أزمة أوكرانيا – تدفق اللاجئين إلى دول أوروبا، أزمة إنسانية ومعايير مزدوجة

شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_أثار الغزو الروسي لأوكرانيا فضلاً عن الخسائر البشرية والاقتصادية الباهظة، أزمة إنسانية وموجة نزوح غير مسبوقة، مع تخوفات دولية من تداعيات مستقبلية، بعد تقديرات أممية بنزوح الملايين من بلادهم، لترسم معالم ما يمكن أن يصبح أكبر أزمة إنسانية بقلب القارة الأوروبية منذ سنوات عديدة من جهة. ومن جهة أخرى، أثار التدفق غير المسبوق للفارّين من أوكرانيا في الاتحاد الأوروبي رداً تضامنياً موحداً وسريعاً بين دول الاتحاد، فما إن بدأت الحرب الروسية على أوكرانيا، حتى تأهبت كل المنظمات والبرامج والآليات الدولية للعمل وفوراً بشكل غير مسبوق. إنها استجابة فورية وسريعة وشاملة لم تشهد مثلها أوروبا في التاريخ المعاصر. الأمر الذي يتعارض مع الانقسامات التي وُلدت بين هذه الدول أمام إشكالية استقبال اللاجئين السوريين في العام 2015، ومع الجدل الدائم حول مسألة الهجرة.

نازحون بالملايين

يمكن قياس نطاق الأزمة الإنسانية في أوكرانيا، التي يبلغ عدد سكانها (44.3) مليون نسمة، بمدى سرعة تغير أرقام النازحين، فعندما بدأ الهجوم الروسي في 24 فبراير 2022، كان هناك حديث عن عشرات الآلاف من اللاجئين المحتملين، وبعد أيام قليلة فقط وصل العدد إلى ما يزيد عن (2.8) مليون شخص، بمتوسط زيادة يومية قدرها (110.5) ألف شخص بحسب أخر احصائيات مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين في 15 مارس 2022. معظم اللاجئين هم من النساء والأطفال، بعد أن جندت أوكرانيا الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين (18-60) عاماً للقتال ومنعتهم من المغادرة. فيما تتوقع المفوضية أن يصل العدد إلى (4) ملايين لاجئ إذا استمرت الأزمة لفترة أطول. فيما يعتقد الاتحاد الأوروبي وعلى لسان المفوض الأوروبي المكلف بإدارة الأزمات يانيس ليناريتش أن هذا الرقم قد يرتفع إلى (7) ملايين لاجئ في أزمة وصفها الأكبر منذ سنوات.

يعبر اللاجئون إلى الدول المجاورة في اتجاه الغرب، إذ عبر أكثر من نصفهم ما يقارب (60%) منهم إلى بولندا، التي تشترك في حدود (500) كيلومتر مع أوكرانيا، وذهب الباقون إلى المجر ومولدوفا وسلوفاكيا ورومانيا، وأعداد أقل إلى روسيا وبيلاروسيا. 

إجماع أوروبي حول الترحيب بالأوكرانيين

أظهر الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء دعماً هائلاً لقضية اللاجئين الأوكرانيين، قال القادة السياسيون علناً إن اللاجئين من أوكرانيا مرحب بهم وأن البلدان تستعد لاستقبال اللاجئين على حدودها مع فرق من المتطوعين الذين يوزعون الطعام والماء والملابس والأدوية. أبرزهم رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، الذي رحّب بالأوكرانيين، فيما قالت سلوفاكيا وبولندا إن اللاجئين الفارين من الحرب في أوكرانيا سيسمح لهم بدخول بلادهم حتى بدون جوازات سفر أو غيرها من وثائق السفر الصالحة.  كذلك أعلنت دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، مثل أيرلندا، عن الرفع الفوري لمتطلبات التأشيرة للأشخاص القادمين من أوكرانيا. كما تم توفير وسائل النقل العام المجانية والاتصالات الهاتفية للاجئين الأوكرانيين في جميع أنحاء أوروبا.

 وتعهدت دول أوروبية أبعد بتقديم الدعم بالمثل، ذكرت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك في 14 مارس 2022 أن برلين تعمل مع شركاء دوليين على إقامة جسر جوي لنقل اللاجئين الأوكرانيين من مولدوفا.  أما الحكومة البلجيكية على سبيل المثال، تدير حملة لتحديد المساكن العامة الشاغرة والعثور على أشخاص على استعداد لاستضافة الأوكرانيين. فيما تعتزم الحكومة البريطانية، تطبيق نظام جديد للتعامل مع اللاجئين، إذ سيتم منح السلطات المحلية (10) آلاف جنيه إسترليني، ما يعادل (13) ألف دولار عن كل لاجئ لتغطية تكاليف الخدمة، بينما ستحصل الأسرة التي تلتزم باستضافة أوكرانيين لمدة ستة أشهر على الأقل على (350) إسترليني في الشهر.

وبينما قبلت فيه فرنسا دخول الأوكرانيين بدون تأشيرة على أراضيها، تواجه المملكة المتحدة البريطانية انتقادات كبيرة بسبب رفض فتح حدودها بالكامل أمام اللاجئين، حيث تصر السلطات الانجليزية على أن الأشخاص الفارين من الحرب بحاجة إلى تأشيرة قبل دخول البلاد وأصرت وزيرة الداخلية بريتي باتيل أن بريطانيا لن تتنازل عن إجراءات التدقيق الخاصة باللاجئين لضمان أمن البريطانيين.

يبدو أن الاتحاد الأوروبي لا يواجه حالياً أية مشاكل مع الوافدين من أوكرانيا، لأن لدى معظمهم جوازات سفر بيومترية ” إلكترونية ” ويمكنهم البقاء بدوله الأعضاء لمدة (90) يوماً بدون تأشيرة، غير أن المشكلة التالية هي مصير هؤلاء بعد انقضاء الأشهر الثلاثة؟!

نوع جديد من الاستجابة للاجئين

كانت استجابة إجراءات الاتحاد الأوروبي السياسة سريعة وسخية على نحو غير مألوف، وبصوت إجماعي لم يكن متوقعاً، أطلق المجلس الأوروبي في 4 مارس 2022 أول خطوة على الإطلاق، تفعيل قانون “الحماية المؤقتة”، وهو قانون صدر في عام 2001، ولم يستخدم من قبل. ويُعرف مصطلح “الحماية المؤقتة” في المادة (2) من توجيه المجلس للحماية المؤقتة: “الأشخاص الذين قدموا من الدولة الثالثة بصورة تدفق جماعي والذين لا يستطيعون الى بلدانهم والذي اضطروا الى ترك بلدانهم او عند قرب احتمال حدوث تدفق جماعي للاجئين، وخصوصاً في حالة تأثر نظام قبول اللاجئين بصورة سلبية، حيث يتم توفير الحماية المؤقتة بصورة يراعي منافع الأشخاص المعنيين والأشخاص الاخرين الذين طلبوا الحماية المؤقتة”. أما التدفق الجماعي للاجئين فقد عرف في نفس المادة من توجيه الحماية المؤقتة: “اضطرار عدد كبير من الأشخاص القادمين من دولة خاصة او موقع جغرافي ووصولهم بصور ذاتية او عن طريق مساعدة مثل مساعدة برنامج تخلية، الى الاتحاد”.

سيسمح قانون الحماية المؤقتة بتقاسم توطين اللاجئين بين جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، كما سيسمح للمواطنين الأوكرانيين الذين شردتهم الحرب بالبقاء في الاتحاد الأوروبي لمدة ثلاث سنوات. وسوف يتم تبسيط جميع الخطوات البيروقراطية لتسريع عملية اللجوء. الأمر الذي سيؤهلهم للحصول على مجموعة كاملة من المزايا الحكومية مثل الرعاية الصحية، والحصول على السكن والتوظيف والتعليم لأطفالهم.

أتاح الاتحاد الأوروبي كذلك في تحول مذهل، اختيار مجاني للاجئين الاوكران لبلد المقصد، بهذا تخلت الدول الأعضاء عن فكرة الولاية القضائية المستقرة للجوء ، والتي حددت المناقشات السياسية منذ اتفاقيتي شنغن ودبلن الأصليين ، اللتين تم تبنيهما في عام 1990، وبذلك يمكن للأوكرانيين اختيار وجهتهم بحرية.

تمييز وازدواجية المعايير

تُظهر سرعة سياسة الاتحاد الأوروبي الجديدة وإجماعها وتساهلها كيف يمكن للحكومات الاستفادة من الإرادة السياسية لتقديم حلول إنسانية في الوقت المناسب للاجئين عندما يريدون ذلك.  وكان العقد الأخير الأكثر أزمة في ملف اللجوء والهجرة، خاصة بعد اندلاع الأزمة السورية واستمرار تداعيات الأزمتين العراقية والأفغانية والأزمة اليمنية وغيرها من أزمات سياسية وعسكرية واقتصادية. إذ تصرفت الدول الأوروبية بشكل فردي في استجابتها،  حيث فتح بعضها حدودها والبعض الآخر أغلقها خاصة الدول التي تقودها حكومات ذات توجهات قومية مثل هنغاريا وبولندا والنمسا. ولم يتم عمل ما يكفي لدمج اللاجئين عند وصولهم إلى أوروبا. فكانت قضية التضامن بين الدول في هذا الشأن أكبر نقطة خلاف داخل الاتحاد الأوروبي.

 إن مظاهر التعاطف والضيافة الجديرة بالثناء التي يقدمها الاتحاد الأوروبي تجاه اللاجئين الأوكرانيين ومعظمهم من البيض ومعظمهم من المسيحيين تقف في تناقض عنيف مع سياسات الردع والاعتقال والقتل التي تفرضها الدولة والتي تستهدف الملايين من طالبي اللجوء الأفارقة والشرق الأوسط.

خلال أزمة اللاجئين عام 2015، دعا الاتحاد الأوروبي إلى احتجاز اللاجئين الوافدين لمدة تصل إلى (18) شهراً، وقد تضمنت الإجراءات الأوروبية من العسكرة والردع بناء أكثر من (1000) ميل من الجدران والسياج عالي التقنية، إلى جانب التوسع السريع لوكالة الحدود الأوروبية وخفر السواحل، أو “فرونتكس”  التي تضخمت ميزانيتها من (118) مليون يورو في 2018 إلى (754) مليون يورو في عام 2022.

وقبل أشهر فقط من الحرب الروسية الأوكرانية، بالضبط خلال أغسطس 2021، ناقش الاتحاد الأوروبي، أهمية الحرص على تجنب تدفق المهاجرين الأفغان “بشكل غير مضبوط” بعد سقوط كابل في يد طالبان وبسط سيطرتها على البلاد. كانت تصريحات المسؤولين الأوروبيين، تصب في اتجاه مساعدة الدول المجاورة لها على استضافة اللاجئين الفارين من طالبان عوض استقبالهم، ما سيجنب أوروبا تدفق المهاجرين.

وفي الآونة الأخيرة، خلال نوفمبر 2021 أثارت المعاملة الرهيبة للمهاجرين وطالبي اللجوء، ومعظمهم من العراق وأفغانستان، المحاصرين على حدود بيلاروسيا مع بولندا وليتوانيا، غضباً في جميع أنحاء أوروبا.  أرسلت بولندا جنوداً إلى حدودها، وتعاملوا بوحشية مع هؤلاء اللاجئين والمهاجرين، وأقامت سياجاً من الأسلاك الشائكة، وبدأت في بناء جدار بطول (186) كيلومتراً لمنع دخول طالبي اللجوء من بيلاروسيا. كما تبنت تشريعاً من شأنه أن يسمح لها بطرد أي شخص يعبر حدودها بشكل غير نظامي ويمنع عودتهم.  لتتقطع السبل بالآلاف في الغابات بين البلدين في ظروف يرثى لها دون طعام أو مأوى أو بطانيات أو أدوية. وخلال فبراير 2022 توفي (19) مهاجراً على الحدود اليونانية التركية نتيجة تجمدهم من درجات حرارة الشتاء القارصة وفقاً لـ “DW” . 

استمرت هذه السياسات التمييزية حتى خلال أزمة اللجوء الحالية.  فلم تمتد تدابير الحماية التي يوفرها الاتحاد الأوروبي إلى جميع اللاجئين، بما في ذلك الطلاب العرب والأفارقة والمهاجرون في أوكرانيا الذين لم يُسمح لهم بالعبور أو واجهوا معاملة عنصرية و عرقلة في العبور إلى بلدان أخرى.  وتشير التقديرات إلى أنه من بين اللاجئين البالغ عددهم حالياً (2,8) مليون شخص نحو (127) ألف شخص من الرعايا الأجانب، غالبيتهم من الطلاب والعمال المهاجرين، وفق المنظمة الدولية للهجرة.

هناك عدد متزايد من الروايات عن الطلاب والمهاجرين من إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الذين واجهوا معاملة عنصرية وعرقلة وعنف أثناء محاولتهم الفرار من أوكرانيا، وصف كثيرون منهم منعهم من ركوب القطارات والحافلات في المدن الأوكرانية بينما أعطيت الأولوية للمواطنين الأوكرانيين؛ ووصف آخرون كيف أن حرس الحدود الأوكرانيين سحبهم بعنف وإيقافهم عند محاولتهم العبور إلى البلدان المجاورة، هناك أيضاً روايات عن قيام السلطات البولندية بتنحية الطلاب الأفارقة جانباً ورفض دخولهم إلى بولندا.

 انتقد العديد من القادة الأفارقة – بما في ذلك الرئيس النيجيري محمد بخاري – بشدة التمييز على حدود أوكرانيا، قائلين إن لكل فرد نفس الحق في عبور الحدود الدولية للفرار من النزاع والبحث عن الأمان. ذكر الاتحاد الأفريقي أن “التقارير التي تفيد باستهداف الأفارقة بمعاملة مختلفة غير مقبولة ستكون عنصرية بشكل صادم وتنتهك القانون الدولي”، ودعا جميع البلدان إلى “إظهار نفس التعاطف والدعم لجميع الأشخاص الفارين من الحرب بغض النظر عن هويتهم العرقية. حسبما ذكرت “الحرة” بتاريخ 2 مارس 2022.

تقييم

 كان هناك انقسام واضح بين أوروبا الغربية والشرقية تجاه ملف اللاجئين ، المشكلة كانت تكمن في قبول هذه الدول تقسيم او إعادة توزيع للاجئين، بينما رفضت دول الكتلة الشرقية رفضاً تاماً استقبال لاجئين وفق توجيهات المفوضية الأوروبية، برغم قرارات محكمة العدل الأوروبي والعقوبات بوقف مساعدات أوروبا الغربية للشرقية. لكن فيما يتعلق بأوكرانيا اختلف المزاج على مستوى الشارع الأوروبي وعلى مستوى الحكومات، إذ أن رد فعل الشارع الأوروبي الإيجابي في استقبال اللاجئين الأوكرانيين انعكس على الحكومات بتعزيز سياسات مالية وسياسات اللجوء والهجرة، وتوحيد الموقف الأوروبي تجاه هذا الملف.

أثارت استجابة بعض دول الاتحاد الأوروبي تجاه اللاجئين الأوكرانيين، والتي تصادف أن تكون أيضاً دولاً مجاورة لأوكرانيا – وهي سلوفاكيا وبولندا ورومانيا وبيلاروسيا والمجر ومولدوفا وجمهورية التشيك، تساؤلات حول المعايير المزدوجة في قبول اللاجئين، وحول مبادئ مثل الهوية الوطنية، وتكافؤ الفرص، وعالمية حقوق الإنسان.

 في حين أن المجتمعات المضيفة الجديدة قد تنظر إلى المهاجرين الأوكرانيين على أنهم أكثر تشابهاً من الناحية الثقافية من أولئك القادمين من مناطق أخرى من العالم، فإن حدوث تحركات أكبر بكثير للأوكرانيين هذا العام يمكن أن تجعل التأثيرات السياسية متشابهة وتعزز الحركات اليمينية والقومية، بالإضافة إلى أنها قد تشكل تحديات خاصة في بيئة محفوفة بالمخاطر بالفعل، وفي وقت يسود فيه عدم اليقين الاقتصادي في مرحلة ما بعد كوفيد 19.

لا أحد يعرف ما إذا كان الشعور الأولي بالتضامن اللامحدود مع الأوكرانيين وفيما بين الدول الأعضاء سيظل قائما أو يتناقص في الأشهر المقبلة. الدول الأوروبية قد تقول، على المدى المتوسط، إنها قامت بجهود كافية تجاه اللاجئين الأوكرانيين وإنها لم تعد قادرة على استقبال أحد. سيحدّد حجم الظاهرة وطول النزاع كلّ شيء.

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

One thought on “أزمة أوكرانيا – تدفق اللاجئين إلى دول أوروبا، أزمة إنسانية ومعايير مزدوجة

  1. 204013 736295If youre needing to produce alteration in an individuals llife, during i would say the Are typically Bodyweight peeling off pounds training course are a wide path inside the direction of gaining any search. la weight loss 186995

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post لا يمكننا تغيير الماضي.. لكن بإمكاننا صنع المستقبل!
man operating a surgery Next post روبوت يقوم بجراحة للعمود الفقري في الإمارات
%d مدونون معجبون بهذه: