الأزمة الاقتصادية الرأسمالية جراء الكوفيد 19

محمود محمد ياسين

شبكة المدار الإعلامية الأوربية …_ لطالما تذكر الناس، وخاصة بعد تفشى جائحة الكورونا، رواية “الطاعون – The Plague” للكاتب الفرنسي البير كامو؛ فاذا تركنا جانبا النسخة “الوجودية” التي يعتقد فيها الكاتب وموقفه الفلسفي بشكل عام الذي جسدته الرواية، نجد ان تصوير تأثر وتفاعل عدد من الشخصيات تجاه الطاعون في البنية السردية جاء بشكل أكثر عمق من أعمال العديدين الذين كتبوا الروايات والقصص المتعلقة بموضوع الأوبئة. يتذكر قارئ “الطاعون” قول الراوي الطبيب (وهو جزء من الرواية) عندما رفض إضفاء البطولة عليه لمحاربته للطاعون:

” ليس هناك أي بطولة في كل هذا. إنها مسألة نخوة مشتركة. هذه فكرة قد تجعل بعض الناس يبتسمون، لكن الوسيلة الوحيدة لمحاربة الوباء هي الدماثة المشتركة “

إن انتشار الكوفيد19 وما تلاه من تعامل الناس مع آثاره في مجتمعاتنا المحلية في المنطقة الإفريقية والعربية كشف عن مواقف ومبادرات عظيمة في مجال مساعدة المواطنين لبعضهم البعض واقتسام الطعام وغيره من احتياجات الإنسان الضرورية وعون كبار السن من النساء والرجال المحدودة حركتهم. كما أظهر المواطنون في هذه المجتمعات الالتزام بالعزل المنزلي والتباعد الاجتماعي لإبطاء تفشى الوباء. حدثت هذه التفاعلات البشرية كلمحة مشمولة بالأريحية في مجتمعات فقيرة ترفع الدولة يدها تماما عن توفير الكثير من مقومات الحياة الأساسية للمواطن ويقل متوسط دخل الفرد فيها عن 300 دولار سنويا.

لكن هذه الدماثة في هذا المجال تبدو قاصرة على المستوى الشخصي الخاص بتكاتف غمار الناس على تغلب قسوة الحياة وخاصة في المجتمعات الفقيرة التي ظلت تعاني لقرون من الحرمان وشظف العيش. فالصورة تختلف إذا وسعنا نظرنا ومددناه نحو حيز العلاقات الدولية حيث نجد أن الدماثة يحل محلها، في الواقع الذي تشكله الجائحة، ما يشي بصراعات ضارية بين الدول تؤدى لتغيرات جيوسياسية عميقة.

إن المدى الواسع للإغلاق الذي شمل الصناعات ودور التعليم والمجالات الجوية والبحرية والعزلة الاجتماعية من المنتظر أن تكون له تداعيات وخيمة على اقتصادات دول العالم. فالوباء وما يحمله من انعكاسات سلبية كبيرة على الاقتصاد العالمي نتيجة للإغلاق يضيف بعدا جديدا للازمة الاقتصادية العالمية التي تتمحور حول ما يدور في الدول الرأسمالية المتقدمة. فالتراجع الاقتصادي المتوقع في هذه الدول في هذه الحالة يتمايز عن أزمات الرأسمالية النموذجية (typical) النابعة من طبيعتها نفسها؛ (هذا بالطبع مع عدم إغفال العلاقة الجدلية المتواصلة الكامنة في التناقض بين نظام الإنتاج الرأسمالي ومكونات الطبيعة) لكننا نتحدث هنا عن الحالة المحددة للتأثير الذي يحدثه الكوفيد 19 والسرعة المذهلة التي تسرب بها من معمل في مدينة ووهان الصينية ليعم جميع أنحاء العالم في بضعة أشهر.

