام الإنسانية …”وهذا هو القاسم المشترك للذين يقف على حد سواء ضد الليبرالية الجديدة والرأسمالية من اليسار واليمين، ولا يمكنهم تجاهل ذلك إلا على حسابهم الخاص”.
كما يعلمنا التقليد فإن الظلام ليس فقط ظاهرة سلبية، بل له أيضا جانب آخر كإمكانية إيجاد لحظة من النسيان وفي بعض التفسيرات الأخرى هو الجسر الأول الذي يجب أن يعبر للوصول إلى الضوء في نهاية النفق. عندما تظهر أمامك الهاوية، لا بد من إعادة النظر في المسار. اليوم لا ينتشر الظلام على هذا البلد الأوروبي أو ذاك، ولكن على أوروبا كلها. وفقا لذلك فعلى أوروبا ككل أن تسعى لتصحيح المسار والبحث عن الضوء والتجديد والعمل من الناحية العملية وكذلك الميتافيزيقية للوصول إلى الوحدة الحضارية. يجب على الدول الأوروبية التي تكافح من أجل السيادة وعلى كل الحركات المناضلة بشكل أو بآخر من أجل “التحرر الوطني”  أن يدركوا جميعا أنهم جزء من النضال المشترك للوحدة الأوروبية بغض النظر عن الطبيعة الاستعمارية الحالية الفاسدة للإتحاد الأوروبي، فالعدو ليس أوروبا، بل القوة المسيطرة من وراء البحار، وتحويل التكامل الأوروبي إلى تكامل بين نزلاء السجن بدلا من التضامن من أجل الحرية.
لقد حان الوقت لاستعادة المصطلحات نفسها “أوروبا” و”الحضارة الأوروبية” من الليبراليين وتمكين النضال ضد الأطلسية مع نطاق جديد من الإدراك الشعوري الجيوسياسي، والنظر إلى أوروبا بموضوعية. هذا لا يجعلنا نغفل عن التناقضات الهامة داخل أوروبا، بل يحفز لدينا  القرار بفصل الغث عن السمين، وسوف نكتشف من هم الورثة الحقيقيون للقارة ومن هم المستفيدون الخونة من المشاريع الصناعية التي وضعت لتقسيم القارة. إلى حد كبير هذا هو الاختبار المصيري لشعوب أوروبا وهو ترتيب وماكياج سيغير أوروبا بلا شك. “التقليد” و”الجغرافيا السياسية” هما من الشعارات التي يجب أن توجه هذا الصراع.
فقط أولئك الذين عاشوا في هذا الإدراك الشعوري الجيوسياسي، وينبض قلبهم بفهم حضارات العالم سيفهمون معنى هذه الكلمات

Previous post الاتحاد الأوروبي يدعو إلى تكثيف التعاون الدولي لمكافحة خطاب الكراهية الذي “يغذّي الإرهاب
Next post بلجيكا تنجو من عملية إرهابية :اعتقال إرهابيين في أوبين كانا يخططان لطعن عناصر الشرطة
%d مدونون معجبون بهذه: