الأربعاء. ديسمبر 2nd, 2020

عصام عابدين

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_الجريمة والعقاب كعنوان لرواية دوستويفسكي. هو عنوان لا مفر من تحليله في مستهل مناقشتنا للرواية, والعنوان مُكوّن من كلمتان يُقنبان وراءهما بداية ونهاية الرواية وما بينهم من جدليات ضمنية جليّة في الأحداث. فالجريمة هي الفعل الفردي الذي يقترفه أحد أفراد المجتمع مؤثراً على المجتمع ككل. أما العقاب هو الفعل الجماعي الذي يقترفه المجتمع مؤثراً في أحد الأفراد. وما بين إرادة الفرد والمجتمع تنشأ مفارقة حاول الراوي العليم تجسيدها منحازاً إلى المجتمع عندما قام بسرد رواية ذات شخصيات عديدة لها مواقف متباينة. و لا تلبث موضوعيته أن تكتمل حتي تنفذ فرديته المحضة في شخصية البطل “راسكولينكوف” ولا شك أن نفاذ تلك الفردية كان متعمداً من الكاتب الذي هو معروف عنه أنه مؤسس الفلسفة الوجودية بنظر التاريخ.
“الجريمة والعقاب” حالها كحال كل رواية تنقسم في أعين ناقد بصدد مناقشة عمل أدبي إلى قسمين. فكرة ضمنية أساسية وهي الفكرة التي من المفترض أن تكون ما قد بزغ في عقل كاتب الرواية قبل أن يبدأ الكتابة, وهذا القسم سوف نرجىء مناقشته لحينٍ. والقسم الآخر هو الدراما التمثيلية والتصويرية للفكرة. وقد سلك دوستويفسكي في روايتنا درب البساطة والواقعية في تصوير فكرته. فالرواية ببساطة تحمل شخصية أساسية “البطل” وهو الطالب الحقوقي “راسكولينكوف” الذي يقترف جريمة قتل ضد سيدة عجوز و أختها وبلا شك هذه هي الجريمة التي ينتظرها – ظاهرياً – العقاب في نهاية الرواية. وهو النفي إلى سيبيريا وقضاء حكم مخفف بالسجن 8 سنوات مع الأشغال الشاقة. لا تمضي منهم سنة واحدة حتى تنتهي الرواية التي تُقارب الألف صفحة.
وقبل أن أبدأ في مناقشة الفكرة الأساسية فلا مفر من توضيح البناء التحتي للرواية. والبناء التحتي هو الظروف الاقتصادية والنمط العام للإنتاج الذي يقوم عليه واقع اجتماعي ما. وقد كان الواقع الاجتماعي القائم فى بطرسبرج تلك الآونة يمكن وصفه ببساطه بأنه “فاسد” وفي الأدب – حاله كحال كل الفنون – لإيجاد حل, قام دوستويفسكي في رواية بالاعتصام في فعل الجريمة كتجسيداً واضحاً على الفساد. غير أنه لم ينساق في مناقشتها أخلاقياً بشكل تجريدي. وإنما قد بدأ من حيث قد انتهى مفهومان الخير والشر وتفككا بالكامل. فطفق دوستويفسكي يخلق الحلول والشخصيات. إذ نجده في لا انحيازية الراوي العليم يتحدث عن الحل الاشتراكي للأزمة والذي كان مطروحاً بشدة في تلك الفترة (النصف الثاني من القرن التاسع عشر), على لسان “رازوميخين” يتحدث ساخراً من مجموعة من الناس جالسين في بيته يحتسون الخمر ويؤكدّون أنَّ الجريمة هي احتجاج على تنظيم اجتماعي غير سليم. ثم يضيف, إذا زالت أسباب الاحتجاج أصبح الجميع صالحين ولم تعد هناك جرائم. وهذه كلمات يمكن أن يسقطها القارىء على جريمة القتل التي فعلها “راسكولينكوف”. وبعد ذلك وعلى لسان الاشتراكي “ليبزياتنكيوف” وتعليقاً على ممارسة “صونيا” للبغي من أجل كسب المال وإعالة أسرتها. فيرى الدعارة و سلوك “صونيا” تحديداً, رفض للمجتمع وسلوك تحرري لا يجب تضميده. وهكذا يعضض دوستويفسكي على الرأي الاشتراكي الذي لا يختلف عند المجتمع الاشتراكي ( أعني الحالة الأولى) عنه عند الفرد الاشتراكي الواحد مثل “ليبزياتنكيوف”. ولا يفوته أن يسخر من الاشتراكيين فيسرد – إنَّ تعاونياتهم هذه جاهزة, والطبيعة وحدها هي التي لم تصبح جاهزة بعد. لأنّها تقتضي الحياة.. لأنّها لم تتأهب بعد إلى المقبرة –
كإرهاصة لتوضيح الرأي الآخر, الذي يميل إليه فيودور والذي لأجله كُتبت الرواية بالأساس, يقول على لسان رازوميخين ” الاشتراكيين ضد النفوس الحيّة, والنفس الحيّة ريّابة ضد الميكانيكا” وهكذا يكون دوستويفسكي قد عرض الرأي الاجتماعي لحل الأزمة ومن ثمة دحضه أدبياً. و طفقَّ يعرض الحل الفردي للأزمة. الذي هو مجسد في المقالة التي لم تُنشر. أو لأكون أدق تأخّرت في النشر. المقالة التي كتبها “راسكولينكوف” وأرسلها لمجلة قبل الجريمة بشهور, ولم يعرف بنشرها سوى صدفة بعد نشرها بشهرين. المقالة التي فضحت أمره في أعين القاضِ الفصيح.
وفي مقالة “راسكولينكوف” التي لم نقرأها وإنما نحن نعرفها فقط من الرواية وأحداثها, يتم توضيح النظرية التي ستكون لاحقاً أحد اهم نظريات الفيلسوف الألماني ” فريدريك نيتشه” وستدعى “الإنسان الخارق” أو “السوبرمان” بعد أن يقوم هو بصياغتها في صورة نظرية. ولكن دعونا لا نتطرق إلى تلك النقطة الآن ونعود إلى نصنا الأدبي. يقوم دوستويفسكي بتصنيف الناس إلى فئتين: فئة الناس الخارقيّن, وهم من لديهم ملكة التغير فضلاً عن أفكار جديده ليعبروا عنها. ويرى “راسكولينكوف” أنَّ من حق هؤلاء أن يسفكوا الدماء ويأخذون خطواتهم من فوقها في هدوء. وذلك لأجل تحقيق غايتهم السامية وتحسين وضع العامة من بشر. ويعضض على نظريته بسرد أمثله تاريخية “لودجوس”,”سولون” و”نابليون” وكذلك “محمد”. مُشيراً بذلك إلى الغزوات و الفتوحات الإسلامية التي وقعت في حياة النبي وبعدها, أثناء حكم الخلفاء. ويؤكّد دوستويفسكي على قلة تلك الفئة من البشر.
أمّا الفئة الأخرى من البشر فهم فئة البشر العاديين. وهؤلاء لديهم صفات الجماد. وعلى حد تعبير دوستويفسكي “صفة المادة” وهكذا يشير دوستوفيسكي بقلمه وبغاية الوضوح نحو الفلسفة الوجودية. ويبدأ بشرح “الكينونة” وكيف تجري على الكائن البشري فتقوم بمسخه من إنسان عاقل, إلى كيان كائن. يُرفّرف فوق رأسه بيرق التشيّؤ فيسقِط ظلّه على دماغ البشري الكائن, بمشهد تتحرّر فيه المادة ويتقيّد الوعي.
و”الكينونة” التي ذكرتها في خطّان, لا أستطيع أن أزيد عنهما فأخرج عن قلب الموضوع. هو المصطلح الذي سيفيض في شرحه الفيلسوف الوجودي الأشهر “جان بول سارتر” في كتابه “الوجود والعدم” وفي أعمال أخرى أقل شُهره. سيفيض في شرحه أعني بعد الآونة التي نُشرت فيها تلك الرواية لا شك.
ويقسّم “راسكولينكوف” فئة الناس المادة, العاديين. إلى قسمين: قسم ناس الحاضر وهم من يعيشون في زمن الإنسان الخارق فيدركوا مسيرته منذ بدايتها. وهؤلاء يكونون ضد الإنسان الخارق ولعلهم في حالات كثيره يحاولون إيقافه من خلال القتل أو السجن. وهذا سلوك طبيعي ومبرر من مكانهم. إذ انهم كائنات محافظة بطبعها تخافُ أي جديد وتخافُ مَن يفكر لأنه مختلف عنهم – إذ أنهم لا يفكرون بالأساس – و تخافُ أن يتغيّر واقعهم. حتى ولو كانوا مدركين لبؤس واقعهم وتعاستهم.
والفصيل الثاني من الناس. هم ناس المستقبل. وهؤلاء من يقع على عاتقهم مهمة بناء التماثيل للإنسان الخارق. الذي كان السبب في وجودهم على تلك الهيئة وهذا الحال.
وتظل هذه الحلول مطويّة داخل مقالة لم يقرأها غير القليل. فلا يتبدل الحال ولا يصيرُ الواقع خلاف ما هو عليه ولا تمضي الرواية إلى الأماني. وإنما فقط ترتكب الجريمة ويذهب “راسكولنيكوف” إلى السجن. وبهذا لا يتخطّى الكاتب واقعية سير الأخذات داخل الرواية كي يوضح فكرته التي يميل إليها. فيظل مُلتزماً بالاحترافية في الكتابة حتى آخر سطر.
ولا شك أن الدافع في خلق شخصيات في تلك الرواية على هذه الشاكلة هو واقع الحياة الأليمة داخل الرواية. فيظهر كما لو كان هنالك مرضاً متفاشياً في شخصيات الرواية المتطرفة في المال والفقر, العار والشرف,الأخلاق والدناءة. وقد كان مرض الفرد الأهم “راسكولينكوف” هو الوسواس. فقد عاني من وساوس هي منطقية إذا ما لمسنا العلاقة بين أوقات تأمّله الطويلة وذكاءه وغريزته في تحليل الأمور. وبعد الجريمة كان الوسواس قد ازداد مع الحمّى في عمله على “راسكولنيكوف” وهذا شيء لابد منه كي يتجنب السجن. والوسواس هو الأثر الذي يتركه واقع اجتماعي كواقع روسيا في تلك الآونة. في نفس شاب يشعر ويفكر. ويبدأ دوستويفسكي فى تمثيل حالة الوسواس القهري في الفصل الثالث بالقسم الأول من الرواية. أقصد رسالة الأم. وفى الفصل الرابع – بعد أن علمنا فيودور كيف تكون الكتابة – يعلمنا كيف تكون القراءة حينما يبدأ “راسكولينكوف” بشرح الرسالة وتأويلها. فإذا بالوسواس يتسلل حتّى إلى القارئ.
والوسواس يجسد حالة من ضياع الثقة في الآخر وتفاشي الكذب بين أفراد المجتمع. الوسواس هو رغبة بلا سبيل لمعرفة الحقيقة. في حالة الغياب الضروري للصدق. ولا شك أن الوسواس من آثر الوضع الاقتصادي والاجتماعي التي كانت تمر به روسيا في تلك الحقبة الواقعة زمنياً ما بين الإقطاع العجوز بزفيره البارد وطفل الرأسمالية حديث الولادة والعبث. ولا ينسى فيودور باقي شخصيات الرواية من الوساوس فيفوته إحكام روايته, فنجد “رازوميخين” يوسوس أحيانا لنفسه فيشك في “راسكولينكوف” فيظنّه متآمر سياسي يشغل عمل سرّي. ونجد والدته وأخته يحدث معهم أمور مشابهه في فترات مختلفه من الرواية. فيغلب على معظم الشخصيات درجات متفاوته من الوساوس. ويبرر دوستويفسكي هذا على لسان الطبيب “زوميتوف” في شيء من هفوة الكلمات. فيشرح لوالدة “راسكولنيكوف” كي يطمئنها, أن الناس جميعاً مرضى بالأساس ومجانين. ولكن بدرجات مختلفة. وهذا الحديث الذي سيقتبسه الطبيب مؤسس علم التحليل النفسي “سيجمُند فرويد” وسيستخدمه في بناء منهجه النفسي. ومن المعروف أن “فرويد” أنه أستفاد كثيراً من بناء الشخصيات عند دوستويفسكي. وهنا أتذكّر قول الفيلسوف “آرثر شوبنهاور” حينما قال عن كتابه “العالم إرادة وتمثّل” سيخرج على أثر هذا الكتاب, ألف كتاب. أتذكر تلك الكلمات وأنا أرى ألف كتاباً قد كُتِبَ على خلفية “الجريمة والعقاب”.
وعلى الجانب الآخر من نفس المجتمع يخلق دوستويفسكي شخصية مريضة داخل الدولة وتكتسب الشرعية خلاف الشخصية المريضة الأخرى التي تركت الجامعة وصارت جزءاً من الشارع. و لا يقل مرض تلك الشخصية الشرعية في شيئ عن مرض”راسكولينكوف” فلا يترك الكاتب بهذا الشكل لبطله حق الانفراد بالمرض ولكنّه لا يدخل إلى داخل الشخصية المريضة الأخرى مستذرعاً بحق الرواي العليم في شرح الشخصيات, ولا يغوص في أغوار نفس “بروفيري” وأفكاره فتتجلّى وساوسه كاملة. وبهذا يحفظ لـ”رسكولنيكوف” حق بطولة الرواية. هذا لأنه بطل دوستويفسكي بالأساس. وليس القاضِ “بروفيري بيتروفيتش” وهكذا تكون الرواية متسقه ومتماثلة داخلياً للغاية. ويتجلّى مرض “بروفيري” في فصل من أصعب فصول الرواية على الكاتب و القارىء. إذ يجتمع فيه المرضان “راسكولينكوف” و “بورفيري” للمرة الثانية في حياتهم بمكتب القاضي. بعد اللقاء الأول الذي تم في بيت “بورفيري” والذي يمكن أن نعدّه بذرة الرواية أو لُبّها.
وهنا نكون قد وصلنا إلى سؤال مهم لابد من مناقشته, ولا شك أنه قد جال بذهن كل قارىء للرواية: هل كان “راسكولينكوف” بطلاً خارقاً حسب نظريته؟ الأغلب أن الجميع يملك إجابة. حتى مَنْ لم تقرأ الرواية و اكتفيت بتلك المقالة التي لا تغني عن جوع, بل لعلها تصيب فتزيد الجوع أضعافاً. نحن نعرف من على لسان “راسكولينكوف” أنَّ الإنسان الخارق لا يتألّم عندما يسفك الدماء وإنما يخطو فوقها دونما ارتجاف من جسده, دونما اصطكاك في الركب أو الأسنان. ويسير ثابتاً إلى غايته التي ستغيّر من حال الإنسانية. وقد ارتكبَ “راسكولينكوف” جريمته وسار ثابتاً إلى حد ما. ولم يشعر بالذنب طوال الرواية. وإنما كانت معاناته كلها ناتجة عبء الآخرين عليه. عبء من يحبهم ويُحبّوه ( والدته – أخته – ازوميخين – صونيا الخ..) ولم يؤنّبه ضميره في لحظة على الجريمة وإنما كان حتّى آخر لحظاته مؤمناً بالكامل فيما فعل. ويظهر ذلك الإيمان حينما يختار “صونيا” فيشرح لها جريمته وأسبابها. ولأنه وجد فيها إنسانه اختارها دون الجميع لذلك الفعل.
كما في الميثولوجيا اليونانية, ومن يمثل ل صونيا كما فعل زيوس مع حبيبته في صورة خروف أو ثور. فخلع الوشاح عن نفسه وكاد نور الحقيقة أن يقضي على “صونيا” الهزيلة. و قد أحبطّ رد فعلها “راسكولينكوف” كثيراً. فلم تفهم أو ترى في نظرياته سوى تبريرات لجريمة. فخرج من عندها نادماً على مصارحتها بالجريمة فقط قائلا
“لماذا ذهبت أستجديها صدقة من دموعها؟ ما كانت حاجتي إلى تسميم حياتها؟ يا للجبن . . يا للحقارة”
لا شك أنّه لم يندم للحظة على جريمته حتى وصل إلى سيبيريا. ولا شك كذلك في أنّه لم يكن بطلاً خارقاً. وإنما يمكن تصنيفه حسب مقالته , في فئة الناس العاديين الذينَ قد صاروا خطواتٍ في سبيل الخارقين. ثم لم يستطيعوا إلى غايتهم وصولاً فكانوا عبرة للآخرين. والنهاية خير دليل على هذا. إذ أنّه بعد سنة من السجن عاد إنسانا عادياً تماماً, كما الجماد. عاد إلى فئة الناس العاديين. وبدأ يتمنّى مرور السبع سنوات كي يتزوّج من “صونيا” التي اكتشفَّ حبّها. والتي طلب إنجيلها فوضعه تحت وسادته بعد أن صار دينه هو دينُها. وتنازل عن كل أمانيه في تغيّر الواقع وتحويله لمكان أكثر إنسانية وطيبه.
ليست نهاية حزينة هي واقعية قبل كل شيء. رغم كون الواقع حزيناً ومحبط للأماني. وكانت تؤكد على دوام الديمومة. وسير الحياة في صيرورتها اللامتناهيه. مبدأ الصيرورة الذي لم يفت دوستويفسكي فأكّد عليه في بناء الشخصيات بوضوح. فنجد أم “راسكولينكوف” تحذو حذو “كاترين إيفانوفانا” الزوجة التي تمرض وتهذي فتموت كما هو حال الأم بعد أن فقدت ابنها. كذلك الحال عند “دوليتشكا” اخت صونيا الصغيرة, التي ينتظرها مستقبل مخيف. ان اقتفت أثر أختها وامتهنت البغي كي تعول الأخوة الصغار.
كان واضحاً وكان الراوي يؤكّد, أن “راسكولينكوف” لن يموت منتحراً كما حدث مع “سيفدريكايلوف” الشخصية الأكثر صدقاً واتساقاً مع نفسها في الرواية. اذ أن “راسكولينكوف” كان يُحبُّ وكان محبوباً. عكس “سيفدريكايلوف” الذي ما عرفا سوى غرائزه. وهو الأكثر صدقاً لأنه كان في داخله مؤمناً أنَّ الحياة حيوان منوي يجري إلى بويضة. والموت هو حيوان لم يصل. وعاش وفقاً لهذا المبدأ.
ولا تعارض بين مدى صدقه وحبّه لـ “فريدريك شيلر” فوجود إنسان بدائي غير مكتمل في المدينة, يفترض أن يجعله محبُّاً للفضيلة حتى لو لم يسعى إليها.

ولأنَّ الحقبة الزمنية كانت مسخ المكان والعلاقات الإنسانية والقيم. فكانت الشخصيات كذلك مسخاً. وكانت المعاناة قابعة على الدوام في قاع الكلمات المهمومة بوصف الأحداث المعقدة والأشخاص المتطرفة. وليس في ذلك عيب, ينتقص من الرواية و يقلل من شأنها على الإطلاق.
وبرأيِ أنا الناقد الذي لا يصدّق في أطروحة “راسكولينكوف” ولا يؤمن بسوبر مان “نيتشه”. أنَّ “راسكولينكوف” إنسان يشعُر في زمن الصدور الجدباء. فكان له نصيبا من الألم لأجل البشر من حوله ويفوته أن يتألّم لحاله. ربما كان نبياً وجدَّ في الزمنٍ الخاطي ء. وكيف لنا أنّ نعرف؟ . .ربما كان نبياً, و كم من نبيّ قد قتل في العتم فما سمعنا بقصته!.

الحوار المتمدن

. .