إن الأزمة الاقتصادية الرأسمالية تختلف اختلافاً بيناً عن أزمات العهود السابقة لها (العبودية والإقطاعية)، إذ كانت الأزمات آنذاك ترجع للعوامل الطبيعية كالجفاف والفيضانات. لكن بجانب تعرضه لأزمات بدرجة أو أخرى نتيجة عوامل طبيعية، فإن عمل قوانين الإنتاج الرأسمالي يقود الى أزمات لم تعرفها البشرية من قبل. وبإيجاز شديد فإن الأزمة الرأسمالية الاقتصادية يحدثها السعي الحثيث للمؤسسات الرأسمالية في إنتاج السلع التبادلية بغرض تحقيق الربح ما يجعل الاستهلاك ينمو في أثر الإنتاج وهذا بحكم أن وسائل الإنتاج المستخدمة لا يمكن أن يتدنى مستوى تشغيلها تحت حد أدنى معلوم وإلا كانت الخسارة المحتومة. ونتيجة لسير الاستهلاك خلف الإنتاج تحدث شقة بين البيع والشراء؛ ويكون هذا عندما يتم شراء السلع التي يحتاجها أصحاب المصانع في عملية التصنيع ولا يدفعون قيمتها فوراً، بل على أساس الاعتماد على الائتمان. فالتناقض بين البيع والشراء يحدث عندما تفشل المؤسسات الرأسمالية الإيفاء بالتزاماتها المالية نتيجة لعدم تمكنها من تصريف منتجاتها لقلة الطلب (ولكن النقص في الطلب هو السبب الظاهري للأزمة ولا يقدم التفسير الكامل لها). ولأن التنافر بين البيع والشراء غير طبيعي إذ أن هذان المكونان ينتميان لبعضها البعض، فالتنافر بينهما يعقبه هزة عنيفة (الأزمة) تقود في نهاية المطاف إلى تحقيق الوحدة بينهما. فمن أجل تحقيق التوافق بين البيع والشراء يبدأ المقرضون في استدعاء الديون والعمل بصيغ الدفع نقداً؛ وتبدأ الرأسمالية في إعلان إفلاسها وتصفية وحداتها الإنتاجية أو إعادة هيكلتها وما يترتب على هذا من التسريح الإجباري للعمالة ومن تخفيض الأجور. وهكذا تستمر الدورة حتى تستطيع المؤسسات من ترتيب أوضاعها وتجديد وحداتها وتعود شيئا فشيئا الى التوسع في الإنتاج حتى تحل مرحلة أخرى من الانتعاش الاقتصادي. وهكذا فإن الرأسمالية لا تنمو نمواً سلساً بل يجئ تطورها في شكل دورات من الركود والازدهار. ونظام التسليف الذي يتسبب في الأزمة عندما يقترن بالتنافر بين الشراء والبيع، في المثال السابق، قد يؤدى إلى الأزمة في سياقات أخرى كما حدث في الأزمة المالية في 2008 التي أعطت صورة واضحة لما يمكن ان يحدث للاقتصاد عندما يتعلق الأمر بالوفاء بالديون من قبل مقترضين لدائنين. فالأزمة المالية الأمريكية (وانعكاساتها على العالم) في ذلك العام تمحورت حول فشل مقترضي الرهن العقاري في مقابلة التزاماتهم المالية تجاه مؤسسات التمويل الأمريكية التي لم تجد أمامها من سبيل غير شطب مئات البلايين من الدولارات كديون هالكة في مجال القروض العقارية.

والبعد الآخر والهام لازمة الاقتصاد الرأسمالي منذ نهايات القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في أوروبا وفى فترة لاحقة من القرن العشرين في أمريكا يتمثل في (قانون) ميل أرباح المؤسسات الرأسمالية للانخفاض؛ لهذا ظلت هذه المؤسسات منذ ذلك التاريخ تعاني من انخفاض الأرباح وبالتالي لا تستطيع من الإيفاء بالتزاماتها المالية ليس فقط لعدم تمكنها من تصريف منتجاتها لقلة الطلب، كما ذكرنا سابقا، بل لانخفاض عائداتها المالية. وميل الأرباح للانخفاض ما هو إلا إفرازاً موضوعيا لتطور الإنتاج الرأسمالي. فالأرباح الرأسمالية تنزع للهبوط عند زيادة رأس المال الثابت على حساب رأس المال المتغير المتمثل في العمالة؛ ورأس المال الثابت يشمل الماكينات والمعدات والتكنولوجيا، إضافة للمواد الخام التي تعتبر قيمتها ثابته في مجري عملية إنتاجية محددة. فالربح تحققه العمالة وليس رأس المال الثابت الذي تؤدي زيادته إلى انخفاض معدل الربح. فالتقدم في مجال التقنية العالية ونظم الإنتاج الحديثة، أدى إلي زيادة تكاليف التصنيع بمعدلات كانت كافية لإغلاق قطاعات صناعية كاملة وانتقال رأس المال إلى خارج البلاد للاستثمار في الصناعات حيث العمالة أرخص أو لتوظيفه في المضاربات المالية. وهذا أدى بدوره لظهور ظاهرة الامبريالية في العصر الحديث التي تتمثل في السيطرة على البلدان الفقيرة من اجل تسهيل هذه العملية (انتقال رأس المال).

وهكذا فان أزمة الرأسمالية التي جنتها عليها قوانين تطورها نفسها من المتوقع، وفق بعض القرائن، على تفاقمها نتيجة الكوفيد 19 والآثار المترتبة عليه. ومن الوقائع الدالة على تفاقم أزمة الرأسمالية ما شهدته اقتصادات الدول الرأسمالية من إغلاق كامل وجزيء للمؤسسات الإنتاجية وانهيار عشرات الآلاف من الشركات الوحدات الصغيرة والمتوسط وخروجها نهائيا من السوق. وهذا، بالطبع، يهدد بحدوث مستوى عال من البطالة.

في الغرب تنفق الدول الرأسمالية حاليا تريليونات الدولارات، تحت مسمى التحفيز الاقتصادي لتخفيف تداعيات الجائحة، وذلك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الشركات التي تعاني من التقهقر وتقديم إعانات مختلفة للمتبطلين. وهذه الأموال الطائلة يتحملها دافع الضرائب؛ وعلى المديين المتوسط والبعيد فان الدول الرأسمالية سوف تسترد هذه الأموال، كما جرت العادة في الحالات المماثلة، من دافع الضرائب نفسه بواسطة الإجراءات التقشفية (austerity measures). كما ان انتشار الكوفيد 19 واضمحلال القطاعات الاقتصادية دفع السلطات إلى تخفيض سعر الفائدة بمعدلات كبيرة (للصفر في بعض الأحيان)، ولكن لم يأت هذا الإجراء باي نتائج إيجابية؛ فالخيار بالنسبة للمستثمرين في ظل المخاطر الاستثنائية الراهنة في مجال الاقتصاد استثمار الاقتراض في المضاربات المالية في البورصات بدلا من الأنشطة الإنتاجية.

ختاما ينبغي ألا يغيب عن نظرنا أن الأزمة الاقتصادية والمالية التي قد يتعرض لها الاقتصاد العالمي غير مسبوقة. فجائحة الكورونا أضافت بعدا من شأنه زيادة حدة الأزمة. شهد العالم أوبئة واسعة النطاق فتكت بملايين البشر كالطواعين على مر العصور والأنفلونزا الإسبانية (1918) والأنفلونزا الآسيوية (1957)؛ إلا أن المخاوف التي أثارتها جائحة الكورونا تفوق تحديات الأوبئة السابقة؛ فرغم التخفيف من آثاره بفضل تطور العلم والتكنلوجيا، إلا أن الوباء تمكن من اجتياح جميع أنحاء العالم في مدة وجيزة وشل كل مناحي الحياة وحول الدول إلى كيانات شبه منعزلة عن بعضها البعض.

ان سياسات الإغلاق التي كبلت النشاط الاقتصادي تزيد الأعباء على الدول الكبرى وتدفع بها إلى توسيع تدخلاتها في الدول الفقيرة بشكل غير مسبوق ليس فقط من أجل النهب والاستغلال الاقتصادي بل ٳحكام السيطرة عليها بغرض احتواء انتشار الأمراض والأوبئة وضمان عدم انتشارها.
كما أن زيادة وتيرة نقل الأزمة للدول الفقيرة يتوقع أن تؤدى إلى استفحال التنافس الشديد بين الدول الاستعمارية الكبرى الذي يشمل حتى إعادة توزيع مناطق النفوذ القديمة الموروثة من فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

الحوار المتمدن

Previous post “البريكست”ـ مستقبل بريطانيا الأمني مابعد خروجها من الاتحاد الأوروبي
Next post شاهد على الحب
%d مدونون معجبون بهذه: