رواية (اللون الأحمر في مكعب روبيك) لحميد الببكاري- سردٌ لمرويات الوقائع التاريخية

بقلم: د. ضياء الجنابي

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_ رواية (اللون الأحمر في مكعب روبيك) للكاتب المغربي المقيم في بلجيكا حميد الببكاري، تشد القارئ بتوليفتها السردية، ولغتها المتماسكة، وتنقله في سفر باتجاهين، من خلال شخصيات ترتحل بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، وتأخذ القارئ بكل هدوء وانسيابية إلى أربعة محاور لموضوعات مرتبطة بتفاصيل ذاكرة جمعية لأبناء المدن المغربية الشمالية والهجرة وتبعاتها، الغموض والريبة عند عصابات التهريب والبحث الأثري في تاريخ المغرب الحديث، ومن خلال ذلك تسافر بنا في خط زمني يعود إلى معارك المقاومة ضد الاستعمار الاسباني والتصدي لمشاريعه الاستيطانية، عبر فضاءات ومواقع عديدة بدءاً من مدينة طنجة مروراً بمدن تطوان وشفشاون وميضار وفاس وصولاً إلى الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط والانتقال إلى أسبانيا ومن بعدها إلى بلجيكا.

ما يميز رواية (اللون الأحمر في مكعب روبيك) التي ستترجم إلى اللغتين الهولندية والفرنسية هو جمعها لمناحٍ عديدة تتوزع بين الواقعي والتاريخي والاجتماعي عبر سفر مشوق في محطات زمنية مهمة وأحداث موثقة، من خلال مرويات وحكايات تناقلتها الأجيال كابراً عن كابر، وقد تمكن الكاتب من رصد التحولات التي طرأت على الريف والمدينة في حقبة حساسة من تاريخ المغرب المعاصر، كما استطاع أن يسلط الضوء على جوانب حيوية تتعلق بطبيعة الحياة الإنسانية، كالتشبث بالأرض والدفاع عنها بالغالي والنفيس، وعرج كذلك على حيثيات الرحيل والعيش في متاهات الغربة، في تركيز واعٍ على المِيقاتيّة وتاريخ الوقائع.

عمد الروائي إلى اجتزاء مقطع مركز من روايته، واعتماده كمفتاح يساعد القارئ على ولوج عوالمها ومناخاتها، واختار أن يضع هذا المقطع في الغلاف الخلفي للكتاب، كون القارئ يحاول افتضاض مكنونات أي كتاب يقع بيده من خلال كلمة الغلاف، وهذا المقطع حسب اعتقاد الكاتب يفصح بشكل معين عن هوية الرواية السردية ومذهبها الفني ورؤيتها الفكرية، وجاء في كلمة الغلاف: “تتحرك بركة ذاكرته، وتستيقظ من مائها الراكد أحداث عاشها بعنفوان وبكآبة اللحظة، تناقضات عاشها بمرها وحلوها، ولكن ميضار بإقليم الدريوش تبقى كما ظلت في ذهنه، المدينة التي عشقها وربط معها علاقة روحية تتعدى الأبعاد الواقعية الملموسة”. ويصف المؤلف المدينة بقوله “ميضار لوحة فنية أندلسية مُقتطعة من التاريخ، ميضار لوحة تبهج النظر ببساتينها وأشجارها وورودها، امرأة فاتنة فُتن بها الخائن الشريف عبد المالك، قبل أن تأخذ عقل الجنرال فاريلا. لكنها تمردت وقاومت الخائن الذي دخلها راكبا جواده، فأُخرج منها ميتا محمولاً في تابوت. كما أنها سحبت البساط من تحت أرجل الإسبان، وهزت عروشهم بفضل رجالها الأشاوس”. ويتابع “رحل الإسبان وهم يجرون أذيال هزيمة نكراء، تاركين وراءهم عتادهم وثكناتهم وحاناتهم التي ظلت مهجورة تبكي الليالي الطويلة”، ويتحدث عن صورة الخراب الذي خلفه الإسبان، إلى أن يقول “أراد الإسبان شق ميضار والمنطقة بقطار ينهب ثرواتها وشحنها إلى مليلية. لكن القطار تعطل، ولم يعد يقرقع بعرباته الفارغة بعد توالي الهزائم في معركة أنوال ومعركة تفرسيت وألما و الكبداني، والاندحار الأخير بالعروي. مما جعل الإسبان يعجلون بعودتهم إلى جحورهم، لقد تبخرت الأحلام، فتعطلت عجلة التاريخ، فاختفى معهم أثر الخونة، وانسحبوا تباعاً وهم يتجرعون كؤوس الذل والهوان”.

 موضوعات متعددة

لم تقتصر الرواية على موضوعة واحدة تدور حولها الأحداث، بل تعتمد في بنائها على عدة موضوعات تتقاطع مع بعضها البعض كما يؤكد المؤلف حميد الببكاري  بقوله: “تتقاطع في رواية: (اللون الأحمر في مكعب روبيك) عدة ثيمات، لكن الثيمة الغالبة هي ثيمة السفر، حيث تبدأ الأحداث في الرواية بسفر يوسف من قريته الريفية النائية في نواحي مدينة ميضار، باتجاه مدينة فاس بغية الدراسة وإتمام تحصيله المعرفي الجامعي هناك، وخلال هذا السفر سيتعرف القارئ على الكثير من واقع مدينة ميضار وقرية بني مللول، والكثير مما يتعلق بالحياة العميقة في منطقة الريف. كما ترصد الرواية سفر البروفسور بابلو من غرناطة إلى المغرب، هذا الباحث الإسباني المختص في تاريخ الحضارة الإسلامية في الأندلس، وبالخصوص شغفه ومحاولة اكتشافه للترابط بين بلدة “الحمة” مسقط رأسه القريبة من غرناطة، ومنطقة أنجرة في شمال المغرب؛ حيث تعد هذه القبيلة سلالة خالصة من بقايا المُهجّرين والهاربين من محاكم التفتيش إبان طرد المسلمين واليهود من الأندلس. وخلال سفر يوسف نكتشف سفريات متنوعة في التاريخ الحديث والبعيد”.

مدينة فاس

تنتقل الأحداث بالقارئ لترصد واقع مدينة فاس في فترة الثمانينات، ثم تتجاوز ذلك لتصور الكثير من الأحداث التاريخية التي عرفتها المدينة، والكثير من الأعلام الذين استقروا أو عبروا أو ولدوا في المدينة، لكن قارئ الرواية لا بد أن تستوقفه أحداث كثيرة من قِبَل تاريخ الحركة الوطنية، خصوصاً الخصومة السياسية بين لمساعدي والمهدي بن بركة، عبوراً بشخصية سليكة اليهودية ذات الأصول الأندلسية وكل ما عاشته من مآسي قاسية ومؤلمة. وهنا تتقاطع قصة سليكة التاريخية مع سليكة أخرى عاشت في عصر أحداث الرواية. ومن خلال هذه المرأة يتعرف القارئ على جوانب متعددة في تاريخ مدينة فاس وبعض المدن الأخرى، والدور الحاسم لمفهوم المواطنة في الازدهار الاقتصادي للبلد، بغض النظر عن الديانات. إن ثنائية سليكة الطنجاوية التي عاشت في زمن غابر، تتقاطع بدلالات تضادية مع سليكة الفاسية التي عاشت وقت أحداث الرواية في الثمانينات من القرن الماضي؛ ولعل هذا التقارب والتباعد من حيث الجوهر والشكل، يجعل القارئ أمام نوافذ متعددة يطل من خلالها على تاريخ مدينة فاس ليكوِّن لمحة، ببعد عميق، عن التأريخ لسليكة التي عاشت في مدينة طنجة قبل عقود طويلة جداً، واستنطاق سليكة التي عاشت في فاس زمن أحداث الرواية.

تصاعد الأحداث

يؤكد المؤلف إن تصاعد الأحداث بوتيرة عالية يجعل القارئ يكتشف مأساة سليمة، أخت خديجة التي تعرف عليها يوسف بعمق منذ حلوله بمدينة فاس، سليمة التي ارتكب في حقها مراد جرماً سيظل يقظاً في روحها المكلومة. وكما بدأت قصة سليمة داخل الرواية بمأساة، فإنها تنتهي أيضاً بمأساة مهولة يولّدها واقع الحال، لكن الحدث الأغرب هو تورط البروفسور بابلو الباحث المتخصص في التاريخ في شبكة خطيرة لتهريب المخدرات، وسقوطه ضحية ابتزاز رهيب لم يكن بإمكانه أن يفعل شيئا كي يتفادى الخروج والانفلات منه.

يقول الببكاري أن الرواية: “تستعرض من جهة أخرى أحداثاً متنوعة ومتشابكة تمزج بين ما هو تاريخي معرفي وما هو ثقافي، وبين ما هو اجتماعي وسياسي. وعبر كل صفحات الرواية نتعرف على شخوص بخلفيات وطباع متباينة ومختلفة، وكل هذا يعطي للرواية ثراءاً وبعداً يجعلها حية ونابضة بالحياة، كما أن الرواية ترصد مظاهر كثيرة تختزل واقع المجتمع المغربي وغير المغربي في الكثير من الجوانب التي تشترك فيها جميع المجتمعات الإنسانية. وفي النهاية لا يمكن عدُّ الرواية سوى أنها رواية تستجيب لذائقة كل شرائح القراء، وكل قارئ سيجد نفسه فيها، ولا يهم هل القارئ من فئة نخبوية معينة أم هو مجرد قارئ باحث عن متعة النص”.

ترجمة

صدرت رواية الكاتب حميد الببكاري “اللون الأحمر في مكعب روبيك” عن دار أكورا للنشر والتوزيع في مدينة طنجة المغربية 2021م، وتقع في 235 صفحة من القطع المتوسط، وقد لاقت رواجاً كبيراً في الوسط الثقافي البلجيكي والمغاربي، وعقدت حولها عدة ندوات ثقافية، وهناك مشروع لترجمتها إلى اللغة الهولندية واللغة الفرنسية.

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_

Previous post مركز الزيتونة يصدر ورقة علمية حول توظيف الشريعة لتبرير التطبيع من الاحتلال الإسرائيلي
Next post عن وزيرة الدفاع البلجيكية لوديفين ديدوندر 
%d مدونون معجبون بهذه: