ألف يا سلطانى

هنا وطنى
زاوية أسبوعية تطل عليكم منها ، الإعلامية الليبية غادة أسعد الطبيب

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تخلع المدينة ثوبها القمري المرصع بالنجوم وتفتح اجفانها على نوبة المالوف (أليف .. ألف يا سلطانى والهجر كوانى) ينشدها الراحل حسن عريبى وفرقته ،ثرات اندلسي بنكهة ليبية طرابلسية قل نظيرها ، تنبعث الموسيقى من الراديو العتيق على طاولة المطبخ ، تتسلل من نوافذ البيوت ممزوجة برائحة القهوة العربية وبخار الشاى الطازج ، تداعب الشمس الخجلى ستائر الغرف وتوقظ النائمين لاستقبال الجمعة ،تدعوهم لعيش التفاصيل الخالدة، أول صوت لآذان الفجر من مسجد مولاى محمد بشارع الزاوية ، سيارة الخضار الأولى التى تتهادى في الطريق إلى سوق الجمعة الأسبوعى حيث خليط من السلع والبشر والألوان وحيث الرائحة هى الدليل الذي يقود الحاج رفقة قفته المصنوعة من السعف بألوانها الترابية الدافئة ، تتداخل اصوات الباعة وتناديك من بداية الشارع لتلقى نظرة على مهرجان اللون الصارخ مابين أحمر الطماطم القانى واخضر الخيار الزاهى وأصفر الليم العصري كما يطلق هنا على الليمون ، تلفح الشمس الوجوه السمراء فتهديها قوة سحرية تدفعها للمقاومة وعيش الحياة يوما بيوم .


يلاحق الصبى الصغير المشترين ، يدفع البرويطة أمامه ويسأل ..تبي برويطة عمى ؟
يسرع عند الإشارة إليه دون حاجة إلى كلمات يتبع خطى الحاج ، يراقب سكناته ،يمسك الاكياس التى يشتريها ويضعها في البرويطة ويمضى مبتسما ، منتظرا الدينار الورقي المكرمش .
تتكدس اكياس الخضر والفاكهة وتتكدس احلام الصبى وتتراكم ،تتحول إلى طائر قوى ضخم الجناحين وتطير بعيدا
تعيده الاصوات إلى الواقع فيحث الخطى خلف الحاج صوب السيارة القابعة في انتظاره ، يحمل الاكياس، يكدسها ويقف منتظرا ديناره الورقي ، يتلقفه بلهفة ويعود ادراجه صوب السوق فتغمره رائحة انفاص المفروم التى يعدها الشاب العشرينى فوق بسطته البيضاء ، يقف أمامه وهو يمنى النفس بوجبة تسند جوعه ، يراقب طقوس اعداد النفص ،يقص الخبز ويمسح الهريسة ويضع المفروم بكمية وفيرة ، يلفه بالمنديل الورقي ويعطيه للصبي المنتظر ، ينضم إليه آخرون جذبتهم الرائحة النفاذة من نهاية السوق .


ستأسرك تلك الألفة العميقة وتجبرك على أن تبتسم للجميع تصافحهم ، تبادلهم النكات والنصائح وستراقبهم وهم يقدسون هذا الطقس الموغل في القدم وتدغدغ حواسهم تلك الزيارة الأسبوعية للسوق الذي على بساطته وبدائيته يشبع توقهم للماضى ، ستراهم وهم يفسحون الطريق لبعض النسوة بجلبياتهن الملونة كى يساومن الباعة ويقلبن الخضار والفاكهة املا في الحصول على صفقة جيدة،يستعجلن الباعة ويتناقشن حول وجبة الغداء.
يعبق الزقاق برائحة الخبز ،ثقيلة شهية تخيم فوق البيوت وتظللها كغيمة من عطر سكري عبق ، تتخطف الأيدى الخبز الساخن وتضعه في القفف والاكياس ، لابأس هنا إن لم يطيقك الصبر وتناولت بعض الخبز في طريقك للمنزل فسحر المذاق الساخن الطري اقوى من أن يقاوم .
لازال راديو البيت يبث المالوف ، الهدوء يخيم على الشوارع والحواري فلا طلاب مدارس بضجيجهم وصخبهم ولا موظفون بتذمرهم المتواصل ، لا شئ سوى خليط الروائح المتماوج بكسل لذيذ متواصل .
تفرش البخشة على الأرض وتمد سفرة الافطار ، يستيقظ الصخب كطفل مشاغب وتتعالى الأصوات مطالبة ببعض الخبز أو كوب من الشاهى أو بعض الدحى المقلي كما يسمى البيض بالليبية الدارجة ، يتغاضى الوقت عن عقاربه ويجالس العائلات على صفرة الفطور الباذخة بالشامية والطن والزيتون والجبن فطقس افطار الجمعة المقدس يستدعى هذا المزيج الشهى.

الراحل الفنان “حسن عريبي” وفرقته للمالوف

يصدح آذان الصلاة مناديا فيمتلأ الشارع بالساعين صوب ملكوت الله ، مهرجان من الألوان الوقورة يرتديه الرجال ببدلاتهم العربية المخصصة لصلاة الجمعة ، مابين القهوى الداكن والأزرق والأسود ،يتوسطها الأبيض الناصع بنقاء الجنة ، ايقاع المسابح بين الأيادى وحفيف اوراق المصاحف وصوت التلاوات تتشابك وتتمازج مغلفة بالدعوات المرسلة بيقين الاستجابة للسماء .

على اسطح البيوت تستلقى الشمس كقطة كسول بوداعة ، يرفرف الغسيل ويتوق لفك مشابكه ليحلق صوب الغيم ، يصارع الصبية ويقاومها فتغالبه وتغلبه وتشبكه فيهدأ مستقرا على الحبل الذي يقطع السطح طولا وعرضا ، تختلس الصبية النظر صوب شبابيك الجيران ، تغمض عينيها وتستمع لصوت خطبة الجمعة ، تميز صوت شيخ الجامع ، تسند ظهرها للحائط وتسمح للدفء بأن يتغلغل في اوصالها ، تتخيل فارسها مرتديا الزبون وتحاول أن تعرف لونه ، يسرح خيالها بعيدا وتردد بوقالة كانت قد التصقت في لسانها هاربة من حكاية ما ..
قاست على قدها قفطان واتاها / وكتبت على ايدها اللى تطلبه جاها
عينها عين الغزال تصوير مولاها /أنا خديتها يا موتت عداها

يوقظها صوت امها من احلامها فتخبأها في ركن قصى من ذاكرتها .
يعود الرجال من صلاة الجمعة ، يملؤون الشوارع لوحة زاهية الألوان ، كبارا وصغارا كجيش من الفاتحين متوجهين صوب بيوتهم تسبقهم اللهفة لوجبة غداء الجمعة
كسكسي أو بازين ستسمع هذا السؤال مشفوعا بضحكة صبيانية الصوت طفولية النية ، ستجيب بما تعلم وربما تضحك جاهلا ماينتظرك لكنك توقن أن عبق الوشق سيكون في انتظارك متمايلا من مبخرة والدتك القديمة.
سيخبرك الرواة أن وفرة الشعير هو ما دفع سكان هذه البقعة لاختراع البازين بقبته السمراء ملساء الملمس مشفوعة باللحم والمرق مشكلة الوجبة الأشهى والاقرب إلى قلوب الليبيين من غريان إلى ترهونة إلى طرابلس ،جامعة الأذواق آخذة بالألباب رفقة الفلفل الأخضر والليم العصري في مزيج يرافقه البيض المطبوخ أبيض شهيا نقيضا للمرق الأحمر المائل للبرتقالي الغنى .


أو ربما تفتح لك رائحة الكسكسي بالبصلة باب البيت وتستقبلك بترحاب رفقة المبطن أو الطاجين معلنة عن وجبة شهية احتفاءا بيوم الجمعة المميز ،خليط من الغزاة المتعاقبين ترك هنا مطبخا ثريا نالت فيه تركيا نصيب الأسد وهذا حديث يطول .
تمر الظهيرة بهدوء تاركة الفرصة لعزوزة القايلة كى تتجول بعصاها مهددة الأطفال الأشقياء ،ستسمع حفيف ثوبها وتشم رائحة القرنفل التى تنبعث منها فتدفع بانفك صوب صدر والدتك ملتمسا رائحتها الندية الشبيهة بفل السوانى وياسمين جنان النوار .

طفل يرتدى اللباس الليبي التقليدي

أينما يممت وجهك ستلقاك تلك التحية المميزة (جمعتك مباركة ) وأينما اصخيت السمع سيرافقك حسن عريبي بابتسامته التى لا تغيب وكاطه المنشى الأنيق وصوته الذي صنع ليوم الجمعة بهجته ، ستقود سيارتك صوب ميزران أو عبر ازقة الظهرة وسيكون المالوف رفيق دربك الذي لايفارقك
طيبوا المنازل بذكر الحبيب / عمروا المحافل بالمرغبين
وابعثوا الرواحل للمقربين /واحملوا الرسائل للمقربين

غادة الطبيب

المصطلحات ….
القفة / حقيبة يدوية مصنوعة من السعف يوضع فيها الخبز والخضار احيانا عند جلبه من السوق
البرويطة /بكسر الواو وفتح الطاء ، العربة اليدوية
المفروم /اللحم المفروم
انفاص /ساندويتش
الهريسة/معجون الفلفل الاحمر الحار مطبوخ على النار وهى نوع من المقبلات معروفه لدى شعوب المغرب العربي وليبيا خاصة
البخشة /قماش مربع الشكل يفرش على الأرض لتناول الطعام عليه
الطن /التونة
القهوى /البنى
الزبون /اللباس التقليدي الليبي مثل الذي يرتديه الطفل في الصورة
بوقالة/نوع من الشعر المقفى الموزون كانت تتسلى به النسوة قديما
توضيح البوقالة .. جربت فستانا وكان قياسه مناسبا وكتبت على يدها ان ما طلبته قد نالته ، عينها عين الغزال خلقها الله وقد نلتها أو تحصلت عليها فليمت الحاسدون .
الوشق /نوع من البخور
المبطن والطاجين /اكلات ليبية سيتم الحديث عنها في الزاوية المقبلة
عزوزة القايلة / سيدة عجوز يخوف بها الاطفال والقايلة هى القيلولة

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_

Previous post اللقاح في بلجيكا يبدأ بالأكبر سناً
Next post مركز الزيتونة يصدر ورقة علمية: القضية الفلسطينية وفريق السياسة الخارجية الأمريكي الجديد
%d مدونون معجبون بهذه: