تحدّي اعتدال رافع للسرطان

د. ماجدة حمود*

شبكة المدار الاعلامية الاوروبية…_ما أن صديقتي المرحومة اعتدال رافع أديبة متمردة؛ رأيت أن أحيي ذكرى وفاتها بقراءة متمردة على المألوف، سأتوقف عند أعمالها الأدبية (الحالات الشعرية والقصص والمقالة) لأتلمس من خلالها كيف تحدّت مرضها وضعفها، فقد قاومت اعتدال رافع السرطان أكثر من خمس وعشرين سنة، مثلما قاومت بشاعة ظروف، حاصرت حياتها، منذ طفولتها، وكيف بحثت عن عالم “مأهول بالاخضرار” فهي تؤمن أن موتها المعنوي أفدح من موتها الجسدي؛ فكانت تخاف على الروح “من الترهل والصديد ” لهذا غاصت في أعماق أوجاعها وروحها، وأترعتها بحروف، تغذّت من دمـها! إنها مثل أي مبدع أصيل، واجه قهر الحياة بالكتابة! نتذكر هنا سعد الله ونوس، الذي كتب، أثناء مرضه، معظم مسرحياته!
ولكن كيف واجهت اعتدال رافع مرضها وواقعها البائس؟
أولاً: الإيمان بالله
ثمة علاقة خاصة تربطها بالله، إنه أشبه بإيمان صوفي، يلمحه المتلقي من خلال (حالاتها الشعرية) العنوان، الذي اختارته لإحدى مجموعاتها الأخيرة، ولا ننسى أن الحالة مصطلح صوفي، إنها لحظة تواصل خاص بين الإنسان وربه، كانت تلك العلاقة سرية، تقويها في لحظات الشدة والمرض!
ثانياً: الكتابة خير دواء لها
بفضل الإبداع استطاعت أن تحفر عميقاً؛ لتخرج ألمها من كهف، يغمر بظلمته جسدها وروحها؛ فتنعم بنور التواصل مع الآخرين؛ مما يشعرها بالتعويض، ويساعدها على تحقيق ذاتها، وينقذها من عيشها “الملجوم” بالخوف والوجع، بل تتيح لها فرصة الإعلان عما يختبئ في أعماقها على الملأ؛ لهذا كانت كلماتها انعكاسا لصدقها مع الحياة والناس، إنها توّثق لروحها، وهي تتأرجح بين لحظة قوة وضعف، “قفز الجرح إلى بياض الورق/ فتماوجت بشقائق النعمان/ نام الجرح على وسادة الأنين وتثاءب…رقص الصفصاف على ضفافه/ واصطخبت سواقيه”(ج2، ص233-234)
لن يكون العلاج (الإبداع) الذي اختارته اعتدال رافع مأمون العواقب، إنه محفوف بالمخاطر، خاصة حين تستخدمه المرأة؛ لتعلن على الملأ عالمها الداخلي (أحلامها، إحباطاتها،…) إذ تعيش مخاوف، تخنق حروفاً، تجول أعماقها “كم تخافين السفر إلى الداخل وتفريغ مكنوناته على الورق/ فالسفر طوال العمر مخفور بحراسة مشددة…وبساطير، [كل ذلك] أنساكِ القطارات والسفن وأغاني المهد، وأناشيد المدرسة…” (ج2، ص305)
تجد في دلالة (السفر) معادلاً فنيا للكتابة والمعرفة، إنه يتيح لنا الفرصة لمعرفة العالم حولنا، وأعماقنا، لكنها تشير إلى محظورات تقمع حرية غوص المرأة في أعماقها، فتبعدها عن فرح المغامرة والانتقال من مكان إلى آخر (القطارات والسفن) مثلما تحرمها أدوات القمع الـ(بساطير) حبور الطفولة وأغانيها في (المهد، والمدرسة)
تبدو لغة التحدي لكل ألوان الإحباط النفسي والاجتماعي، سمة أساسية لديها، واجهت بها كل من يريد وأدها في الحياة وفي الإبداع “ونكاية بالقبور المفتوحة… وعشاقها، تتجمعين في الحكاية كلما بعثرك الهدّ، فيغسلك مطرها من حصار الغبار”(ج2، ص307)
كلما اشتدّت عليها ضربات معاول الزمن والمجتمع؛ لتحطّمها، تبدأ بتجميع روحها المبعثرة في قصة، تجد فيها تطهيراً من كل غبار الحقد والبشاعة والظلم! لهذا جعلت الحكاية تكافئ (المطر) بكل ما يحمله من دلالات الخصب والتطهّر!
كتبت رواية بعد صراعها الطويل مع المرض، بعنوان لافت “صديقي السرطان” لم تكملها للأسف، على حد علمي، ولا أعرف مصيرها!
ثالثاً: جعلت الأمل إيقاع حياتها:
لم تكن معاناة اعتدال رافع في هذه الحياة بسيطة (عانت الوحشة والمرض والغدر والظمأ للحب) لهذا وصفت ألمها بـ(العظيم) لكنها لم تستسلم إليه، بل رأت أن تواجهه، وتبحث عما يخبّئه في جعبته؛ لهذا جسّدته حكيماً، ينصح الناس جميعاً عبر خطاب عام (بصيغة الجماعة) فيقول لهم: “وظفّوا أوجاعكم من أجل الحياة والمستقبل.
الخطوة الأولى على درب هذا الألم العظيم أن ننتمي إليه بإخلاص، ولأنفسنا، ولأصغر الأشياء في هذا الوطن.
وأن نتجاوز الماضي بكل عقده وذنوبه وتقديس موتاه، وأن نرأف “بشقلبة” صفحات التاريخ، التي اهترأت، ورفاة الأجداد، التي تبخرت من كثرة عبثنا بها. حتى نسخّر وجودنا المنسجم الإيقاع…للحياة…”(ج2، ص522)
يبدو أن الألم العظيم، يخلق نفوساً تماثله عظمة، فتستطيع أن تبدعه حروفاً، تقاوم الموت، لتزهر حياة ومستقبلاً أفضل، يحس المتأمل أن الكاتبة تحوّلت إلى مدرب في التنمية البشرية، لكن بلغة أدبية ساحرة: (وظفّوا أوجاعكم) لا تستسلموا لها، ابحثوا لها عن دور إيجابي في حياتكم، لا تدعوها تدمركم، وتسلّمكم لليأس، وكي لا نتيه، تحدد لنا اعتدال رافع (الخطوة الأولى) إذ يتوجب علينا أولاً أن نتقبل هذا الألم تقبلا يتجاوز الاستسلام العاجز المقهور؛ لنصل حد الرضا و(أن ننتمي إليه بإخلاص) لا يعرف الكسل أو الضعف! وبما أن الانتماء عادة يترافق مع مشاعر إيجابية، لذلك لا ضير في أن ننتمي إلى الألم، مثلما ننتمي إلى (أنفسنا، وأصغر الأشياء في هذا الوطن) عندئذ نقوى، فنستطيع تحقيق ذواتنا.
أما الخطوة الثانية، فهي أن نعيش اللحظة الحاضرة (وأن نتجاوز الماضي بكل عقده وذنوبه وتقديس موتاه…) فلا نجلد أنفسنا على أخطاء، ارتكبناها في الماضي، كما لا نقدّس الموتى، فنحوّل أنفسنا إلى أسرى لهم! إننا حين نمتلك إرادة العيش في زمننا الحاضر، نحارب عزلتنا، مثلما نحارب عقلية القطيع، كأن اعتدال رافع تريدنا أن نعيش الابتكار (حتى نسخّر وجودنا) فنجعله (منسجم الإيقاع…للحياة…) في حين يبدو التقليد موتاً ترفضه، ما يهمها هو القدرة على تحويل الألم إلى مشعل أمل وعمل، فلا يبهظ وجودنا في الحياة، بل يحقّق انسجاماً مع إيقاعها!
نجد الكاتبة حتى في أشد لحظات مرضها حلكة، حين اقترب الموت منها، لا تستسلم له، بل تطلب منه، أن يفسح للأمل برهة حضور: “أيها الموت../أمهلني…/ لحظة/ ساعة../ عمراً./ ثمة وردة لم أشمّها بعد/ وحلم انتظرته دهراً/ وأمنيات خبّأتها في جيوب طفولتي/ أريد أن أذهب إليك/ خفيفة من أثقالي/ أيها الموت لو تنساني/ ثمة نجمة لم ألمسها بعد/ وقمر لم تكتحل عيناي به/ وشمس لم توشّم جلدي/ وعناق انتظرته في كل محطات العالم/ وأغنية لم تشربها روحي/ وحكاية أريد أن أنهيها/ أيها الموت/ يا صديقي ورفيقي الأبدي/ هناك كتاب لم أقرأه بعد/ وتفاحة لم يشاركني بها حبيبي”(ج2، ص208)
لا تبدو خائفة من الموت؛ فهي تناديه بـ(يا صديقي ورفيقي الأبدي) فقد اقتربت منه أثناء المرض وعلاجه؛ مما جعلها ترى الحياة بعين جديدة، إذ يزداد نهمها إليها، بعد أن اكتشف ذاتها، وتعرّفت رغباتها، التي أنعشها الأمل؛ الذي تجعله مكافئاً لمعاني الجمال في الطبيعة، فهي تريد معايشتها، وتأمل كنوزها، فتنفتح أمامها آفاق جديدة، عندئذ تتذوق طعماً آخر للحياة (وردة لم أشمّها بعد/ ثمة نجمة لم ألمسها بعد/ وقمر لم تكتحل عيناي به/ وشمس لم توشم جلدي) كما تراه مكافئاً للفن الراقي، إنه (أغنية) توقظ روحها، وتفسح الطريق أمام (حلم) ينقذها من بؤس الحياة، افتقدت فيها الحب؛ لهذا بدا الأمل مكافئاّ لـ(عناق) بحثت عنه، ولم تجده (في كل محطات العالم) لكنها مازالت ترغب في (تفاحة) تقتسمها مع الحبيب! لعل ما يدهش المتلقي أنها تجد في هذا الأمل حافزاً للإبداع، تستطيع بفضله أن تستمهل الموت؛ لتنهي (حكاية) بدأتها، كما تحسّه مكافئاً لـ(كتاب) تريد أن تقرأه؛ لتستمتع عبر الخيال بمغامرة فكرية وروحية، تتيح لها أن تعيش حياة أخرى، تضاف إلى حياتها، إنها تبحث عما يضفي عليها البهجة، وينقذها من بشاعة الواقع! وكذلك تريد أن تجعل الأمل مكافئاً لـ(أمنيات خبّأتها) وحلمت بها منذ (طفولتها) وتحلم أن تعيشها، فأرادت أن تعوّض عن حرمانها أجمل سني عمرها بالإبداع والثقافة والجمال؛ لهذا جعلت كل تلك الدلالات مكافئة للأمل بحياة أكثر متعة وجمالاً.
وفي حالة شعرية أخرى تلح على أن الطبيعة هي نبع الأمل؛ لهذا نجدها تتماهى معها، إذ تود أن تعيش سيرة نهر، لتستمد القوة من كفاحه وحيويته وعطائه “يضيق النهر بمجراه…/ يحفر قدره بروحه…/ ويتدفق إلى البحر/ أقلّد النهر/ بأظفاري وأسناني أحفر مجرى إليك…”(ج2، ص233)
تريد أن تشكل مصيرها، وتبتكر مجرى جديداً لحياتها، بعد المرض، لهذا حفرت قدرها بروحها كالنهر، بل تمعن في توضيح كفاحها الصعب هذا، لتبين للمتلقي مدى معاناتها في المقاومة (بأظفاري وأسناني أحفر مجرى إليك) قد يصح ضمير المخاطب (إليكَ) أن يكون الأمل، الذي يتماهى مع الحبيب!
وبذلك قوّت نفسها بتأمل الجمال بكافة أشكاله (الروحية والثقافية والطبيعية) ورأت فيه قوة أمل، يسعفها على مواجهة المرض والموت! رغم أنها تعترف بأن “الليل طويل” لكنها تخبرنا “أنا لا أتعب من انتظار انبلاج الصباح”(ج2، ص45) فهي ترفض الاستسلام لظلمة اليأس، وتملك إرادة الأمل والقدرة على الحلم؛ وبذلك تجدد روجها، وتقوي عزيمتها!
رابعاً: جعلت الحلم ملاذها
لن يستطيع الأمل وحده مساندة الإنسان أمام المرض واليأس…الخ، لابد أن يرافقه الحلم؛ لهذا تخبر اعتدال رافع المتلقي بأن “الهم اليومي شاق بلا أحلام” إذ يحول الحياة إلى رعب قاتل!
عايشت طويلاً حلم الطيران، الذي هيمن عليها، منذ طفولتها، وحين كبرت، هاجمتها صعوبات كثيرة؛ لتسرق طريق ذلك الحلم! لكنها أصرّت على التمسك به، بحثت عنه في حياتها وفي كلماتها! حتى يكاد يحس المتلقي أنه بات مكافئاً دلالياً للأمل، به أنقذت روحها من بؤس حياة موشومة بالوجع!
“الحياة ترف يا شهرزاد، لا تبخلي أو تتباخلي بدفع ثمنه مهما كان باهظا. ما بين شهقة الصباح وزفرة الغروب، ينفسح مشوارك جناحاً، نابض الأهداب، قلق الخطوات بالتوق إلى حلم: هو واحة خضراء وشبع”(ج2، ص307)
إنها تدفع ثمن حياتها وجعا، يتجلى في (شهقة، وزفرة) لكنها تفتح باب الأمل بفضل امتلاكها (جناحاً) يهبها القدرة على الطيران، صحيح أنه يرهقها (قلق الخطوات) لكنها تنتصر بفضل (التوق إلى حلم) تجعله يكافئ في الدلالة (واحة خضراء) والإحساس بالاكتفاء والـ(شبع)
يفتح الحلم لديها عوالم داخلية، تمنحها أوكسجين الإبداع؛ لهذا بدا التوقف عن الكتابة لديها موتاً، نسمع صوتها يقول: “أن أكفّ عن الكتابة، معنى هذا أنك تمنعني من الضوء والتنفّس، وحقي في الحلم، فهذا الكون على اتساعه المزعوم، ضيّق…ضيّق على رئتي…وهابط على مداي…أكتب كوناً، حلماً ضمّني، وأنا طفلة، عندما تلقيت أول صفعة…يكبر الكون، وتضيق الصفعات، وأرفع رأسي مثل سنبلة”(ج2، ص459- 460)
الكتابة لديها تكافئ دلالات الحياة: (الضوء والتنفّس) مثلما تكافئ القدرة على (الحلم) الذي يستطيع أن يوّسع حدود الواقع؛ ليشمل (الكون) الذي تعيش فيه، وهو في نظرها (ضيّق) بائس من دون حلم؛ لهذا تكرر هذه الدلالة، التي توحي بالاختناق، بل تحدد مكانها (ضيّق على رئتي) في حين تعدّ الكتابة لديها (كوناً) جديداً ومخلّصاً، تجعله يوازي (حلماً) يحنو عليها؛ لهذا تروي للمتلقي مشهداً، استطاع الحلم أن ينقذها من البؤس، فقد عانت من قسوة الكبار، وهي (طفلة) حين تلقت (أول صفعة) دون أن تفصح عن ماهيتها: هل هي قسوة الأم، أم الزواج المبكر، أم فارق السن بينها وبين زوجها، أم …عندئذ بحثت عن خلاصها بالحلم، أي عن حياة جديدة (يكبر) فيها (الكون) فتعيش جمالها، وتتخفف من صعوباتها، إذ (تضيق الصفعات) إنها بذلك تحقق خلاصها، وتحس بذاتها، فتشمخ بكيانها وبأحلامها (مثل سنبلة) عرفت بعض أفراح الحياة في العطاء والإبداع!
يضاف إلى قسوة ظروفها معاناة أخرى، تعيشها المرأة المثقفة، التي رفضت أن تعيش حياة تقليدية، لكن المشكلة أن الثقافة زادت من إحساسها بالقهر والوحشة والاغتراب، فلا تجد عزاء لها سوى الحلم، الذي تنسبه إلى الجموح والجنون؛ لهذا نسمعها تقول: “خرّبتني القراءات بقيت أنا…أنا طوال هذا العمر، صرخة في قفر، أدفع عن نفسي الاغتراب، بالوحشة، تلفظني الوحشة إلى جنون الحلم”(ج2، ص466)
تبدو الكتابة لديها صنو القدرة على الحلم، وهي تلفت النظر إلى أن استسلام المرء لقسوة الحياة، يعجزه عن العيش والإبداع معاً، إنها لا تنزّه نفسها عن إصابتها بهذا العجز، أحياناً، لكنها سرعان ما تحاول التخلص منه! لعل تصوير تلك الحالة خير طريق لتصعيدها والتخفّف من ثقل أحزانها! التي تجاوزت قدرة قلبها على التحمل!
تاه الحلم منها في هذا الزمن الرديء، حتى إن المتلقي يلاحظ، أحياناً، أنها تتهمه، وتجعله مسؤولاً عن آلامها، إذ تخبرنا بصوت (أناها) المعذبة: “أفسدتني الأحلام…وقصّتني. عندما تجندلكِ سياط العراء، وأنت دون العشرين، وجسدك لم يكتسب خشونة اللمس والريح، تبكين سنوات الوأد، وتحنين إلى رحمتها”(ج2، ص466)
تنقل في هذا المشهد قهر الأحلام، التي مزّقت حياتها بلغة عنيفة (قصّتني، تجندلكِ السياط، الوأد…) وقد جاء (ضمير الأنا) ليبرز بصوت مؤثر سيرتها طفولتها البائسة، وهي (دون العشرين) فقد صرعتها (سياط العراء) إذ تحس أنها مكشوفة لنظرات تجلدها! تراقبها، لتلاحقها بالعقاب؛ لهذا تنتقل من صيغة المتكلم إلى صيغة المخاطب؛ لتلخص حياتها وقهرها، حتى تحولت ذكريات طفولتها إلى بكاء (سنوات الوأد) إن ما يؤلمها، أن الزمن، زاد في قهرها، حتى رأت تلك السنين أرحم من سني الشباب والكهولة! لذلك تنسب الـ(رحمة) إلى الوأد، فما عاشته في سن النضج أفظع بكثير، مما عاشته في سن الطفولة!
رغم ذلك كله، لا مفرّ من العودة إلى الحلم، إنه يقدّم لها بعض العزاء، ويحفّزها على الكتابة؛ كي تستمر في الحياة: “أكتب فرحاً لأضحك … لا قيمة للحياة دون حلم. والحالمون عبر التاريخ والحاضر كانوا فرسانه وعشّاقه الحقيقيين، حتى لو كانت الكلمة موتاً”(ج2، ص460)
رغم أن الأحلام أفسدت حياتها، لكنها لم تستطع أن تعيش دون حلم، فلا معنى لوجودها دونه! وهي لا تجعل ذلك أمراً شخصياً، يمسها فقط، بل يمس جميع الناس في الماضي والحاضر، فـ(الحالمون) هم في نظرها من يصنعون التاريخ والجمال والفن، إنهم أولئك الذين يكتبون حلمهم بدم قلوبهم، فتكون كلمتهم (موتاً) ليعيش الآخرون، ويتمتّعوا في حياتهم مستفيدين من تجاربها!
خامساً: قاومت البؤس بالثقة بالنفس والفخر بالأنوثة:
لعل ما أنقذ اعتدال رافع من القهر والمرض امتلاكها روحاً سمحة، لا تعرف الحقد، فقد غمرتها بإشعاعات الحب والثقة بنفسها، فلم نجدها ترفض أنوثتها، بل كانت فخورة بها، رغم معاناتها من سياط المجتمع المتخلف، التي انتزعت منها أفراح الطفولة والشباب!
لم تكن معنية في كتابتها بتقديم معاناتها عبر صوت الأنا فقط، بل نوّعت في استخدام الضمائر، لتفسح المجال لتقديم صوت المرأة في مجتمع شرقي، يحاصر أحلامها؛ فترافقها شتى الآلام في رحلة حياتها؛ لهذا يجدها المتلقي تستخدم صيغة المخاطبة المفردة؛ لتحسّ كل امرأة أنها المقصودة؛ وتحفزّها على الرضا بأنوثتها، وبذلك يعمّ خطابها جميع النساء: “أن تكوني امرأة/ هذا ألم/ تتألمين حين تصيرين صبية/ وحين تصيرين حبيبة تتألمين/ وتتألمين حين تصيرين أماً/ لكن ما لا يطاق على الأرض/ هو أن تكوني امرأة/ لم تعرفي كل هذه الآلام كلها”(ج2، ص16)
تخالف اعتدال رافع، هنا، أفق توقع المتلقي، إذ تبدو متمسكة بألم، يصبغ حياة المرأة من المهد إلى اللحد، كأنه بات مكافئاً لكلمة امرأة، ومع ذلك تدعوها بتلك اللهجة العامة أن تتمسّك به، فهو سر وجودها على الأرض؛ لذلك فهي تعدّه نبع التفرّد والخصوصية في الحياة، إنه سر إبداعها وعطائها!
يلاحظ المتلقي أنها تغوص في أعماق ذاتها عبر لغة (الأنا) لتخبره بلغة حميمية عن أدق خوالج نفسها، فهي ليست ممن يكرهون ذواتهم، أو يرفضون جنسهم “يا إلهي…/ لك الحمد؛ لأنك خلقتني أنثى في هذا الزمن المطموس الخلقة والثغر، ولا ضير إذا خضت كل يوم معركة ضارية أبصق فيها نتفاً من قلبي…”(ج2، ص335)
إنها رغم كل الآلام، تعيش راضية بما منحها الله من تفرّد؛ تشكره لكونه خلقها (أنثى) فقد رأت في الانتماء إلى الأنوثة ميزة، تقويها، إنه انتماء إلى رهافة الحس، فتقاوم زمناً مشوّهاً وحشياً (مطموس الخلقة والثغر) يُقهر فيه الإنسان! وقد أبرزت معاناتها فيه، حتى باتت حياتها (كل يوم معركة ضارية) وكي تقنع المتلقي بقسوتها، لجأت إلى لغة التصوير، فهي خلال هذه المعركة، تبصق (نتفاً من قلب)ـها، ومع ذلك تقاوم أوجاعها، وهي تردد: (لا ضير) إذ تنظر إلى ما وهبها الله من نعم لا تقدّر، مقابل ما أخذه منها، أي تنظر إلى ما تملكه لا ما حُرمت منه، وهذا ما يهبها قوة روحية؛ لهذا تناجي ربها شاكرة: (منحتني القدرة المميتة على الحب) أي منحها طاقة إيجابية، تجعلها تواجه قهر الحياة، التي تراها توازي (القوانين والشرائع والحروب) التي ابتكرها البشر لتعاستهم وإلغاء إنسانيتهم! لكن المرأة تقاوم ذلك، بأن تدين بدين الحب على حد قول ابن عربي! وبذلك تحافظ على براءتها، التي ولدت معها؛ وما أقل البشر، الذي ينهجون هذا النهج؛ لهذا تشكر ربها، وتفخر بأنوثتها، التي تراها مكافئة للحب.
سادساً: أنقذها من المرض أنها آمنت بالحب، وجعلته هوية لها:
تعرّف اعتدال رافع الأنوثة بـ”القدرة المميتة على الحب” أي العطاء دون مقابل، وهي بذلك لا تساعد الآخرين فقط، بل تساعد نفسها، إنه خير تعبير عن ذاتها!
إنها من أولئك الحالمين بأن يشمل الحب كل البشر؛ لهذا جعلت (السيادة) له، فهو المنقذ من الضياع والضعف والقهر! لهذا نسمع صوتها ينطق بصيغة جماعة؛ ليأمر الجميع: “تعلّموا الحب حتى تتعملقوا به، إنه غابة متشابكة ملتفة الجذوع والفروع.”(ج2، ص522) وبذلك تستطيع البشرية أن تزهر وتكبر بعيداً عن الحرب والكراهية! إنها تحتاج الحب، فتجعله (غابة) تنعش الروح بجمالها وعطائها!
إن هذا النوع من الحب العام، لم يلغِ حاجتها لحب رجل، انتظرته عمراً كاملاً، و”مازالت” وقد وصفته بعد أن رسمته بريشة الأحلام والرغبات “فارساً، شديد البأس والسمرة والغضب، يترجل عن حصانه، ويأخذ بيدكِ، ويخطفك ويطير بك إلى عالم مفلوح بالحنان، ويطول الانتظار…ويخبو بريق العينين… وتسري البرودة في الجسد والأحلام…وتقولين: اليد يبست من انتظار اليد الأخرى، التي توشوشها…وماتت اللهفة في القلب…”(ج2، ص535)
حين نتأمل صفات الحبيب، نجدها تقليدية تارة (شديد البأس والسمرة) لكنها تفاجئ المتلقي بصفة (الغضب) لتجعله مكافئاً للحمية وعزة نفسه، كأنها تخبرنا بأنه يغضب لانتهاك كرامته! تمزج الكاتبة صورته بأحلام غضة مستمدة من حكايات ألف ليلة وليلة (يترجل عن حصانه، ويأخذ بيدك، ويخطفك ويطير بك) ومن رغبة ملحة أن تعيش معه مشاعر جميلة مزروعة (بالحنان) انتظرتها حياتها كلها!
رغم بساطة هذا الحلم، لن تلتقي إلا بالخيبة والإحباط، التي تسلبها رونق الحياة (يخبو بريق العينين… وتسري البرودة في الجسد والأحلام.) فلا تجد مكافئاً فنياً سوى الذبول واليباس والموت، فقد بحثت عن يد تدفئها بالحنان، وتهمس لها بالحب، فلم تجد، عندئذ (يبست) يدها، ولم تجد من يرويها، أما قلبها فقد (ماتت اللهفة) فيه! وبذلك بدا فقدان الحب معادلاً لفقدان الحياة!
نجدها تتحدث عن الحب بصيغة الجماعة، لعلها تتجنب الحرج في الإعلان عن رغبتها في عيش لحظة حب، وهي مازالت تحتفظ برونق الشباب “قبل أن تغادرنا الخضرة إلى بلاد العصافير، وتتدلى أثداء ممطوطة مثل القرب الجافة، ارتديت قميصاً وبنطالاً بلون الأشجار وقلت علني أصير شجرة، وأنعتق مع الغيم والريح والشمس، فالتوق ما زال يرتعش فوق أهداب الملوحة، والبحر في القلب محاصر، والأغنية مذبوحة في الحنجرة، أتنفّس الغيم الراعش الثقيل بزخم الحنين إلى الهطول، وأدفعه باتجاهك يا حبيبي، وأنتظرك عند حدّ التهاب الخصب والأحلام الليلكية “(ج2، ص442)
تبدو مرحلة الشباب، التي يعيشها الإنسان موازية لـ(لخضرة) إنها تخاف رحيله، الذي يترافق مع تصحر الجسد، و ترهله؛ لذا اختارت رمز الأنوثة الـ(أثداء) لتجعلها (ممطوطة مثل القرب الجافة) يلاحظ المتلقي أنها تمسك بالشباب حتى في اختيار ألوان ملابسها (بلون الأشجار) مما يعني أن ثمة رغبة في داخلها، أن تعيش حيوية الطبيعية وانطلاقها؛ لهذا تتمنى أن تتماهى مع (شجرة) تحس بطعم الحرية في صحبة (الغيم والريح والشمس) إنها لا تريد أن تستسلم للضعف والبكاء؛ لهذا تريد أن تتخلّص من (أهداب الملوحة) ومن قيود تحدّ جموحها، فلم تجد مكافئاً لاتساعها وصخب تموجاتها سوى (البحر) فهي تعلن عن رغبتها في تحرير قلبها الـ(محاصر) إنها لم تعش جمال الحياة، بل غصصها، التي جعلتها مكافئة لـ(أغنية مذبوحة) تموت قبل أن تطلقها (الحنجرة) ومع ذلك نجدها تقاوم هذا البؤس؛ لتتماهى مع (الغيم) فهي مثله مثقلة بالهموم، لكنها تتوق إلى الحب، فترتعش (بزخم الحنين إلى الهطول) الذي يروي الأرض العطشى، مثلما يروي ظمأها إلى مشاعر، حرمتها الحياة منها؛ لتعيش بعض أفراحها (الخصب) وأشواقها إلى (الأحلام الليلكية)
تتجرأ اعتدال رافع فتعلن معاناتها من مجتمع، تهيمن عليه عادات القبيلة ومحرماتها، التي تخنق الحب؛ لتنتصر قوانيها، التي تقهر المرأة؛ لهذا تضطر لإخفاء مشاعرها؛ لهذا نجدها تكرر هذه العبارة، التي تنضح خوفاً ثلاث مرات في مقالة قصيرة، تختار لها عنوان “احتراق” لتوحي بما تعانيه المرأة من قهر المجتمع ولهيب قمع الحب “أختزنك تحت جلدي شمساً…ولا أبوح…” إنها مستعدة لتحمل ذلك اللهيب، الذي تشبهه بالـ(شمس) فهو أهون عليها من الاعتراف بما تكنّه مشاعرها!
تُعلي الكاتبة شأن الحب؛ لهذا يؤلمها تشويهه، وقد لاحظت أن الجميع مسؤول عن ذلك؛ لهذا تستخدم صيغة الجماعة: “نجرّ الحب إلى ذلنا، نمسخه ونضغطه؛ كي نفهرسه في قاموس ذلنا التاريخي واليومي، ثم نلفظه ونتحاشاه كأنه وباء ؛ لأننا الأصغر والأضيق على احتوائه، نهاياته التراجيدية المحكومة بضيقنا وشحّنا، تمنعنا من الشروع في البدايات، الولادة والفرح، ونبقى معلقين بين البدايات والنهايات، فزّاعات طيور وأطفال، يعلوها الغبار؛ لأن الحب يخلّصنا من كل ما لحق بنا من عبودية ولعنات وإهانات. ..”(ج2، ص454)
يسيطر، هنا، صوت جماعة المتكلمين، الذي يجعل الخطاب أشبه بصيغة اعتراف جماعية، تفضح أفعالاً مذمومة، نقوم بها اليوم، تشوّه الحب (نجر الحب إلى ذلنا) كأن الكاتبة توضّح لنا أن من يعش ضعيفاً ذليلاً، لا يمكن أن يعيش حباً حقيقياً؛ لهذا نسمع صوتاً جماعياً، يقرّ باقتراف بشاعات، تدمّر الحب: (نمسخه ونضغطه) كي نمنعه من الانتشار، فنُميته (كي نفهرسه في قاموس ذلنا) وضعفنا؛ لأننا نجمّده في كلمة، لا نعيشها في حياتنا!
إننا مسؤولون جميعا عن إهمال الحب، وجعله كلمة ميتة في قاموس، وذلك حين نحيطه بأفعال سلبية، فـ(نلفظه ونتحاشاه) حتى بتنا نتعامل معه (كأنه وباء) يتوجب علينا التخلص منه! أما سبب هذه الأفعال، فـ(لأننا الأصغر والأضيق على احتواء) الحب في قلوبنا! فنعيش عاجزين عن استيعاب دلالته الواسعة، التي ترتقي بالبشر جميعاً، إنها بذلك تحمّل الجميع مسؤولية (نهاياته التراجيدية) إذ أجدبت حياتنا بالـ(ضيق والشح) وبات عالمنا محدوداً بالأنانية، لا يعرف اتساع الأفق؛ فصار عاجزاً عن العطاء، يهيمن علينا الخوف واليأس، إنه لم يعد يعرف بشارة (الولادة) التي تعادل القدرة على (الفرح) فنحكم على أنفسنا أن نكون بعيدين عن الحياة، فـ(نبقى معلّقين بين البدايات والنهايات) أشبه بـ(فزّاعات) لا نبض لها، ومع ذلك تخيف الطيور والأطفال، وتخرّب الجمال!
إننا نشوّه الحب؛ لأننا لا نعرف قيمته، ودوره المؤسس للحياة، إذ (يخلّصنا من كل ما لحق بنا من عبودية ولعنات وإهانات) إنه يرتقي بوجودنا، وينقذنا من وحشيتنا وذلنا وضعفا! لهذا تجلت دلالته لديها “حناناً” هو قوام العيش ومعناه.
من أجل ذلك تخاطر الكاتبة، وتمشي في طريقه، بعد أن عزمت على التحرر من قيود مجتمع (الطوطم) الذي لا يعرف قيمة الحب، وهي تدرك أنه معبد بـ(أنين العشاق) وهي لا تكتفي بهذه الصورة، لتجسّد صعوبة الطريق، بل نجدها تصوّره أيضاً عبر مشهد صعود العاشق، فتلخصه بـ”الصاعد نزيفاً إلى أحلامه” رغم ذلك تصرّ اعتدال رافع على السير فيه؛ لهذا تقول: “أستجمع كل شجاعتي وفصاحتي، وأنا أمنع لساني من التلعثم… “(ج2، ص454)
إنها تجنّد كل قدراتها من أجل أن تعيش معاني الحب النبيلة، لكن ما يؤثر في المتلقي أنها ستجند قدراتها الإبداعية (فصاحتها) للدفاع عنه، ولن تسمح لضعف أو خوف، تراه مكافئاً لـ(لتلعثم) الذي يجسّد عجزها، حين يهيمن عليها، ويمنعها من الحب!
كما أنها توثّق لخجلها وتلعثمها، حين تخاطب حبيبها : “حقاً..إنني لم أبثّك لواعج عشقي. فأنا أؤمن بالتخاطر والتواصل، عبر لهاث المسام وأهداب الملوحة، وبريق العيون… (ج2، ص443)
إنها تخبر الحبيب أنها لا تستطيع التصريح بمشاعرها المضطرمة عشقاً، لكنها تبحث عن طريقة أخرى تبثها، لا يدري بها أحد سوى الحبيب (التخاطر والتواصل) الروحي، وعن طريق تفاصيل صغيرة، تتبدى بها مشاعر شوقها (لهاث المسام وأهداب الملوحة، وبريق العيون)
تخالف الكاتبة أفق توقع المتلقي، حين تعبّر عن الحب بلغة، تفوح منها السلطوية الاستعمارية: “الحب يحتلني منذ حواء…أبارك هذا الاحتلال.
وما الغصّات سوى جنود قمع، حشدت في صدورنا، وفوق رؤوسنا، وتحت وسائدنا. وعلى نوافذ أعتابنا؛ لنختنق بالعنوسة والجدب، والفضيلة الخالية من الفضائل… “(ج2، ص536)
لا تتحدث الكاتبة عن إعلائها لشأن الحب وحدها، بل تعمم لغتها؛ لتشمل جميع النساء (منذ حواء) أي منذ بداية الخلق، يتماهى صوتها بصوت المرأة؛ فتنطق بصيغة المتكلم المفردة (يحتلني…أبارك هذا الاحتلال) أو الجماعية (صدورنا، رؤوسنا، وسائدنا)
يحس المتلقي، هنا، أن تقديم مشاعر الحب بلغة الاحتلال (سواء أكانت فعلية أم اسمية) أمر ينافي رقة وجمال دلالة الحب، لكنها أفلحت في استخدام لغة استبدادية (جنود قمع) من أجل تصوير قهر المجتمع للمرأة، إذ (يحشد) أدوات القمع، التي يحاصر بها أعماق المرأة في صحوها ومنامها، في داخل بيتها وخارجه، وهي تحدد هدفه (خنق) الحياة والخضرة، ونشر الحرمان والجوع وادعاء (الفضيلة) وبذلك تمنع المرأة من عيش الحب بكل صفائه، إذ تبرز لغة القمع وما يكافئها من (غصّات) تنكد عيشها!
سابعاً: كي تنقذ روحها ابتكرت لغة الفرح في لحظة لقاء بلغة الحب:
قلما نصادف لدى اعتدال رافع لغة الفرح، وما يدهش المتلقي أنه يجدها في مقالة، بعنوان “صراخ” يحمل دلالة نقيضة لتلك اللغة، فكأنها تلجأ إلى التنويع بين إيقاع الحزن والفرح؛ لتنقذ كلماتها من الملل؛ لتقدّم حقيقة الحياة، التي لا تقوم على وجه واحد أبداً، لهذا تختار للحبيب اسماً رمزياً موحياً بالفرح (أبو الشوق) مثلما تحدد الفضاء الزماني والمكاني بيروت (قبل الغزو والمارينز) أي قبل (1982) وقد أخبرها بأنه ترك بيروت الحرب، وسافر إلى (نيوجرسي) بعد ذلك أعلنت عن مكانته في قلبها بصيغة الأنا “بودي لو أتواصل معه دائماً تواصل الصوفيين والعشاق، قبل الغزو والمارينز، عبر الهاتف كان صوته يأتيني ندياً بالطفولة مفلوحاً بأوجاع الغربة، عذباً كرنين الأجراس، ينسكب في أغنية تهدهدني كل يوم، أطير كمنطاد ملون، تسري فيه أنفاس مكاغاة طفل اسمه –الفرح- ويزرعني خميلة من الأنس في غابة الأنصاب الحجرية” (ج2، ص525)
يتبدى الحب لديها، عبر لغة تتأرجح بين الروح والجسد، إنه أشبه بـ(تواصل الصوفيين والعشاق) وحين نتأمل هذه اللغة، نجدها تميل إلى الجانب الروحي، إذ تبدو العلاقة مع الرجل عن بعد؛ لهذا تصف إيقاع نبرته (عبر الهاتف) بلغة فريدة تجمع الألم والفرح معاً، إنها لغة إنسان مهموم بقضايا عامة مثلها؛ فبدت ملامح صوته مرسومة بطريقة متفردة، إذ قدّمته عبر صورة بصرية، فجعلته (مفلوحاً بأوجاع الغربة) ثم أضافت إليه صفات العذوبة والبراءة، فبدا (ندياً بالطفولة، كرنين الأجراس) لذلك تحس بأن إيقاع صوته (ينسكب) في روحها مثل (أغنية) تنعشها، وتحنو عليها؛ إذ تحمل لها رسالة فرح يومي، لهذا تجعلها مكافئة لفعل يقترن في المخيلة بفرح أغنية (تهدهد) بها الأم طفلها؛ إنها لا تجد معادلاً للغة (الفرح) والحب سوى (مكاغاة طفل)
تبدو خصوصية اعتدال رافع، هنا، حين لم تجد مكافئاً للغة الحب سوى أفراح الأمومة والطفولة معاً! وحتى حين أرادت أن تصوّر مشاعرها الفرحة،لم تجد ما يوازيها سوى تجسيدها بفعل يلازم مخيلة الأطفال (أطير) وتتمادى في التصوير، فتشبّه نفسها بـ(منطاد ملون) يحبه الصغار، أسبغ خيالها عليه الحياة، فحرّكته بـ (أنفاس) محبة، فقد أحسّت أن صوته يبثّ الجمال في روحها؛ لهذا ترسم كلماتها له صورة مدهشة، فنسمع صوتها يقول: (يزرعني خميلة من الأنس) تشعرها بالأمان والدفء في ظلال الجمال والحنان، وبذلك يبدو نقيضاً لعالم وحشي، يحيط بها، تشبهه الكاتبة بـ(غابة الأنصاب الحجرية) التي تبثّ البرودة والجمود، وتدمر التواصل الإنساني! وقد استطاع صوت الحبيب أن ينقذها من كل هذه البشاعة!
وحين أصاب اعتدال رافع المرض، بحثت عن “فرح صغير” يخفّف شدته، التي جعلتها تعيش لحظات “بين موت وموت، بين صلب وصلب” ففي لحظة يضيق فيها الأمل، ويهيمن عليها الوجع واليأس، نجدها تبحث عن نور، حتى لو كان ضئيلاً؛ كي يزوّدها بالقدرة على متابعة الحياة، فترى الجمال، الذي يخفف وطأة الألم!
وبما جّبلت عليه من رغبة في العطاء؛ نجدها تهتم بغيرها، فتخاطب “المبدع” وترشده كيف ينقذ روحه من الألم والضعف؛ كي لا يسقط في هوة الانهيار والموت؛ لهذا تستخدم صورة، يلمح فيها المتلقي دعوة من يعاني الاقتراب من الموت، لكنه يبحث عن خلاصه، فيفرّ إلى الحياة، إنه”يترجّل فيه عن احتضاره وخشيته، يسقسق أوجاعه وتعبه، ويستمر في الاحتضار…
من أجل زرع النجوم واكتمال القمر وتقريب ضحك السنابل إلى شغاف القلب”(ج2، ص249)
تبدو دعوتها إلى الفرح وجهاً آخر لمقاومة الموت؛ لهذا ترسم تلك الدعوة عبر صور، تستمد ألوانها من عالم الفروسية؛ لتوحي بأن هذا العمل البطولي، يحتاج إلى إنسان، يملك شخصية فارس وشجاعته في أن (يترجّل) عن صهوة (احتضاره وخشيته) التي تكافئ دلالة المرض الجسدي، وما يرافقه من مرض نفسي، يورثه الخوف من الموت، وبذلك تراه مبدعاً قادراً على تصعيد ألمه وخوفه عبر الإبداع، ومما يدهش المتلقي أن مخيلة الكاتبة، تصوّر تحويل الوجع إلى جمال عبر فعل، يوحي بالفرح (يسقسق) وأسندته إلى (أوجاع المبدع وتعبه) وبذلك تدله على طريق، يقاوم فيه موته، الذي لن يستطيع الانتصار عليه نهائياً، إذ (يستمر في الاحتضار…) وعليه أن يستمر معه في المقاومة و(الزقزقة) كي يحسّ بالفرح، وهذا ما يمنحه القدرة على الإبداع، أي (زرع النجوم واكتمال القمر وتقريب ضحك السنابل) وبذلك يتماهى وجع الإنسان لديها بالجمال وبالكون، مما يمنح الإبداع بصمته الخاصة، يستطيع بفضلها أن يمسّ (شغاف القلب) أثناء التلقي!!!
لعل ميزة اعتدال رافع أن لغة الفرح لديها لا تبدو طليقة، إذ لم تستطع تنجو من نقيضها: لغة الحزن “في هذا البرد القفر، أحمد الله؛ لأنه خلق لي جلداً، يلمني، وأختبئ به، ويدفّئني.
في المساء، عندما ينام الصغار، أندس فيه، وأبكي…من الفرح.
يا حيف”(ج2، ص536)
تعاني المرأة العاملة، هنا، من القهر والوحدة (البرد القفر) فهي تعيش شتاء لا حب فيه، فتغصّ بالوحشة؛ إنها تبحث عن الدفء، فلا تجد، لن تنهار، بل نجدها تستمد القوة من داخلها، كي تستطيع متابعة حياة قاسية؛ لذلك تشكر الله لأنه خلق لها (جلداً) تجمع فيه عزيمتها، و(تلمّ) شعثها وحرمانها، إنه ملاذها الوحيد، الذي (تختبئ) فيه من ظلمة أيام باردة موحشة، بعد أن (ينام الصغار) مساء، وبذلك تغوص عميقاً، لتقوّيها، فتعتمد على جلدها، الذي يضم روحها المتعبة وجسدها المريض، فتجعله مكافئاً لعزيمتها، إنه تعويض عن الحبيب؛ لذلك (يدفّئها…وتندس فيه) لكنها لن تستمتع بتصالح دائم مع ذاتها، إذ سرعان ما يعاودها الإحساس بالحرمان، وينغص عيشها؛ لهذا تلجأ إلى السخرية، لعلها تحقق بعض التوازن النفسي! فتستخدم لغة الفرح في سياق يجمع النقيضين (أبكي…من الفرح) ومما يؤكد ذلك استخدامها في خاتمة المقالة كلمة (يا حيف) لترسل للمتلقي رسالة، توحي بما يضطرم في أعماقها من إحساس بالظلم والقهر.
أعتقد أن ما يميز اعتدال رافع هو استمرارها في ” الحنين” إلى ” ومضة الفرح” رغم كل الأحزان والإحباطات، التي هاجمتها؛ لتسحق حياتها، وتحوّلها رماداً، لكنها أفلحت في مقاومتها، حين حوّلتها إلى حروف مبدعة!
أخيرا لابد أن أشكر وزارة الثقافة، التي أدخلت الفرح على قلب اعتدال رافع في أيامها الأخيرة، حين طبعت أعمالها الكاملة، فكان ذلك خير تكريم لها في حياتها.
وقد حاولت تكريم صديقتي اعتال رافع بطريقتي الخاصة، فألفت كتاباً سيصدر عن وزارة الثقافة، بعنوان “اعتدال رافع وإبداع الوجع”

المجلة الثقافيه الجزائريه

Previous post دور رعاية للمسنين في بلجيكا ستبدأ تلقي اللقاح
Next post المصادقة على اتفاق بشأن بريكست مستحيل
%d مدونون معجبون بهذه: