التبعية المستدامة

شريف ايمن

شبكة المدار الاعلامية الاوروبية …_اعتاد الغرب على ادّعاء الفوقية والأفضلية على غيره، ومن هنا صُكّت المصطلحات الرنّانة المتزامنة مع السلوك الغربي. فمثلا شهد القرن الثامن عشر حركة فلسفية واسعة، أُطلق عليها “عصر التنوير”، وكان الطبيعي أن تكون نتيجة “التنوير” مفيدة للبشرية، لكن ما حدث العكس، فقد شهد العالم في القرنين الثامن والتاسع عشر عمليات استعمار واسعة في كافة الأرجاء، خلّفت احتلال أراضٍ تجاوزت نصف مساحة الأرض، وتحكمت في مصائر بشر قاربوا على ثلاثة أرباع سكان الدنيا.

كان التبشير بالثقافة الغربية هو شعار الاحتلال الواسع لدول “الجنوب”، لكن الواقع أن هذه المناطق شهدت عمليات نهب واسعة، استمرت إلى هذه الأيام، في ما عُرف بـ”سياسة الاستعمار الجديد”، وهي السياسة التي تقوم على التبعية الاقتصادية، والثقافية، والسياسية بالطبع.

الملفت أن ثقافة “الاستعمار التبشيرية” لم تنتهِ، فلا زلنا نسمع عن تدخلات خشنة وناعمة بزعم الترويج للثقافة الغربية. وفي الوقت الذي رفضت فيه الأوساط الأكاديمية التبسيط الساذج الذي طرحه هنتنغتون حول “صدام الحضارات”، وتحديدا الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية، فإن بوش الابن تحدث عن حرب صليبية، ونجد ماكرون يدخل في مواجهة مع ما أسماه بـ”الإرهاب الإسلامي”، الذي يزعم أنه خاص بالجماعات السياسية الإسلامية فقط، بل ساوى بين هذه الحركات كلها، وهي تشمل الإسلاميين كالغنوشي وأبي بكر البغدادي، وأدنى قدر من العقل يدرك أن هناك فارقا واسعا بين الاثنين.

شهد العالم الحديث أكبر حركة تحول استقلالي في تاريخه عقب الحرب العالمية الثانية، بعدما شهد واحدة من أسوأ عمليات الاحتلال في التاريخ، كما شهدت فترة الاستعمار نوعين من التدخلات الاستعمارية، إحداهما النموذج البريطاني الذي لم ينشغل بالتغريب الثقافي بقدر ما اهتم بترسيخ وجوده عبر الهيئات والمؤسسات المحلية، أما النموذج الفرنسي، فقد عمد إلى السيطرة عبر محو القيم المحلية للشعوب المحتلة، فشهدت الدول الواقعة تحت الاحتلال الفرنسي أقبح المجازر الدموية في مناطق العالم الثالث، ورغم ذلك لا يزال البعض يسميها بلاد النور!

لم يكن خروج الاستعمار من بلاد العالم الثالث سهلا، فبسبب ضعف الإمبراطوريات المستعمِرة عقب تطاحنها في حربين عالميتين وحشيتين – تَشِيَانِ بمقدار القبح والدموية في نفوس المُحترِبين – اضطرت للخروج من الدول التي لم يتوقف أهلها عن مواجهتها ورفض وجودها القميء في أراضيهم.

خرج المستعمِرون ولم تخرج أدوات سيطرتهم الاقتصادية والثقافية من تلك المجتمعات، فكان الاستبداد الذي عمّ دول العالم الثالث ثمنا للخروج. وكان يمكن دحض هذا الزعم إذا كان الاستبداد الحاصل في مناطقنا مرتبطا بتجارب محدودة من الدول، لكن أن تكون السمة الأساسية لدول العالم الثالث هي الاستبداد عقب ما يُفترض أنه استقلال وطني، فذاك أمر يدعو للريبة والاتهام المباشر لمن تسبّب في نقل سيطرة الاحتلال لمستبدين “وطنيين”.

كذلك تبدو سمة أخرى تتزامن مع الاستبداد، وهي سمة التبعية الاقتصادية، فالقادة المستبدون أخفقوا في تحفيز الإنتاج الوطني، وبالتزامن مع إخفاقهم أغرقوا بلدانهم في الاستدانة من القوى الكبرى، فسمحوا بتدخلات واسعة في المشاريع الاقتصادية خاصة الكبرى، والأخطر أنهم فتحوا لهم نافذة على الشؤون الثقافية في بلادنا فحدث الاضطراب بين الموروث والوافد، بحسب تعبير أستاذنا الراحل طارق البشري.

حالة الاستدانة الدائمة التي ارتبطت بالاستبداد ليست نقطة على هامش التبعية وفقدان القدرة على صناعة القرار الوطني، بل هي صلب مَأْسَسَة الفساد والاستبداد، فما جرى أن الجهاز الإداري للدولة تربّى في ظل الاحتلال، وكان التركيز الأكبر على مؤسسات القمع والتنفيذ، فتشكّلت قوات نظامية وطنية لقمع الحراك الوطني ضد الاحتلال. واعتنى الاحتلال بتلك المؤسسات، خاصة ما يتعلق بالجانب التثقيفي، فورّثوا الفوقية على المجتمع كما ورّثوا الحكم، فكانت النتيجة أن الحكم العسكري هو الذي ساد في الغالبية الساحقة من دول العالم الثالث، وهذا العموم يثير الريبة أيضا تجاه من قاموا به ومن سمحوا لهم.

كان هناك اتفاق ضمني بين القادة المستبدين والدول الغربية على خطوط عريضة، فالدول الكبرى لن تسأل عن الديمقراطية في مقابل أمور؛ منها عدم التحالف مع الكتلة الشيوعية خلال فترة الحرب الباردة، ومنها عدم وجود قيادة وطنية تقف أمام مصالح تلك الدول. وتورطت الولايات المتحدة في اضطرابات وانقلابات في أمريكا اللاتينية لأجل مصالحها، بغض النظر عن تحقق الديمقراطية في الأنظمة الموجودة أو عدم تحققها، كما يدعم الغرب كله الأنظمة المستبدة في أوطاننا مقابل عدم وصول قوى وطنية إلى الحكم.

لم تكتفِ القوى الغربية بالسماح للمستبدين بالحكم من أجل تحقيق تلك المعادلة، بل قامت أيضا بابتزازهم بدعاوى حقوق الإنسان، وكانت النتيجة دائما على حساب الحقوق الأساسية للإنسان.. كانت النظم المستبدة تقوم بالاقتراض من الدول الكبرى تحت زعم تطوير البنى التحتية، وهي في الحقيقة كانت تقدّم جزية بقائها على كراسي الحكم. وكان ترامب أكثر الرؤساء صراحة في ذلك، فلم يكفَّ عن قوله “إذا أرادوا حمايتنا، فعليهم أن يدفعوا”، وكانوا يقومون بالدفع على حساب الشعوب التي تضررت في مأكلها وملبسها ومشربها، ولم تبق لهم سوى كرامتهم التي سُحقت أيضا تحت أقدام العسكر.

الملفت أن سلوك المستبدين والقوى الكبرى لم يختلف رغم مرور أكثر من 75 عاما على نهاية الحرب العالمية الثانية؛ فالتبعية لا تزال قائمة، ودعم الاستبداد ما يزال مرهونا بمدى ابتعاد المستقلين عن دوائر الحكم، كما أن المستبدين الجدد لم يعودوا يعيروا الغضب الشعبي أي انتباه. فعمليات الخصخصة تجري باستمرار، وبيع الأصول لا يتوقف، بل أصبحنا في مصر مثلا أمام وزير عسكري، يهددنا في كل لحظة بأنه سيحيل إدارة مرفق عمومي للجهات الأجنبية نظرا لإخفاق الإداريين تحته، كأن الإشكال ليس في وجوده أو وجود رئيسه على قمة الحكم منذ ما يقرب من عقد من الزمان؛ لم يشهد سوى الإخفاق تلو الإخفاق.

كان الإشكال الوطني قبل مرحلة الاستقلال يبحث في مسألة واحدة؛ هل ينبغي على الحركة الوطنية التخلص من الحكومات التابعة للاحتلال الأجنبي قبل مواجهة الاحتلال؟ أم ينبغي على الحركة الوطنية أن تركز جهدها في مقاومة الاحتلال فقط؟ ونبع الإشكال من أن الحكومة المحلية كانت تواجه المقاومين، من هنا خرج التساؤل عن جدوى مواجهتهم قبل مواجهة القوى الغربية. بعد مرور عقود على هذا التساؤل، أصبحنا أمام حالة لا يوجد فيها احتلال مباشر، بل حكومات تابعة لقوى كبرى لا تريد النهوض لأي حضارة أخرى، الأمر الذي جعل السؤال القديم غير موجود، إذ أصبح موضع الإشكال معلوما للجميع، وليس علينا سوى معالجته.

عربي 21

One thought on “التبعية المستدامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post تقنيات وتطور تكنولوجي ستغير العالم
Next post نادي يوفينتوس سيستغني عن رونالدو
%d مدونون معجبون بهذه: