الإسلام الديمقراطي في مواجهة الإسلام السلطوي

جيمس م. دورسي

تلاجمة: يسرى مرعي

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_أصبحت إندونيسيا ساحة معركة بين نظرة ترى إسلام القرن الـ21 ديمقراطيا وأخرى تراه سلطويا: بين مفهوم منفتح للإسلام تمثله حركة مقابل مفهوم سلطوي لـ”إسلام معتدل” تمثله دولة خليجية. تعليق جيمس دورسي.

يخاطر الرئيس الأندونيس جوكر ويدودو بأن يجد نفسه في منتصف معركة. على الرغم من علاقته الوثيقة بجمعية نهضة العلماء، وهي أكبر حركة مجتمع مدني في العالم تضمُّ حوالي 90 مليون من الأنصار، وافق ويدودو على التعاون مع الإمارات العربية المتحدة في الشؤون الدينية في مقابل استثمارات إماراتية ضخمة في هذا الأرخبيل الذي يقع في جنوب شرق آسيا.

 وفي النهاية تعهد ولي عهد الإمارات العربية المتحدة {رئيس الإمارات العربية المتحدة الآن} محمد بن زايد بأن يرأس لجنة الإشراف على إنشاء عاصمة جديدة لإندونيسيا بقيمة 32.5 مليار دولار أمريكي واستثمار 10 مليار دولار في صندوق للثروة السيادية للبلاد مع التركيز على البنية التحتية.

وتحتل العلاقة بين رجال الدين الإسلاميين وبين الدولة قلبَ المعركة بين الرؤى الدينية المتنافسة للحكم. يفضّل عبد الله بن بيه رجال دين تسيطر عليهم الدولة من أجل خنق النقاش الحر، وتجنّب ما يسميه الفقيه “فوضى الفتاوى”. ويرأس الفقيه بن بيّه مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، الذي تأسّس في عام 2018 “لنزع سلاح الفتوى من أيدي الإرهابيين والمتطرفين”.

وقد قال حمدان المزروعي، الذي شغل منصب رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف الإماراتية في ذلك الوقت، إنّ مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي قد أُنشِئ “لضمان توافق الفتاوى في البلاد وضمان الدعوة إلى الإسلام المعتدل”. وتعكس السيطرةُ على النقاش الديني في الإمارات العربية المتحدة قمعَ الدولة لحرية التعبير بشكل عام. كما يضم مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي بين أعضائه الدكتورة أماني برهان الدين، العالمة الإسلامية البارزة، التي ترأّست مجلس العلماء الإندونيسي لشؤون المرأة والشباب والأسرة.

أجندة جمعية نهضة العلماء المختلفة للغاية

في تناقض كامل مع بن بيه والإمارات العربية المتحدة، شنّت جمعية نهضة العلماء، بقيادة رئيسها المنتخب حديثاً يحيى خليل ستاكوف، أحد دعاة الإسلام الإنساني الذي ينشر احترام الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية، هجوماً مباشراً على مجلس العلماء الإندونيسي الذي كان قوياً فيما مضى. ومجلس العلماء، الذي يتكوّن من ممثلين عن جميع المذاهب السنية، هو من بقايا سيطرة الدولة السابقة، ويعتبره الكثيرون أعلى هيئة للعلماء المسلمين في البلاد.

ويستهدفُ الهجومُ تهميشَ المجلس، الذي يسعى إلى الاحتفاظ بتلك الهيئة كمجموعة مستقلة بحكم الواقع. وعبر تقويض مجلس العلماء الإندونيسي، تشجّع جمعية نهضة العلماء على “فوضى الفتاوى” التي يفضّل بن بيه وداعموه الإماراتيون قمعها.

تأسّس مجلس العلماء في عام 1975 من قبل الرئيس آنذاك، سوهارتو، بوصفه هيئة شبه مستقلة، ولطالما قدّم نفسه على أنه الصوت الرسمي للإسلام. وعلى الرغم من أنّ مرشدي نهضة العلماء المتعاقبين تولوا رئاسة المجلس منذ ذلك الحين، بيد أنّ السيطرة على المجلس أصبحت في متناول اليد منذ الإطاحة بسوهارتو بثورة شعبية في عام 1998.

ولسنوات عديدة نشر المجلسُ سياسات تمييزية ضد المذاهب الإسلامية المتهمة بالهرطقة مثل الأحمدية والشيعة، وأيضاً ضد الأقليات الجنسية. وقد قام بذلك بدعم من رجال الدين المحافظين في جمعية نهضة العلماء، بمن فيهم نائب الرئيس جوكوي، معروف أمين. ففي عام 2017، لعب أمين دوراً أساسياً بوصفه رئيساً للمجلس في الاحتجاجات الجماهيرية التي أطاحت برئيس جاكرتا باسوكي تجاهاجا بورناما، والمعروف باسم أهوك، وهو مسيحي من العرق الصيني، وأدّت إلى الحكم عليه بالسجن لمدة عامين بتهمة ازدراء الإسلام.

بدأ هجوم نهضة العلماء حين استقال الرئيس الأعلى للجماعة، مفتاح الأخيار، من منصبه كرئيس لمجلس العلماء في آذار/مارس. ويبدو أنّ الاستقالة قد أدخلت المجلس في حالة من الفوضى. وفي الوقت ذاته، حرمت وزارةُ الشؤون الدينية المجلسَ من احتكاره لموضوع منح شهادات الحلال من خلال فتح القطاع أمام المنافسة.

وتُعتبر شهادات الحلال من النشاطات التجارية الكبيرة. وتصدرُ وكالة ضمان المنتجات الحلال الشهادات بناء على فتوى تصدر من مجلس العلماء للشركات في قطاعات الأغذية والأزياء والتعليم والأدوية ومستحضرات التجميل والسياحة والإعلام والسفر والطب والصحة والفنون والثقافة والمالية. وعبر تقويض المجلس، تحاول جمعية نهضة العلماء إزالة ما تبقى من نفوذ للدولة على مسألة إصدار الفتاوى.

النقاش الحر مقابل التوجيهات الموحّدة المعتمدة من الدولة

مما لا شك فيه أنه يفتح الباب أمام أكثر ما يخشاه بن بيه. إذ أنّه وفقاً لبن بيه فإنّ أسباب عدم الاستقرار والتقلّب في الشرق الأوسط تعود إلى عدم تجانس الفتاوى التي تغذي الجدل الحر بدلاً من تزويد المؤمنين بتوجيهات موحدة معتمدة من قبل الدولة. وهو كلام يتردد صداه في تصريحات كبار المسؤولين الإماراتيين.

وبالنسبة لبن بيه، الاستبداد، غير المقيد من قبل فقهاء الدين الذين لا يعرفون مكانهم الصحيح، هو الأفضل لضمان السلام المجتمعي. وقد التزم بن بيه الصمت حين تجاوز مموّلوه الإماراتيون نظريته وجعلوها بلا جدوى، مع التدخلات العسكرية في اليمن وليبيا. إذ غذّت تدخلاتهم الحروبَ الأهلية، بينما أنتج الدعم السياسي والمالي للاحتجاجات المناهضة للحكومة في مصر، والتي أطاحت بالرئيس الأول والوحيد المُنتخب ديمقراطياً في مصر في عام 2013، دكتاتورية قاسية.

قُتِل أكثر من 800 من المتظاهرين ضد الانقلاب في أعقابه. وأثار تدخّل الإمارات في اليمن بالتعاون مع المملكة العربية السعودية واحدة من بين أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، بينما ساعد دعم الإمارات لزعيم المتمردين الليبيين، خليفة حفتر، في انتهاك حظر الأسلحة المفروض من قبل الأمم المتحدة، على دفع الدولة التي تقع في شمال أفريقيا إلى نزاع عنيف طويل الأمد.

وصمت بن بيه عن هذه الفوضى التي أثارها المستبدون الإماراتيون يشير إلى أنّه “ليس معارضاً للفوضى دون قيد أو شرط، بل هو يشير فقط إلى جهود القوى ذات التوجه الديمقراطي في المنطقة ضد الاستبداد على أنها “فوضى””، كما يقول أسامة الأعظمي، وهو باحث بريطاني في الشرق الأوسط من أصول جنوب آسيوية، وعالم إسلامي كلاسيكي كذلك.

ويأتي صمت بن بيه من اعتقاده بأنّه لا ينبغي للفقهاء التأثير في قرارات الحاكم لأنهم “لا يعرفون حقائق الأمور أو عواقب إجراءات معينة”. إضافة إلى ذلك، يجادل بن بيه أنّ علماء المسلمين قد لا يكونون على دراية بـ “التوترات الداخلية أو المخاوف الخارجية لبلد ما والتي قد تؤدي إلى حرب أهلية ينبغي أخذها بعين الاعتبار في شؤون الدولة”. وعلى النقيض من ذلك، قال بن بيه: “يفهم الحاكم الأسباب الكامنة وراء قراراته ويتعامل مع المواقف التي يصعب على الآخرين فهمها”.

وبدلاً من إخضاع العلماء الإسلاميين لسيطرة الدولة، تعهّد ستاكوف، وهو رئيس جمعية نهضة العلماء المُنتخب حديثاً، بإبعاد الجماعة عن السياسة. وقد يكون الهجوم على مجلس العلماء الإندونيسي الخطوة الأولى في هذا الاتجاه. بيد أنّ الاختبار الحقيقي سيكون في تحديد مستقبل العديد من نشطاء جمعية نهضة العلماء الذين يشغلون مناصب في حكومة ويدودو كسفراء وأعضاء في مجالس الإدارة في الشركات المملوكة للدولة.

يقول الباحث الإندونيسي ألكسندر أريفيانتو: “بينما تعهّد الرئيس الجديد علناً بإعادة جمعية نهضة العلماء إلى منظمة محايدة سياسياً، هناك مؤشرات على أنها قد تحتفظ بعلاقات وثيقة مع نظام جوكوي، وتعمل مع الحكومة للترويج لـ”الإسلام المعتدل” الذي يؤيده جوكوي في الداخل والخارج”.

قد تستنتج نهضة العلماء أنّ منع جوكوي، الذي يغويه السخاء المالي الإماراتي، من تبني المفهوم الاستبدادي للدولة الخليجية عن “الإسلام المعتدل” هو سبب كافٍ للحفاظ على العلاقات الوثيقة للجمعية بالرئيس.

قنطرة

Previous post قمر كيلاني إمراءة من زمن الثقافة نسائية
people at a protest at night Next post شغب في  أنتويرب
%d مدونون معجبون بهذه: