مخاطر عودة الإسلامويين المتطرفين إلى فرنسا

الدكتور وليد كاصد الزيدي، باحث في الشؤون السياسية

شبكة المدار الإعلامية الأوربية …_إذا كانت التقارير الفرنسية مختلفة بشأن عدد الفرنسيين أو المقيمين المدرجين ضمن الجماعات المتطرفة ، فإن نفس التقارير تشير إلى أن وتيرة هذه الظاهرة تتفاقم ، وأن من بين هؤلاء مراهقين في الخامسة عشرة من العمر وقد لقي عدد منهم حتفهم في سوريا ، فيما يتجه أكثر من مائة للعودة إلى فرنسا.أكثر ما يزعج فرنسا ما يمكن أن يشكله هؤلاء من تهديد لأمن البلاد بعد العودة. ويبقى السؤال المطروح سواء تعلق الأمر بفرنسا أو غيرها من الدول التي وجدت نفسها أمام خطر المقاتلين العائدين بعد أن تشبعوا بالقدرات القتالية والأفكار الجهادية ، هل يمكن للخطط الأمنية وحدها وقف سبل العودة وإبعاد الخطر؟ .وفي ذات السياق يُعبَّرً الكاتب الفرنسي (فيغنو) عن الضياع الفكري الذي يواجهه أبناء بلده ، عندما قال : “هؤلاء الأطفال أبناء جمهوريتنا يغادرون هناك ، غالباً، حتى دون أن يفهموا حقيقة الصراع . يوجد من يحلم بإقامة الشريعة وتأسيس الدولة الإسلامية الكبرى في منطقة الشرق (الشام).في حين أن هنالك آخرون يحاولون العودة إلى أوربا ، بعد خيبة أمل من جراء هذه الحرب التي يعتقدون بأنها مقدسة ، ولكن ما هو مقلق ، نواياهم بضرب البلدان التي نموا وتربوا فيها بعد عودتهم إليها ولعل مخاطر عودة المقاتلين المتطرفين الى أوربا عامة وفرنسا خاصة هي أسوأ بكثير من توقعات

الأجهزة الأمنية والاستخبارية الأوروبية ، وذلك للأسباب الآتية:

* توفر الشبكات الناضجة : لا حاجة الى إنشاء شبكات جديدة للعائدين نظراً لوجود العديد من هذه الشبكات قائمة أصلاً ولا سيما في دول أوربا الغربية ، وفي مقدمتها فرنسا.

* غياب الأطر القانونية : لا تزال بعض الحكومات، وخاصة في شمال أوروبا، حديثة العهد في إطار التعامل مع مسألة الجهاديين العائدين إلى بلدانها، إذ يوجد عدد قليل أو محدود من الموانع القانونية لردع أو معاقبة الأفراد الذين يلتحقون بالجماعات الإرهابية ، وهو ما يمنحهم القدرة على التجنيد والتوجيه والإرشاد نحو بِحُرية عند عودتهم إلى بلدانهم .

يُذكِّرْ أحد الباحثين الفرنسيين بقضية “الجهادي” الفرنسي من أصل جزائري (مهدي نموش) الذي نفذ اعتداء على متحف يهودي في بروكسل في بلجيكا قبل أن تعتقله فرنسا في مدينة مارسيليا وتسلمه إلى السلطات البلجيكية لمحاكمته، مؤكدا أنه ” قاتل في سوريا في صفوف داعش وهناك تلقى التدريب على حمل واستخدام الأسلحة وتنفيذ اعتداءات، ما يثير الجدل مجددا بشأن خطر هؤلاء على الأمن في فرنسا وأوروبا بعد عودتهم “.وأضاف : ” شخصيا أخشى أن تكون قضية (مهدي نموش) بداية لسلسلة اعتداءات قد تشهدها أوروبا وينفذها جهاديون أوروبيون عائدون من سوريا، لأني على يقين أن تنظيم داعش قادر اليوم على إرسال مقاتلين لتنفيذ اعتداءات في أوروبا وحتى في الولايات المتحدة” .لقد اطلعت صحيفة ” لوفيغارو” الفرنسية في عام 2014 على مراسلات بين مسلحي تنظيم داعش في سوريا والعراق وبين آبائهم ، تظهر كم يعيشون في بؤس وخوف وملل، وخيبة ظن بعد اكتشافهم أن معاني المغامرة الكبيرة التي قاموا بها انهارت بانضمامهم للتنظيم الإرهابي. ووجدت الصحيفة أن معظم من كتبوا الرسائل كانوا يتوسلون فيها للحصول على المشورة لكي يعودوا إلى وطنهم ، وآخرون شكوا من أنهم بدلاً من أن يشاركوا في معركة نبيلة ” كانوا يتصرفون مثل الكلاب”، ولفتت إلى أن بعضهم يريد العودة ” لأنهم لم يفعلوا شيئاً سوى توزيع الملابس والمواد الغذائية ونقل الجثث من الجبهة “، فيما كتب أحدهم: ” لقد سئمت، فالآيبود لا يعمل هنا وأريد العودة إلى البيت، ولا توجد أي وسائل راحة هنا مثل تلك التي في فرنسا”.في حين كتب آخر: ” يريدون إرسالي إلى الجبهة ، ولكني لا أعرف كيف يكون القتال”، وقد أشارت الصحيفة أيضاً إلى أن محامين في فرنسا يقومون نيابة عن أسر الشباب بمحاولة إقناع الدولة بالسماح لمتطوعين فرنسيين من الجنسين ، بالعودة عبر إجراء اتصالات منفصلة مع شرطة مكافحة الإرهاب ومديري الأمن الداخلي ومكتب وزير الداخلية السابق (كازنوف) ، فيما عكست الرسائل أيضاً خوف عدد كبير منهم من التعرض لخطر الموت أو الإصابة لأنهم لا يجيدون القتال في الوقت الذي يسعى فيه التنظيم للدفع بهم إلى الصفوف الأمامية ، فضلاً عن أنهم يخشون مما قد يحدث لهم حال قرروا العودة إلى فرنسا .ان كثرة أعداد الجهاديين الذين غادروا الدولة الفرنسية متوجهين للقتال في العراق وسوريا مع مختلف المجموعات المتطرفة التي تحارب هناك، وفي مقدمتها (جبهة النصرة) ، و(داعش) ، لم تخفِ وكالات الاستخبارات قلقها المتزايد من ظاهرة الجهاديين المتطرفين وخصوصا قلقها من العواقب التي ستخلفها هذه الظاهرة بعد عودتهم إلى بلدانهم ، فقد قال أحد أعضاء البرلمان الفرنسي في أواخر عام 2014 ، إن نحو (100) متشدد ممن قاتلوا ضمن التنظيمات المعارضة في العراق وسوريا ، عادوا إلى فرنسا وهو ما يحتاج إلى موارد هائلة للمراقبة واتخاذ تدابير أمنية أخرى لمنع وقوع هجمات، وقد غادر آلاف المتطوعين الغربيين إلى هذين البلدين للانضمام إلى الجماعات الإرهابية ، في وقتٍ أثار فيه هذا النزوح مخاوف في أوروبا والولايات المتحدة من قيام الجهاديين العائدين بشن هجمات إرهابية ولدى تتبع الأسباب التي تدفع الجهاديين الفرنسيين بالعودة إلى فرنسا ، نجدها تتلخص في ثلاثة : أولها ، عدم القدرة على مواجهة الحرب والتحول الظاهري إلى أهوال حقيقية.والثاني ، هو نقص المال الذي يدفعهم إلى الرجوع المؤقت. وأخيرا ، فإنّ سبب العودة الأكثر أهمية الذي تخشاه السلطات الفرنسية هو احتمالية تنفيذ مهمة عسكرية على طريقة (محمد مراح) ، فمنذ أن تجاوز عدد مقاتلي الكتيبة الفرنسية في سوريا الثلاثمائة مقاتل، أصبح واقعياً التفكير باحتمالية محاولة بعضهم العودة إلى تنفيذ أعمال إرهابية في فرنسا، سواء نجحت أم لم تنجح فالتهديد يواجه فرنسا مباشرةً .وعلى عكس تنظيم القاعدة الذي يعتبر ضرب الغرب هدفه الأساس، فإن نوايا تنظيم داعش هي محلية في المقام الأول. ويعترف خبير شؤون الإرهاب (بريسارد) بصحة أن الجهاد الذي تنادي به داعش هو إقليمي، ولكن مع تواجد مقاتلين أجانب داخلها، فإن للتنظيم قدرة هائلة في مهاجمة الغرب إذا قرر ذلك “. ويُذَكِّر أنه في الماضي انخرط الجهاديون العائدون إلى أوروبا في ما نسبته 50٪ من العمليات الإرهابية.في حين يرى (وسيم نصر) الصحفي المتخصص في الجماعات الجهادية ، أنّه في الوقت الراهن، لا تملك الدولة الإسلامية الموارد اللوجستية والتقنية لتصل إلى أوروبا بشكل فعال. مع ذلك ، تبقى حالة (مهدي نموش) تُذَكِر بالخطر الذي يمثله الجهاديون لدى عودتهم إلى أوروبا .يشير (باتريك كوكبيرن) في كتابه (عودة الجهاد) الى ميول ورغبات المقاتلين الأجانب الذين دخلوا منطقة الشرق الأوسط بالعودة لارتكاب أعمال إرهابية في الدول الغربية وبخاصة الأوربية منها ، بالقول : ” … بعد ان تكلمت في بداية هذا العام مع مجموعة من المقاتلين السوريين الذين لا ينتمون مباشرة الى القاعدة في جنوب شرق تركيا ، اخبرني أحد المصادر أنهم جميعاً دون استثناء أظهروا الحماسة والاستحسان لأحداث الحادي عشر من  سبتمبر 2001 ، وتمّنوا لو أن الشيء نفسه يحصل في أوروبا كما حصل في الولايات المتحدة” .في حين يؤكد المفكر الفرنسي (جيل كيبيل ) ، أن الخطر يأتي من ظهور ساحة المعركة الأساسية للجهاد ، تحت رعاية (داعش)، على بعد ساعات فقط جواً انطلاقاً من باريس أو بروكسل أو لندن، والتي يقصدها الجهاديون الشباب، على متن خطوط جوية مخفّضة الأسعار، بهدف التدرّب قبل أن يُزرَعوا من جديد في مجتمعاتهم الأوروبية .ومن المسائل المهمة التي ينبغي الإشارة إليها ، هو أنّ مخاطر هذه الجماعات الإرهابية التي ستعود من القتال بالمقارنة مع تنامي الجماعات القتالية في تشددها بعد الحرب الأفغانية وأعمال العنف التي وقعت في التسعينيات، ثمة إمكانية بأن يكون هؤلاء أسوأ بكثير.ولعل العوامل المساهمة في ذلك هي وجود الشبكات الناضجة ، وغياب الأطر القانونية التي تمنع عودتهم إلى بلدانهم التي جاءوا منها ، إذ لا تزال بعض الحكومات في شمال أوروبا، حديثة العهد في إطار التعامل مع هذه المشكلة ، في حين يوجد عدد قليل أو محدود من الموانع القانونية لردع أو معاقبة الأفراد الذي يلتحقون بالجماعات الإرهابية ، أو العائدين إلى بلدانهم بعد مشاركاتهم القتالية ، وهو ما يمنحهم القدرة على التجنيد والإرشاد باتجاه أهدافهم بِحُرية وسهولة.

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post الثالوث مصطلح محايد بديل لمصطلح الرب الرجل في السويد
Next post تفكيك الأخوات في ألمانيا
%d مدونون معجبون بهذه: