تعزيز الاستقرار والإصلاح في تونس

سابينا هينبرج

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_ تتسم الأزمة الوطنية المستمرة في تونس بعملية انتقال ديمقراطية مجمدة واتساع حالة عدم اليقين التي تحيط بالمشهد الاقتصادي، لذا على واشنطن استخدام مبدأ الثواب والعقاب بحذر في دعم الحوكمة المفتوحة.

في الأول من أيار/مايو، أعلن الرئيس التونسي قيس سعيد أن حكومته ستتخذ خطوات لتحويل تونس إلى “جمهورية جديدة”، بدءاً من مداولات تجريها لجنة إعدادية لصياغة دستور جديد وتنتهي باستفتاء عام في 25 تموز/يوليو. ويُعتبر هذا الإعلان أحدث مؤشر على أن الوضع السياسي والاقتصادي الفوضوي في البلاد لم يتحسن منذ استيلاء سعيد على السلطة في تموز/يوليو 2021 عندما جمّد سلطات البرلمان، وأقال رئيس الوزراء، ومنح نفسه سلطة الحكم بموجب مراسيم. وحتى الآن، لم تظهر أي مؤشرات على إمكانية حصول مصالحة مع المعارضين، كما لم تكن هناك أي ضمانات على إعادة تطبيق عملية انتقالية ديمقراطية شاملة. بالإضافة إلى ذلك، لا تزال الانقسامات العميقة قائمة في أوساط النخب والمجتمع المدني وعامة الشعب من ناحية دعمهم لسعيد، مما يجعل من الصعب على المجتمع الدولي اتخاذ موقف بشأن خطواته.

الرئيس يُشدد قبضته

انتُخب سعيد رئيساً عام 2019 كمرشح مستقل – وقد نشأت شعبيته إلى حد كبير من التصور السائد بأن الطبقة السياسية فاسدة وغير كفؤة. وبالفعل، منذ استلام أوائل ممثلي البلاد السلطة من خلال انتخابات حرة ونزيهة في عام 2011، كانوا منشغلين بانتظام في المشاحنات ولم يحققوا الكثير من الإنجازات الملموسة لصالح الشعب. ونتيجة لذلك، قوبلت الخطوات الجارفة التي اتخذها سعيد في تموز/يوليو الماضي بتأييد شرائح كبيرة من السكان، رغم الشكوك المحيطة بمدى شرعيتها. لكن خلال الأشهر التالية، لم يُظهر أي نوايا على صيانة الدستور أو احترام القيود التي يفرضها على سلطته؛ بل عمد مراراً وتكراراً إلى تمديد حالة الطوارئ الأولية التي فرضها لمدة 30 يوماً، وفي كانون الأول/ديسمبر، أعلن عن خارطة طريق دستورية جديدة انتقدها الخبراء لكونها مبهمة وغير شاملة.

ولا يمكن وصف خطوات سعيد الأخيرة إلا على أنها جهود مكشوفة لوضع سلطات الحكومة الثلاث تحت سيطرته. ففي شباط/فبراير، قام بحل “المجلس الأعلى للقضاء”، وهي هيئة تهدف إلى المساعدة في ضمان استقلالية القضاء. وبعد ذلك، أصدر مرسوماً أقام بموجبه “المجلس الأعلى المؤقت للقضاء” ومنح نفسه صلاحية تعيين أعضائه مباشرة أو التأثير على أي قرار يُتخذ في هذا الصدد.

وفي نهاية آذار/مارس، وفي استعراض نادر للوحدة، عقدت غالبية أعضاء البرلمان المُعلق (120 من أصل 217) جلسة عبر الإنترنت وصوّتت بالإجماع تقريباً على إنهاء الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها سعيد. ورداً على ذلك، قام الرئيس بحل البرلمان بكامله، مما أدى إلى التحقيق مع عدد من النواب واستدعائهم وتوقيفهم، بمن فيهم رئيس مجلس النواب وزعيم الحزب الإسلامي المعتدل “حركة النهضة”، راشد الغنوشي.

كذلك، ازدادت المخاوف بشأن انتهاكات حقوق الإنسان تحت إشراف سعيد، والتي شملت الاعتقالات التعسفية والقمع ضد صحفيين وناشطين، إلى جانب خطف معارضين سياسيين ووضعهم تحت الإقامة الجبرية، ومحاكمة مدنيين في محاكم عسكرية. فضلاً عن ذلك، قام الرئيس من جانب واحد بتغيير إطار عمل الانتخابات التشريعية المقررة في كانون الأول/ديسمبر بحيث يدلي الناخبون بأصواتهم لاختيار أفراد بدلاً من اللوائح. وفي 22 نيسان/أبريل، أصدر مرسوماً بتغيير اللجنة الانتخابية المستقلة التي تسمح له باختيار ستة من أعضائها السبعة، بشكل مباشر أو غير مباشر، وتعيين رئيس جديد لها، مما يقوض بشكل كبير استقلاليتها.

وفيما يخص عملية الإصلاح الدستوري المخطط لها، كانت المشاركة في المرحلة الأولى – مشاورات عبر الإنترنت -منخفضة بشكل فاضح، حيث شارك حوالي 500 ألف شخص فقط من سكان البلاد البالغ عددهم حوالي 12 مليون نسمة. وتتمثل الخطوة التالية المعلنة لسعيد بإجراء حوار وطني يقوم على نتائج هذه المشاورات. ومع ذلك، فوفقاً لبعض التقارير، ذكر أنه لا يجدر بـ”حركة النهضة” أن تشارك في ذلك الحوار. ويبدو، أن تصريحه عمّق خلافه مع معارضيه السياسيين، الذين دعوا إلى تشكيل من جديد “جبهة الخلاص الوطني” لمنع ما اسموه “بانقلاب” سعيد. بالإضافة إلى ذلك، دعا “الاتحاد العام التونسي للشغل” الذي يتمتع بنفوذ، والذي كان على الحياد بشأن معارضة خطواته، إلى إجراء حوار دون شروط مسبقة.

مشاكل اقتصادية كامنة

تأتي هذه الأحداث لتضاف إلى الأوضاع الاقتصادية المتدهورة. فمنذ عام 2011، قاومت الحكومات المتعاقبة الإصلاحات الهيكلية الضرورية لمكافحة مستويات الديون المرتفعة باستمرار والتضخم والبطالة في تونس. وإلى جانب تعنت النخبة، دفع هذا الركود الاقتصادي الناخبين إلى انتخاب سعيد في المقام الأول، آملين أن يتمكن من تحسين ظروفهم المعيشية. ولكن في السنوات الأخيرة – جزئياً وليس بصورة تامة بسبب جائحة “كوفيد-19” – تراجعت العديد من المؤشرات، بما فيها نصيب الفرد من “الناتج المحلي الإجمالي” الإسمي فضلاً عن حجم الطبقة الوسطى وقدرتها الشرائية. وقد انتقد “صندوق النقد الدولي” تونس بسبب عدم إحراز تقدم في الإصلاحات المرتبطة ببرامج القروض الأخيرة، لا سيما عدم نجاحها في تقليص الإنفاق على رواتب القطاع العام، والإعانات، والمعاشات التقاعدية.

ومما زاد الطين بلة، أن الغزو الروسي لأوكرانيا تسبب في ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وخاصة القمح والأسمدة والوقود. وفي 13 نيسان/أبريل، أعلنت الحكومة عن خفض إعانات الوقود، إلى جانب إعانات مماثلة لسلع غذائية أساسية أخرى مثل الخبز، التي لطالما استُخدمت للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.

وتطرح هذه المخاوف معضلة لسعيد. فصحيح أن تقليص الإعانات وإجراء إصلاحات أخرى بهدف تعزيز الانضباط المالي لن يلقيا ترحيب الشعب، ولكن إذا لم يعالِج الرئيس التونسي المشاكل الاقتصادية المتزايدة، فقد يفقد أي دعم شعبي كان قد حصده. كما أن تقييم وضعه السياسي بدقة أمر صعب. على سبيل المثال، أظهرت دراسة استقصائية للأسر أجراها باحثون أمريكيون في شباط/فبراير أن ما يقرب من 80 في المائة من المستطلعين اعتبروا الإجراءات التي اتخذها سعيد كانت مفيدة في محاسبة السياسيين الفاسدين ودعم التونسيين العاديين، مقابل نسبة تقل عن 15 في المائة ممن رأت أن خطواته تقوّض الديمقراطية وتهدد الحقوق الفردية. ومع ذلك، فخلال الفترة نفسها، كانت نسبة المشاركة في التجمعات التي نظمها منخفضة بشكل حاد، ولا يزال من غير المؤكد ما إذا كان سيتمكن من حشد الدعم الضروري لإعادة انتخابه. وعلى المدى القصير، على الأقل، يبدو أنه من غير المحتمل أن يتراجع، على الرغم من أن غياب الدعم الشعبي سيجعل من الصعب عليه تحقيق الإصلاحات الدستورية التي ينوي القيام بها.

أما التحدي الذي أظهره البرلمان في آذار/مارس، والوحدة التي تجمع الأحزاب السياسية حالياً، فلم يُترجما إلى زيادة الدعم للمشرعين. وبدلاً من ذلك، اعتبر العديد من التونسيين أن تصرّف البرلمان الكارثي الأخير هو مؤشر إضافي على أنه فقد شرعيته ومصداقيته وفعاليته. وتهدد مثل هذه الهوة المتسعة بين الشعب والنخبة بإشعال فتيل أعمال العنف، ولا سيما عندما تترافق مع الاستقطاب العام بين الشعب فضلاً عن الزيادات الهائلة في أسعار المواد الغذائية.

الخيارات السياسية

نظراً إلى هشاشة الوضع في تونس، على الولايات المتحدة أن تكون حذرة بشأن دعم جهة فاعلة واحدة بشكل كبير. وقد يؤدي أي إجراء يمكن اعتباره تدخلاً خارجياً إلى تأجيج الخطاب الشعبوي لسعيد أو إثارة الاستياء من نفاق الخطاب الأمريكي حول تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان. وتم تحقيق انتقال تونس المثير للإعجاب من الحكم الاستبدادي بعد 2011 دون انحياز واشنطن إلى أي طرف؛ ومن الناحية المثالية، على البلاد حل خلافاتها الحالية بالطريقة نفسها. ويعكس إعلان وزارة الخارجية الأمريكية في 27 نيسان/أبريل بشأن “قلقها العميق” إزاء إعادة الهيكلة التي أجراها سعيد للجنة الانتخابية رد فعل إدارة بايدن المدروس على الأحداث التي تجري حتى الآن.

ومع ذلك، لا يمكن لواشنطن أن تتجاهل ابتعاد سعيد الواضح عن عملية بناء الديمقراطية في تونس. على صناع السياسة الاستمرار في استخدام أي وسيلة متاحة لهم لتشجيع تونس بهدوء على العودة إلى المسار الصحيح. وفي 28 نيسان/أبريل، أشار وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إلى أن الولايات المتحدة مستعدة لتوفير دعم اقتصادي إضافي، ولكن فقط إذا بدد سعيد “مخاوف أمريكا الجادة بشأن المسار الديمقراطي لتونس”. ومع ذلك، تُعد واشنطن مصدراً مهماً للمساعدات الثنائية، وقد يكون منع الكثير منها وسط الظروف الاقتصادية السيئة مدمراً.

ويطالب مشروع قانون الاعتمادات المالية لعام 2022 الصادر عن الكونغرس، والذي تم إقراره في مارس/آذار، الإدارة الأمريكية الإبلاغ عن أن أن الحكومة التونسية “تتخذ خطوات موثوقة لإصلاح النظام الدستوري والحكم الديمقراطي، بما في ذلك احترام حرية التعبير، وتكوين الجمعيات، والتجمع، والصحافة، وحقوق أعضاء الأحزاب السياسية”. وسيكون من الصعب تحقيق هذه الشروط في ظل الظروف الحالية. وللأسف، حتى إذا اختارت الإدارة الأمريكية وقف المساعدات بناءً على هذه المعايير، فمن غير المرجح أن يتأثر سعيد بذلك – على الأقل ليس بما يكفي لعدم المضي قدماً بالتغييرات التي يجريها. وهذا من شأنه أن يترك الولايات المتحدة مع القليل من النفوذ لحثه على العزوف عن سلوكه الاستبدادي.

وخلال زيارته الأخيرة لتونس، أعرب وفد من البرلمان الأوروبي عن قلقه عندما أبلغته العديد من الجهات الفاعلة المحلية السياسية والاجتماعية أنها لا تعتقد أن سعيد يود الاستماع إليها. لكن بدلاً من وقف المساعدات، دعا المراقبون شركاء تونس الأوروبيين إلى إطلاق مشاريع تعاونية تساهم في دمج البلاد بشكل أكثر إحكاماً ضمن المنطقة الاقتصادية التي تجمع أوروبا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط. ويمكن لإدارة بايدن إظهار دعمها بالمثل من خلال استهداف القضايا الاجتماعية والاقتصادية في حزم المساعدة الخاصة بها مع ربط مثل هذه المساعدات بعملية حوار وطني شامل.

أخيراً، على الرئيس بايدن بذل المزيد من الجهود لتعيين سفير جديد في تونس. ففي كانون الثاني/يناير، تمّ ترشيح السفير الحالي دونالد بلوم للخدمة في باكستان، لذا فإن تعيين بديل له مباشرة قد يؤكد التزام الولايات المتحدة تجاه تونس خلال هذا الوقت الصعب.

معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post ملك السعودية في المستشفى من أجل فحوصات طبية
Next post لا يمكننا مواجهة بوتين وحدنا
%d مدونون معجبون بهذه: