لم يعلن عنها مسبقاً وجاءت بعد موت حكومته إكلينيكياً.. ما أسباب زيارة بينيت المفاجئة لمحمد بن زايد؟

ماجد عزام

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_  زار رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت أبوظبي، الخميس الماضي؛ حيث التقى الرئيس الإماراتي محمد بن زايد، في لقاء هو الثالث بينهما خلال أقل من ستة أشهر. 

الزيارة المفاجئة التي لم يتم الإعلان عنها مسبقاً بدت لافتة جداً، قياساً إلى الظروف والمتغيرات التي تمر بها المنطقة، كما الملفات الثنائية والإقليمية التي جرت مناقشتها والتوافق عليها خلال الزيارة.

بداية لا بد من الإشارة إلى أن الزيارة هي الثانية لرئيس الوزراء الإسرائيلي إلى أبوظبي، بينما اللقاء هو الثالث مع محمد بن زايد؛ حيث التقيا أيضاً في قمة شرم الشيخ آذار/مارس الماضي، ولكنها الأولى بعد تولي هذا الأخير قيادة البلاد رسمياً الشهر الماضي خلفاً لأخيه الراحل خليفة، بعدما كان ولسنوات طويلة الحاكم الفعلي لها. 

ومن هنا حرص بينيت على الإشارة إلى هذه النقطة في بيان الإعلان عن الزيارة، وادعاء أنه يقوم بواجب التعزية في الرئيس الراحل، زاعماً أن هذا الأخير ساهم في شق العلاقة بين الجانبين. ومن جهة أخرى، تهنئة محمد بن زايد لتوليه المنصب رسمياً، علماً أنه المسؤول عملياً عن تأسيس العلاقة السرية ثم المعلنة مع الدولة العبرية. 

أسباب زيارة بينيت المفاجئة لمحمد بن زايد

كما كتبنا هنا سابقاً، وحسب العبارة التاريخية والشهيرة لوزير الخارجية الأمريكي السابق المفكر الاستراتيجي هنري كيسنجر، فإسرائيل لا تملك سياسة خارجية؛ بل داخلية فقط، وبناء عليه يمكن فهم زيارة بينيت إلى أبوظبي في نفس اليوم الذي فشل فيه الائتلاف الحاكم بتمرير قانون الاستيطان والأبارتهايد بالضفة الغربية في البرلمان “الكنيست”؛ ما مثل إعلاناً شبه رسمي عن موت الحكومة إكلينيكياً. 

وهدف الزيارة واضح بالطبع، يتمثل بهروب بينيت من الأزمات الداخلية نحو نسج علاقات خارجية وتحقيق مكاسب تصب فيما تسمى مصالح إسرائيل الأمنية الحيوية، واستخدام المعطيات السابقة لتقوية وضعه الداخلي المهتز، واستثمارها في الانتخابات العامة المبكرة- الخامسة خلال أربع سنوات- التي باتت مسألة وقت فقط.

في السياق الثنائي، أتت الزيارة مباشرة بعد توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين إسرائيل والإمارات، وهي أول اتفاقية من نوعها مع الدول العربية، التي تقيم معها تل أبيب علاقات دبلوماسية، علماً أنها ركزت بشكل أساسي على خمسة قطاعات، هي: المواد الغذائية والزراعية ومستحضرات التجميل والأدوية والمعدات الطبية، وهي قطاعات تتفوق فيها إسرائيل؛ ما يعني أنها سوف تستغل الاتفاقية لتعميق حضورها في السوق المحلية والاقتصاد الإماراتي بشكل عام، ومن ثم التسلل إلى أسواق خليجية وعربية وآسيوية أخرى.

بدت اتفاقية التجارة الحرة كتعبير اقتصادي عن العلاقات الثنائية المتنامية، خاصة في شقها الأمني، ولذلك لم يكن مفاجئاً أبداً الكشف، وبالتزامن مع الزيارة أيضاً، عن نشر إسرائيل منظومات رادار ودفاع جوي متطورة في الإمارات والبحرين لمواجهة التهديدات الإيرانية، سواء كانت صاروخية أو عبر الطائرات المسيرة، كما حصل في قصف أبوظبي أوائل العام الجاري.

ومن هنا يمكن كذلك فهم تزامن الزيارة المفاجئة لبينيت مع تعثر المفاوضات النووية، وتوبيخ الوكالة الدولية للطاقة الذرية إيران؛ بسبب إخفائها معلومات عن الوكالة ومفتشيها، وردّ طهران بتفكيك كاميرات المراقبة في منشآتها الحيوية والهامة، وتسريع وتيرة تخصيب اليورانيوم، وسعي تل أبيب لاستغلال ذلك ليس فقط لرفع وتيرة العمليات ضد مسؤولين وأهداف إيرانية، ولكن لدفع مزيد من الهواء في أشرعة التطبيع مع الدول العربية، تحديداً الخليجية منها.

الهدف المركزي للزيارة

بناء عليه، يمكن استنتاج أحد أهداف، بل الهدف المركزي للزيارة، والمتمثل بتقوية التنسيق والتعاون الأمني أو الهندسة الإقليمية، حسب تعبير نفتالي بينيت في إعلانه الرسمي قبل توجهه إلى أبوظبي.

إلى ذلك، يمكن وضع الزيارة في سياق التحضير المشترك لزيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن المرتقبة إلى المنطقة في تموز/يوليو القادم، وتواتر الحديث عن عقد قمة أمريكية عربية إسرائيلية؛ لإقامة منظومة دفاع إقليمية عربية إسرائيلية بمظلة أمريكية.

المنظومة الجديدة، كما اتفاقيات التطبيع الإبراهيمية، تلحظ تسليم القيادة الإقليمية لإسرائيل، وحضوراً “للنظام المصري”، لكن في المقعد الخلفي من العربة التي تقودها تل أبيب، بمساعدة مركزية لأبوظبي. 

بينما يبدو الأردن متردداً في الانضمام إلى المنظومة، وهو مستاء من تصريحات بينيت وممارسات الاحتلال في المسجد الأقصى والقدس بشكل العام، وانتهاك الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية والمسيحية بشكل منهجي ومتعمد، ولكنه سيلتحق بالعربة غالباً، ولكن في المقعد الخلفي أيضاً، صحبة النظام المصري، في ظل الأزمات الداخلية المتفاقمة للنظامين، وحاجتهما إلى الدعم الخارجي متعدد المستويات؛ اقتصادياً من الإمارات، وأمنياً من إسرائيل، وسياسياً من الولايات المتحدة.

زيارة بينيت أتت كذلك على وقع الأنباء المتلاحقة عن وساطة أمريكية للتطبيع بين السعودية وإسرائيل، علماً أن طائرة رئيس الوزراء الإسرائيلي عبرت الأجواء السعودية في طريقها إلى أبوظبي، ويمكن توقع أن الخطوات، بل المسيرة التطبيعية برمتها، منسقة بين أبوظبي والرياض التي ستدعم عربة التحالف عن بعد حتى الانضمام إليها رسمياً ولو بعد حين.

لا يمكن أبداً تجاهل البعد الفلسطيني لزيارة بينيت، ومجمل المسيرة التطبيعية بشكل عام، خاصة أنها جاءت بعد مسيرة الأعلام الإسرائيلية في باب العامود، وفي ظل استمرار اقتحامات جيش الاحتلال والمستوطنين للمسجد الأقصى والحرم الشريف، وعملياً سعت الزيارة إلى تكريس تهميش القضية الفلسطينية إقليمياً، مع رفض بينيت عقد لقاء ثنائي مع رئيس السلطة محمود عباس، أو حتى مشاركة الأخير في اللقاء الإقليمي المنتظر على هامش زيارة جو بايدن، على أن يتم تعويضه أمريكياً بمبادرات شكلية لا تشمل إعادة فتح القنصلية الأمريكية بالقدس، ولا حتى مكتب منظمة التحرير الفلسطينية بواشنطن، والاكتفاء بالمقابل بتحويل مكتب الشؤون الفلسطينية بالسفارة الأمريكية لدى إسرائيل إلى وحدة مستقلة، وفصلها إدارياً عن السفارة وربطها مباشرة بوزارة الخارجية في واشنطن، مع زيادة الدعم  الأمريكي الاقتصادي للسلطة، ولو عبر منظمات دولية، والضغط على الاتحاد الأوروبي والدول العربية لزيادة مساعداتها لرام الله؛ لتهدئتها وتدجينها للتساوق، أو على الأقل عدم الاعتراض جدياً على الأجندة الأمريكية الجديدة في المنطقة.

بالعموم، يمكن استنتاج عودة إدارة جو بايدن إلى جوهر وروح الاتفاقيات الإبراهيمية التطبيعية لسلفه دونالد ترامب، التي تدار أصلاً بقيادة إسرائيلية إماراتية، علماً أن الزيارة الأخيرة التي نحن بصددها سعت أساساً إلى تعميق هذه الاتفاقيات وتوسيعها، ومع ذلك من نافلة القول الإشارة إلى أنه لا إمكانية لتجاوز القضية الفلسطينية الحية ولا لتحالفات وتفاهمات أو أي هندسة إقليمية بعيداً عنها، في ظل عناد وصمود الشعب الفلسطيني ومقاومته التي لا تلين.

عربي بوست

Previous post فرنسا تخسر لقبها أمام كرواتيا
Next post محمد القضاة والتكنولوجيا والدعوة….
%d مدونون معجبون بهذه: