الولي الصوفي نجم الدين كبرى..

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_ يحضر إلى الأذهان الانكفاء على العبادات، والبعد عن السياسة، والحروب، والصراعات، إذا ذُكرت الصوفية؛ فنادرًا ما يُذكر نموذج الشيخ المجاهد في الخطابات التي تتناول الصوفية، وهو أمر ينبغي إعادة النظر إليه، وتسليط الأضواء على أحد أعلام الصوفية الذي حمل هم الجهاد ضد المغول بالسيف والقلم معًا، فكان سببًا رئيسًا في كف خطر المغول عن بلاد المسلمين، وهو الشيخ نجم الدين كبرى.

نجم الدين كبرى.. ولي «الوجد والجذابات»

في بلدة خيوق التابعة لبلدة خوارزم (أوزبكستان الحالية)، ولد أحمد بن عمر بن محمد، الذي سيعرف لاحقًا باسم «نجم الدين كبرى»، في إحدي ليالي عام 540هـ، نشأ الفتى فقيرًا، يتيمًا، قبل أن يرتحل لدراسة الحديث النبوي من علماء فارس المسلمين، ثم انكب بعد ذلك على دراسة الفقه والتفسير وغيرها من العلوم الشرعية.

بعد ذلك انجذب نجم الدين كبرى  إلى الصوفية، فصار حله وترحاله بعد ذلك في طلب العلم الصوفي، حيث حل بالأهواز (إيران حاليًا)، ثم أرمينية، قبل أن يسافر إلى مصر ليتتلمذ على يد الشيخ روزبهان الفارسي الذي كان يقطن القاهرة، وقضى زمنًا مع الشيخ أبي طاهر السلفي في الإسكندرية، قبل أن يعود أدراجه إلى خوارزم، مارًا بدمشق وبغداد وغيرها، فينهل العلم الصوفي من مشايخ تلك المناطق جميعها.

وبين أهل الصوفية سيصل نجم الدين كبرى إلى مرتبة «الولي»، وجمهور الصوفية يطلقون هذا اللقب على الصوفي الذي حصل على مقام القرب من الله بفضل ورعه، وعلمه، وفنائه في محبة الله؛ إذ جدّ نجم الدين كبرى في خوارزم في الدعوة إلى الله، على طريقته التي عُرفت بـ«الطريقة الكُبروية»، وأخذ يربى المريدين حتى وفاته، وستصير تلك صفة مميزة للشيخ الذي سيتخرَّج علي يديه عدد كبير من أولياء الصوفية، حتى سيُطلق عليه لقب «ولي تراش»، وهي كلمة فارسية تعني بالعربية «صانع الأولياء».

كان الشيخ بارعًا كذلك في الجدل والمناظرة، ومن هنا سيحمل اللقب الذي عُرف به في كتب التاريخ وهو «كُبرى»، إذ لقبه بعض معاصريه بـ«نجم الكبراء» أو «الطامة الكُبرى»، وهو اللقب الذي كثر استعماله فحذفت «الطامة»، وبقي الشيخ معروفًا باسم نجم الدين كبرى، وقد استمد هذا اللقب كما ذكرنا من براعة الشيخ الخطابية وقدرته على المناظرة، فكان مثل المصيبة والطامة الكبرى التي تحل بمن يناظره.

«اعلم أن لكل من الأولياء خصوصية وهمة في الحياة والممات، كنقش الحقيقة والإلقاء في بحر الوحدة والفناء والاستغراق لشاه نقشبندي محمد بهاء الدين، وقوة التصرف والإمداد لعبد القادر الجيلاني، والترحم والتعطف للسيد أحمد البدوي، والعشق لمحمد جلال الدين الرومي، والوجد والجذابات لنجم الدين الكبرى » *« جامع الأصوال  للمؤلف الصوفي الكمشخانوي، واصفًا أهم ما يميز أعلام الصوفية ومن بينهم نجم الدين كبرى

«إن أردت فاقتلني بالوصال أو بالفراق».. نجم الدين «شهيدًا»

إلى هنا و«كرامات» الشيخ نجم الدين كبرى، وفرادته الحقيقية بين شيوخ الصوفية، لم تصل ذروتها بعد، فالشيخ الصوفي المتعلق بالله، سيرسم ملاحم الصمود والنصر الكبرى، وهو على أعتاب الثمانين من عمره، حين تعرضت خوارزم التي كان يحكمها محمد بن خوارزم لغزو مغولي سيأتي على الأخضر واليابس، بقيادة جنكيز خان بدءًا من عام 616هـ.

كان محمد بن خوارزم شاه قد ارتكب «حماقة» أعطت ذريعة للتتار لاجتياح مملكته، فبعد أن عقد معاهدة للتبادل التجاري مع جنكيز خان، أغاظه وصف الأخير له في إحدي الرسائل بأنه «أعز أولاده»، فقام عامله على مدينة أوترار بالهجوم على قافلة مغولية تتألف من 450 تاجرًا مغوليًا مسلمًا، واستولى على ما فيها من ذهب وفضة وسلع ومنسوجات، وبعث بها إلى خوارزم شاه الذي احتفظ ببعضها، ووزع الباقي على تجار بخارى وسمرقند.

اشتاط جنكيز خان غضبًا، فأرسل إلى محمد بن خوارزم شاه يطلب منه تسليم قتلة التجار، فما كان من خوارزم شاه إلى أن أمر بقتل أحد الرسل الثلاثة، وحلق لحية الآخرين، فكانت تلك ذريعة لجنكيز خان الذي قرر اجتياح بلاد خوارزم شاه، فقاد الجيش بنفسه، واستولى على المدن واحدة تلو الأخرى: بخارى، ثم سمرقند، حتى جاء دور مدينة خوارزم التي كان يقطنها الشيخ نجم الدين كبرى وأصحابه، وكانت فظائع المغول تتوالى في كل قرية يدخلونها، فيأتون على الأخضر واليابس، ويقتلون، وينهبون، ويدمرون، حتى ظن البعض أنه لا سبيل إلى هزيمتهم ولا جدوى من مقاومتهم.

«ارتحلوا إلى بلادكم فإنه قد قامت نار من المشرق تحرق إلى قرب المغرب، وهي فتنة عظيمة ما وقع في هذه الأمة مثلها»، كان هذا توجيه الشيخ نجم الدين كبرى لأصحابه حين اقترب خطر التتار من مدينة خوارزم؛ إذ كان الشيخ حريصًا على الدعوة، فلم يرد أن يكون الفناء مصير أصحابه جميعًا، لكنه في الوقت نفسه كان عازمًا على أن يضرب لأصحابه ولأهل مدينته، ولغيرهم من المسلمين كافة، نموذجًا في الفداء والتضحية، كان ثمنه حياته نفسها.

طلب أصحاب الشيخ منه أن يكثف الدعاء على التتار، فما كان منه إلا أن قال: «هذه فتنة عظيمة لا ينفع معها الدعاء »، ولما طالبوه بالرحيل رد عليهم قائلًا: «ارحلوا أنتم فإني سأقتل هاهنا»، ثم صاح بأعلى صوته على من تبقى من أصحابه: «الصلاة جامعة»، ودخل بيته، وتجهز للحرب، ثم خرج مع أصحابه، وأخذوا يرمون جنود التتار بالنبال والحجارة، حتى أصابه سهم تتري في صدره فنزعه، وخر صريعًا وهو ينظر إلى السماء ويقول:

إن أردت فاقتلني بالوصال أو بالفراق

عاث المغول في خوارزم فسادًا، فقتلوا كل من وجدوه في المدينة، ودمروا كل بيوتها، وفتحوا السد الذي كان على نهر جيحون، فغرقت البلدة جميعها وتهدم ما فيها من الأبنية، وكان الموت غرقًا نصيب كل خوارزمي نجا من السيوف التتار، فكانت تلك كارثة «لم يُسمع بمثلها في قديم الزمان وحديثه»، على حد وصف ابن كثير في كتابه «الكامل في التاريخ».

تلميذ نجم الدين كبرى يشق صف المغول

كان نجم الدين كبرى مثالًا للعالم العامل، وللصوفي المجاهد، ورغم أن محاولته لمقاومة التتار في خوارزم لم يحالفها النجاح، فإنه لعب – بحسن تدبيره – دورًا بارزًا في وقف الزحف التتري نحو بلاد المسلمين، فقد طلب الشيخ من أصحابه كما ذكرنا أن يتفرقوا الأرض، ولا يتوقفوا عن الدعوة إلى الله، ومن بين هؤلاء سيف الدين أبو المعالي سعيد بن المطهر الباخرزي، أحد مريدي نجم الدين كبرى الذين سيؤدي مهمة بارزة سيذكرها التاريخ.

فبناء على أمر نجم الدين كبرى له بالتوجه إلى بلاد «ما وراء النهر»، ذهب الباخرزي إلى مدينة بخارى واستقر بها، وعظم شأنه حتى سمع به قائد مغولي يُدعى بايقوا، فأمر بالقبض عليه، وأن يُساق إليه مقيدًا في أغلاله، ويُروى عن الباخرزي أنه لما سمع نبأ القبض عليه قال: «إني سأرى بعد هذا الذل عزًا»، ولكن بايقوا مات قبل أن يبلغه الشيخ، فظن المغول أن بالباخرزي قوة روحية ما، وأطلقوا سراحه، وزاد هذا الموقف من علو شأنه.

كان جنكيز خان قد قرر قبل وفاته تقسيم إمبراطورية المغول المترامية الأطراف بين أبنائه الأربعة: جوتشي (جوكال)، وجغطاي (جاغطاي)، وتولي (تولاي)، وأوقطاي، ليحكم كل منهم جزءًا من المملكة، ومن بين جيل الأحفاد سيبرز اسم بيرق خان (الذي سيتحول إلى بركة خان بعد إسلامه)، الذي سيتولى حكم الجزء الشمالي الغربي من إمبراطورية المغول بعد وفاة أبيه، ثم أخيه باتوا، وهو ابن عم القائد المغولي الشهير هولاكو، الذي قاد الحملة المغولية المدمرة على بغداد عام 1258.

وكان بركة خان قبل ذلك متعاطفًا مع الإسلام بسبب زوجة أبيه الأميرة رسالة بنت علاء الدين خوارزم شاه، أخت السلطان الخوارزمي جلال الدين منكبرتي، التي صارت زوجة لجوتشي بعد وقوعها في الأسر، فكان لها تأثير كبير في أبنائه عمومًا، وفي بركة خان خصوصًا، وحين سمع عن الشيخ الباخرزي، قدم عليه في بخارى، وطلب منه أن يحدثه عن الإسلام، فأسهب له الشيخ وأطنب، ونجح الباخرزي في إقناعه والكثير من أمراء المغول بهذا الدين، وكانت تلك هي الطائفة الأولى من قادة المغول الذين تحولوا إلى الإسلام؛ الأمر الذي قلب المعادلة برمتها.

كان بركة خان عونًا للمسلمين على بني قومه، وحين علم أن هولاكو، يجهز حملة ضخمة للهجوم على بغداد حاضرة الخلافة العباسية، حث أخيه باتو الذي كان يتولى زعامة «القبيلة الذهبية» – التي تمثل فرع مغول الشمال – على أن يبعث إلى هولاكو يثنيه عن خططه، فامتثل الأخير لأمر باتو، وامتنع عن الهجوم على بغداد حتى وفاة باتو، وحين تولى بركة خان زعامة القبيلة الذهبية بعد وفاة أخيه، أرسل ببيعته إلى الخليفة المستعصم ببغداد، وأتم بناء مدينة سراي (موقعها جنوب روسيا الحالية) التي صارت عاصمة مغول الشمال، وبنى فيها الكثير من المساجد والزوايا.

بعد أن سحق هولاكو جيوش العباسيين ببغداد، توجه ببصره صوب مصر، التي كان على رأسها في ذلك الوقت المظفر سيف الدين قطز، ونائبه الظاهر ركن الدين بيبرس، كانت جيوش هولاكو الهادرة، التي بلغ قوامها مئات الآلاف من الجنود تستعد للهجوم على مصر، لتكرر هناك ما فعلته في بغداد، لكن وفاة خان المغول الأعظم مانغو خان، واندلاع الصراع على وراثة الحكم من بعده دفعه إلى العودة إلى أرض المغول، وعاد معه جل الجيش التتري، وتبقى 20 ألف مقاتل فقط مع كتبغا، الذي واجه المماليك في عين جالوت، وتلقى منهم هزيمة قاسية كانت بداية النهاية للحضور المغولي في البلاد الإسلامية.

لم يجد هولاكو بعد ذلك فرصة لإعادة ترتيب صفوفه، والانتقام من هزيمته في عين جالوت، حيث اندلعت حرب ضروس بينه وبين بركة خان كان النصر فيها يتأرجح بين الجانبين، لكن بركة خان تمكن في النهاية من إلحاق الهزيمة بجيوش هولاكو، الذي أصيب بالصرع نتيجة صدمته من الهزائم المتتالية، قبل أن يُتوفى عام 1265.

ساسا بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post عن عميد الأدب الإسباني وموقفه مع المظلومين
Next post الروح المبتورة ………………..
%d مدونون معجبون بهذه: