المدار ترصد أواخر أيام المثقفين (( إمام النحاة يرثي نفسه))

أواخر الأيام ترصدها للمدار نجاة أحمد الأسعد

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_انتهت حياة علامة وإمام النحو، ذلك الفتى الذي كان لحنه وخطه في القراءة سببا في تصميمه على تعلم العربية وأصولها، كانت تلك الانعطافة في حياته فتحا على علم النحو والعربية بتأليف أول كتاب منهجي مقسّم إلى أبواب منسّقة، ذلك التنسيق والترتيب جعل الأديب الجاحظ يقول فيه: “لم يكتب الناس في النحو كتابا مثله، وجميع كتب الناس عيال عليه”

سِيبَوَيْه عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، يُكنى أبو بشر، الملقب سيبويه: إمام النحاة، وأول من بسّط علم النحو. أخذ النحو والأدب عن الخليل بن أحمد الفراهيدي ويونس بن حبيب وأبي الخطاب الأخفش وعيسى بن عمر، وورد بغداد، وناظر بها الكسائي، وتعصبوا عليه، وجعلوا للعرب جعلا حتى وافقوه على خلافه.

أُخيَّينِ كُنّا، فرّقَ الدهر بيننا *** إلى الأمدِ الأقصى ومن يأمنِ الدهرا!

(سيبويه راثيًا نفسه قُبيل وفاته)

 سيبوَيْه، الكلمة الفارسية التي تعني رائحة التفاح أو ذا الثلاثين رائحة، والتي كانت الأم تُهدهد وتُدلّل بها طفلها الصغير حتى يهدأ، صارت ملازمة له حتى مماته، ذلك الفتى الذي لم يكن يعرف إلا اللغة الفارسية في مبتدأ حياته، لم يعلم أن الأقدار تخبئ له من الغرائب ما سيجعله أحد أئمة اللغة العربية، وأكثرهم عبقرية ونباهة وحفظا.

  ذلك هو سيبويه الذي فاق كثيرا من أئمة العرب في معرفة علم النحو وأصوله وخباياه، وأضحى إمام مدرسة كبيرة في هذا المضمار، هي المدرسة البصرية التي لا تزال حتى يومنا هذا واحدة من المدارس الكبرى التي يستقى منها أصول علم النحو ووجوهه، وقد ابتدأت بهذا الفارسي ليكون خادما للغة العربية وإماما لها. فمَن هو سيبويه؟ وكيف تغير مصيره ليصبح واحدا من أعظم علماء النحو عبر كل الأزمنة؟ وكيف دُبرت له مكيدة صرفته عن العراق منهزما ليلقى منيته وهو لا يزال شابا في ريعان فتوته وحيويته؟!

من البيضاء إلى البصرة

في مدينة البيضاء التابعة لإقليم إصطخر جنوب إيران اليوم، وُلد أبو بشر عمرو بن عثمان بن قَنبْر، ولا يُعرف بالتحديد متى ولد في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، وإن عُلم تاريخ وفاته بالتقريب سنة 180 هجرية، هاجر أهلُه إلى مدينة البصرة جنوب العراق، وكانت واحدة من أنشط المدن، ومركزا قويا من مراكز الثقافة والعلوم الإسلامية، فضلا عن الاقتصاد الأمر الذي أغرى أسرته بالبقاء فيها.

وفي ظل هذه البيئة العلمية والثقافية الجاذبة، طفق سيبويه يطلب العلم بها، واستهواه في بادئ الأمر دراسة الحديث والفقه، فصحب الفقهاء وأهل الحديث، وكان يأخذ عن المحدث الشهير حمّاد بن سلمة البصري، وكان رجلا دقيقا شديد الأخذ، لا يحب اللحن في العربية قط، فبينما كان يُملي على تلامذته قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “ليس من أصحابي إلا من لو شئتُ لأخذتُ عليه ليس أبا الدرداء”. قال سيبويه: “ليس أبو الدرداء”، وظنّه اسم ليس التي هي من أخوات كان. فقال حمّاد: لحنتَ يا سيبويه، ليس هذا حيث ذهبت، وإنما “ليس” ها هنا استثناء. فخجل سيبويه، وأقسم على أن يتعلم النحو حتى لا يلحن في العربية أبدا[1].

إمام النحاة الشاب!

ثمة رواية أخرى تقول إنه أخطأ ولحن لحنا فاحشا، حتى قال له شيخه: يا فارسي لا تقل الصفاء؛ لأن الصفاء مقصور، فلما فرغ من مجلسه كسر القلم، وقال: لا أكتب شيئا حتى أُحكمَ العربية، وقد انطلق سيبويه يطلب النحو والعربية على العلامة الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب معجم “العين”، المعجم الأول للغة العربية، ففرح به، ووجد عنده ضالته، ولزمه ملازمة الظل لقرينه، كما تعلم على الأخفش الأكبر أحد مشاهير النحو والعربية، وكذلك أبو عمرو بن العلاء وطبقته، بل إنه تعلّم على الأعراب ولازمهم كثيرا يسمع منهم ويُدوّن.

كان الخليل بن أحمد الفراهيدي أحب الشيوخ لسيبويه، وكان يجتمع عنده عدد آخر من التلاميذ الذين صاروا فيما بعد من أعلم أهل زمانهم، وهم النضر بن شميل، وعلي بن نصر الجهضمي، ومؤرّج السدوسي، ومعهم سيبويه، فكان سيبويه أبرعهم في النحو، في حين شغف النضر باللغة، واهتم مؤرج بالشعر، أما علي فقد اهتم بالحديث، وكان الخليل يفسح له صدره، ويرى فيه الطالب الذي لا يضن عليه، وازدادت مكانته في قلبه حتى صار أحب تلاميذه إليه، وقد روى بعض شهود العيان أن الخليل كان يقول لتلميذه سيبويه إذا أتاه: مرحبا بزائر لا يُملّ. قال الراوي: ما سمعتُ الخليل يقولها إلا لسيبويه

   وكان سيبويه ثاقب الذهن، مستقل الرأي، ذا بصيرة نفاذة، وكان إلى هذا يُناقش أساتذته وينقدهم ويخالفهم في بعض المسائل، حتى إن البعض منهم كان يتحاشى مُساءلته لقوة مُناظرته وحُجّته وذكائه، حدّث الأخفش، قال: كنتُ عند إمام النحو يونس بن حبيب الضبي البصري فأقبل إليه سيبويه، فقال: أعوذ بالله منه، فجاء فسأله فقال: كيف تقول: مررت به المسكينِ؟ فقال: جائز أن أجرّه على البديل من الهاء. فقال له: مررتُ به المسكينُ بالرفع، على معنى المسكينُ مررتُ به. فقال يونس: هذا خطأ لأن المضمر قبل الظاهر. فقال له: إن الخليل أجاز ذلك، وأنشد فيه أبياتا. فقال: هو خطأ. قال: فمررتُ به المسكينَ بالنصب. فقال يونس: جائز. فقال على أي شيء؟ قال: على الحال. فقال سيبويه: أليس أنك أخبرتني أن الحال لا تكون بالألف واللام. فقال: صدقتَ. ثم قال لسيبويه: فما قال صاحبك فيه؟ أي الخليل بن أحمد، فقال سيبويه: قال لي إنه يُنصب على الترحّم. فقال يونس: ما أحسن هذا. يقول الراوي: ورأيت يونس مغموما بقوله: نصبتُه على الحال

هذا وكان سيبويه مع تقديره واحترامه لأستاذه الخليل كثيرا ما يمتحنُ آراءه، وذلك بموافقة كلام العرب له أو مخالفته، يقول في كتابه “الكتاب” في علم النحو: “والذي ذكرتُ لك قول الخليل، ورأينا العرب توافقه بعدما سمعناه منه” فهذا منهج نقدي يدلل على براعة سيبويه في استقاء العلم، ومقارنته، والاطمئنان إلى نتائجه.

  وفي حياة شيوخه، صار لسيبويه مجلس حافل في مساجد البصرة يؤمّه الكبير والصغير، وتناقلت مؤلفات طبقات النحاة أخبار هذا الدرس الحافل، وما كان يُدور فيه من مسائل عويصة لم يكن يقدر عليها إلا سيبويه، حتى أضحى له من التلاميذ م

مملكة سبأ والملكة بلقيس

مملكة سبأ هي إحدى الممالك العربيّة القديمة الشهيرة التي قامت في اليمن، وقد اختلف المؤرّخون حول المرحلة الدقيقة لنشأتها، لكنّهم اتفقوا على أنّها كانت تتواجد منذ القرن الحادي عشر قبل الميلاد، لكنّ شهرتها ابتدأت منذ القرن العاشر قبل الميلاد. كانت المملكة من أقوى الاتّحادات القبليّة التي ظهرت في اليمن القديمة؛ حيث تمكّنت المملكة من تكوين نظامٍ سياسيّ وصف بـ(الفدراليّ)، والذي ضمّ عدداً من الممالك وهي: مملكة قتبان، ومملكة حضرموت، ومملكة معين، وكافة القبائل التابعة لتلك الممالك، وأسّسوا عدداً من المستعمرات بالقرب من العراق وفلسطين – وفق الكتاب المقدّس/ العهد القديم، وبعض النصوص الأشوريّة – وهذا يدلّ على المكانة العالية التي شكّلتها هذه المملكة في ذلك الوقت

مملكة سبأ والملكة بلقيس الملكة بلقيس التي ذُكرت في القرآن الكريم والكتاب المقدّس، هي ملكة مملكة سبأ، وهي واحدةٌ من أشهر النساء في التاريخ القديم، أحاط الغموض سيرة الملكة بلقيس واختلفت المراجعُ التاريخيّة في تحديد اسمها ونسبها، لكنّ الغالبيّة قالوا بأنّها تُنسب إلى (الهدهاد بن شرحبيل) من بني يعفر، وكانت الملكة بلقيس سليلةَ حسبٍ ونسب، فقد ورثت المُلك عن أبيها الملك بولايةٍ منه لأنّه لم يُرزق بأبناء ذكور يولّيهم العرش. بعد تولّيها عرش مملكة سبأ، استنكر قومها هذا الأمر، وقابلوه باستياءٍ وازدراء، وقد وصلت أصداء هذا النفور من قِبل قومها إلى خارج حدود المملكة، الأمرُ الذي أثار جَشع وطمع الطامعين في الاستيلاء على المملكة، من بينهم الملك ذي الأذعار (عمرو بن أبرهة)، وعندما علمت الملكة ما يضمره لها ذي الأذعار الذي أثار فتنةً في مملكتها، غادرت مملكتها متنكّرةً بزيّ رجل لتتمكّن من الرحيل دون أن يتبعها أحد، ودخلت عليه ذات يوم، وبقيت تَسقيه حتى أسكرته، وهو يتناول الأقداح منها معتقداً أنّها تغازله، وهكذا نالت منه وقتلته بفطنتها ودهائها، واستعادت شعبيتها ومملكتها المسلوبة منها بعد تلقين قومها الدرس. وفق الكتاب المقدّس (العهد القديم) لم تذكر النصوص الواردة في العهد القديم اسم الملكة بلقيس، بل اكتفت تلك النصوص بالإشارة لها على أنّها ملكة سبأ، وتُعتبر تلك النصوص من أقدم النصوص التي أشارت للملكة، وقد أوردت بأنّ الملكة قد سمعت بالملك سليمان وحكمته، فسارت إليه على ظهور الجمال، تحمل إليه الأحجار الكريمة والطيب والبخور لاختبار حكمته، وقد ذكر الكتاب المقدّس بأنّ قافلة الملكة لم تشهد (أورشليم) مثلها من قبل، وقد وردت بعض التّعليقات القديمة التي تقول بأنّ الملكة فور سماعها بخبر الملك سليمان وحكمته، أخبرت قومها بأنّها ستمضي إليه لتختبره، وترى إن كان حقاً كما يُقال عنه أم لا، حيث قيل إنّها كانت بارعةً في الألغاز والأحاجي كما كان سليمان، وقد تمكّن سليمان من الإجابة عن كافة ألغازها، مردداً بين كل إجابة وأخرى “الرب يمنح الحكمة”. وفق الموروث الإسلامي تختلف رواية القرآن لقصّة المملكة والملكة بشكلٍ قليل؛ لأنّ القرآن قد أورد بأن الملك سليمان هو من أرسل في طلب الملكة بلقيس؛ فقد جاءت رواية القرآن أنّه فيما كان الملك سليمان يتفقّد حاشيته التي كان من بينها هدهدٌ، إضافة لعددٍ من الحيوانات والطيور والجنّ لم يجد الهدهد بينهم، الأمر الذي أغضبه ووعد بتعذيبه، وبعد عودة الهدهد أخبر سليمان بأمر مملكة سبأ وملكتها، وما كان يعبد قومها من أجرامٍ سماويّة وخاصةً الشمس، وكيف كان السبئيون يقدمون القرابين للملكة للتقرّب منها. تحرّى الملك سليمان صدق الأخبار التي نقلها إليه الهدهد، وأرسل كتاباً إلى الملكةِ بلقيس يدعوها فيه وقومها إلى طاعة الله، وأن تأتيه مع قومها مسلمين خاضعين لسلطانه وحكمته. وصل الكتاب إلى بلقيس وهي جالسة على سرير مملكتها المزخرف باللآلئ والجواهر، فقامت بجمع الوزراء وكبار قومها لمشاورتهم في أمر ما جاء في الكتاب، فأشاروا عليها باستخدام القوّة واللجوء للحرب، لكنّ بلقيس التي اشتهرت بحكمتها وعلمها وبصيرتها النافذة ارتأت أمراً مغايراً؛ لأنّها على ثقةٍ بأنّ “الملوك إذا دخلوا قريةً أفسدوها، وجعلوا أعزّة أهلها أذلّةً “. رأت الملكة بلقيس أن تُرسل للملك سليمان هديّةً مع كبار قومها، علّه يغيّر رأيه عمّا ورد في الكتاب الذي أرسله، لكنّ سليمان رفض الهديّة وقرر الخروج لقتال سبأ، وقبل خروجه طلب من أعوانه من الجن أن يأتيه بعرش الملكة، وغيّر على الفور معالم هذا العرش. لم يذكر القرآن الكريم كيف قرّرت الملكة القدوم، أو الهيئة التي كانت عليها وقت قدومها، لكنّه ذكر أنّه عندما دخلت على سليمان جَمَعت ثيابها إلى أن ظهرت ساقها لاعتقادها أنّ بلاط الملك كان يسيل عليه الماء؛ فقال لها سليمان بأنّ بلاطه مصنوعٌ من زجاجٍ يجري الماءُ من تحته، وقد جاء في القرآن أنّ اندهاش بلقيس كان من صرحِ سليمان لا من حكمته كما جاء في العهد القديم، وهذا هو سبب دخول بلقيس في دين الملكِ سليمان

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_

Previous post اختبارات سريعة للكورونا في بلجيكا
Next post وجهاتُ نظرٍ إسرائيلية تجاه التطبيعِ مع الأنظمةِ العربيةِ
%d مدونون معجبون بهذه: