تصاعد احتمالات النزاع بين أمريكا وروسيا

سعيد الشهابي

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_أهي حرب باردة جديدة أم تهيئة لنزاع دولي جديد؟ فالسجال الذي يزداد حدة بين روسيا والغرب الذي تتزعمه أمريكا بدأ يأخذ أبعادا خطيرة، وينذر باندلاع مواجهات مسلحة على حدود روسيا.

هذه المرة أصبحت أوكرانيا ساحة المعترك السياسي الذي يهدد بالتصاعد نحو نزاع عسكري لا يمكن تحديد الأطراف التي سيشملها، فمنذ تفكك الاتحاد السوفياتي قبل ثلاثين عاما، وجد الغرب ممثلا بحلف شمال الأطلسي (ناتو) فرصته لتوسيع نفوذه حتى أصبح يحاصر روسيا بشكل غير مسبوق. ربما لم يتوقع الغربيون أن تُحكم روسيا بشخص مثل فلاديمير بوتين، ذي الخبرة الواسعة كضابط استخبارات في جهاز “كي جي بي”، الذي كان الذراع الأمنية الضاربة للتحالف الاشتراكي آنذاك. فقد كان من نتائج ما طرحه آخر رئيس للاتحاد السوفياتي، ميخائيل غورباتشوف، ما أسماه بيروسترويكا (إعادة الهيكلة) وغلاسنوست (الانفتاح). ونجم عن ذلك وصول بوريس يلتسين للرئاسة، واعتقد الغربيون أن النمط السياسي الجديد في روسيا سيكون على غرار ما يمثله يلتسين من توجهات قريبة من الغرب.

غير أن عهد بوتين كان مختلفا.فشيئا وشيئا أدركت القيادة الروسية المخاطر التي تحاصر بلدها، خصوصا بعد توسع حلف الناتو ليضم أغلب دول البلطيق بالإضافة لبولندا، بعد أن “استقلت” بعد تفكك الاتحاد الاشتراكي. وبشكل تدريجي وجد بوتين بلاده محاصرة بقوات حلف الناتو على أغلب حدودها الغربية. ويسعى لإثبات وجوده بمناورات عسكرية عديدة آخرها مع قوات روسيا البيضاء (بلاروسيا) وتارة بتوسعه الجغرافي على حدوده، كما فعل قبل بضعة أعوام عندما ضم شبه جزيرة القرم إلى نفوذه. يومها لم يرفع الغرب ساكنا برغم الضجة الإعلامية التي أثارها ضد موسكو. المناورات الأخيرة، برغم ضآلة عدد القوات المشاركة فيها من البلدين، كانت من بين دوافع أمريكا وحلفائها لافتراض وجود خطة روسية مبيّتة لاجتياح أوكرانيا عبر حدود روسيا البيضاء.

الرئيس الروسي بدأ تحركات على أربعة أصعدة: أولها التخطيط لمنع تمدد الناتو أكثر مما حدث، وذلك بالسعي للحفاظ على ما تبقى من أنظمة تميل للشيوعية في الجمهوريات المستقلة. ثانيها: انتهاج سياسة جديدة لتوسيع نفوذ روسيا ضمن الدوائر التي فقدتها روسيا بتفكك الاتحاد السوفياتي. ثالثها: توسيع نفوذ روسيا في مناطق أخرى، بعيدة عنها مثل الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية.

رابعها: الاستمرار في السباق العسكري لضمان استمرار التوازن مع الغرب، وقد جرت محاولات عديدة لاحتواء السباق النووي، خصوصا في مجال خفض ما لدى أمريكا وروسيا من رؤوس نووية.

مع ذلك، لا يمكن التقليل من احتمالات النزاع العسكري الذي يعلم الطرفان أنه سيكون مدمرا لكل منهما بشكل مروّع. ولذلك هناك اعتقاد بأن الدبلوماسية ما تزال قائمة وقادرة على استيعاب التصعيد الحالي. وقد جاء لقاء وزير خارجية البلدين، أنتوني بلينكن وسيرجي لافروف في جنيف قبل يومين ليخفف من التوتر، ولكنه لم يستطع إعادة الثقة الكاملة، خصوصا مع إصرار الطرفين على مواقفهما. فروسيا التي وضعت أكثر من 120 ألفا من قواتها على حدود أوكرانيا الشرقية لتوفير دعم معنوي للمعارضين في تلك البلاد، كانت تدرك أن أمريكا وحلفاءها لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام ما يعتبرونه “تهديدا أمنيا” لحكومة أوكرانيا، التي تعتبرها روسيا مسمارا في خاصرتها بسبب دعم الغرب لها.

وقد جاءت أولى التحركات لمواجهة تلك التعبئة من الحكومة البريطانية التي أعلنت استعدادها لإرسال أكثر من ألف من قواتها، بعنوان تدريب القوات الأوكرانية وتوفير دعم في مجال التجسس وجمع المعلومات وتشغيل الصواريخ المضادة للطائرات. مع ذلك، لا يبدو الاتحاد الأوروبي مستعدا للتصعيد العسكري مع روسيا، الأمر الذي كان واضحا في السياسة الألمانية. وقبل لقائه بنظيره الروسي، قام بلينكن بزيارة سريعة لبرلين في محاولة أخيرة لاستكشاف موقفها النهائي. وتجدر الإشارة إلى أن من بين قضايا الاختلاف بينهما مشروع أنبوب غاز عملاق ما بين روسيا وألمانيا، الأمر الذي أحدث انقساما داخل التحالف الحكومي الألماني.

ما يهم روسيا أمور ثلاثة:

أولها؛ أن يتوقف التمدد الغربي على حدودها، إذ تعتبر ذلك تهديدا لنفوذها وأمنها القومي. فبعد انتهاء الحرب الباردة بتفكك الاتحاد السوفياتي، انضمت ثلاث دول للناتو في 1999: بولندا، هنغاريا (المجر) وجمهورية التشيك. ثم انضم في 2004 سبع دول أخرى هي بلغاريا وأستونيا ولاتفيا وليتوانيا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا. وفي 2009 انضمت ألبانيا وكرواتيا. وآخر الدول التي انضمت للحلف في 2017 هي الجبل الأسود (مونتينغرو) ومقدونيا الشمالية.

ثانيها؛ أن يتوقف توسيع عضوية حلف الناتو الذي انضمت إليه دول عديدة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي. وتسعى روسيا لمنع انضمام المزيد من الدول للحلف منها البونسة والهرسك، وجورجيا وأوكرانيا، وأن تكون قادرة على تمديد نفوذها لبعض الدول المجاورة، وتعتبر ذلك ضرورة لضمان أمنها القومي. ثالثها: بموازاة ذلك أن يتعهد الغربيون بأمرين: ضمان أمن روسيا وعدم ضم أوكرانيا إلى حلف الناتو. وفي المقابل، يتحدث الغربيون من منطق القوة أنه ليس من حق روسيا إملاء شروط تؤثر على حرية الدول في اختيار تحالفاتها، ومنها الانضمام إلى الناتو. الأمر المؤكد أن الطرفين يسعيان لاحتواء الموقف نظرا لما سيترتب على أي تصعيد عسكري من نتائج كارثية. فروسيا تعتبر المصدر الأكبر للغاز لدول الاتحاد الأوروبي، ولديها نفوذ في عدد من الدول خارج الفضاء الأوروبي.

السياسة الروسية تجاه الغرب خصوصا أمريكا تنطلق من اعتبارات شتى، منها حالة النوستالجيا التي تعيشها العناصر السياسية والاستخباراتية الروسية، وحنينها للماضي الذي كان الاتحاد السوفياتي يمثل ذروته، وكذلك العلاقات المتنامية مع الصين. هذه العلاقات التي تطورت بشكل ملحوظ منذ توقيع اتفاق ترسيم الحدود بين البلدين في العام 2008. ويمكن الإشارة إلى مشروع “خط سيبيريا” الذي وقع الجانبان على إنشائه، عام 2014، وتبلغ قيمته 400 مليار دولار، لتصدير الغاز الروسي للصين، ويعتبر واحدا من أكبر مشاريع الطاقة في شرق آسيا، حيث يهدف لتوريد 38 مليار طن سنويا من الغاز الروسي إلى الصين لمدة 30 عاما، وفق إطار زمني متفق عليه بين الجانبين. وهناك مئات الآلاف من العمال الصينيين الذين يعملون في مشاريع البنية التحتية في روسيا. وأجرى البلدان سلسلة من المناورات العسكرية المشتركة منها المناورة الكبرى في العام 2016 التي تدربت فيها قوات روسية وصينية على عمليات استيلاء على جزر في بحر جنوب الصين. كما شهد العام 2018 مناورة “الشرق” وهي الأكبر في تاريخ روسيا. وفي العام 2019 أجرى الجانبان مناورة مشتركة فوق بحر الصين الشرقي وبحر اليابان. ويتعاون البلدان بشكل ملحوظ في مجلس الأمن، خاصة في مواجهة سياسة العقوبات الغربية، والرغبة في الحد من تأثير التفرد الأمريكي بقيادة العالم.

هذه الحقائق لها بعدان: إيجابي وسلبي، فالبعد الإيجابي أنها تؤكد مستوى متطورا من التوازن السياسي والعسكري بين الشرق والغرب، تراجع كثيرا بعد انتهاء الحرب الباردة. وهذا يعني أن كلا الطرفين يسعى لتجاوز نشوب أزمات عسكرية كبرى تفضي لنزاعات مسلحة قد يستخدم السلاح النووي فيها.

يضاف إلى ذلك أن هذا التوازن يساهم في تبلور تحالفات جديدة تساهم في تهميش النفوذ الأمريكي في العالم، ولعل توجه أمريكا للانعزال والتركيز على العمل الأحادي ينطلق من هذه القناعة. أما الجانب السلبي فيتمثل باحتمال بلوغ التوتر في العلاقات بين روسيا والغرب إلى مستوى اختراق الحدود الحمراء التي تحول دون نشوب النزاعات المسلحة. وفي غياب التوافق الغربي حول سياسة واضحة إزاء روسيا، يبقى الباب مفتوحا أمام الاحتمالات كافة، بما فيها الصراع المدمر حول أوكرانيا وفي محيطها. فروسيا تعتبرها آخرالخطوط الأمامية في الصراع مع الغرب. وسيتضح قريبا ما إذا كان العالم قادرا على نزع فتيل النزاع المسلح ومنع تكرار ما جرى قبل أكثر من ثمانين عاما، حينما كانت الظروف تتفاعل لتؤدي إلى حرب عالمية طاحنة أتت على الأخضر واليابس.

القدس العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post التعاون الأمني مابين بلجيكا وهولندا والشرق الأوسط لمكافحة الإرهاب
Next post رئيس وزراء بروكسل ينتقد المظاهرات
%d مدونون معجبون بهذه: