الإدارة الانفرادية للرئيس التونسي قيس سعيد وانعكاساتها على المشهد التونسي

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_ بعد حوالي عشرة أشهر من اندلاع الأزمة السياسية في تونس، أعلن الرئيس التونسي قيس سعيد، مطلع مايو/أيار الماضي، حزمة من القرارات الجديدة، تتعلق بإجراء مشاورات وطنية، دون مشاركة أكثر الأحزاب السياسية الفاعلة، وذلك لاقتراح مشروع دستور جديد للبلاد.

تأتي هذه القرارات مكملة لما أقدم عليه الرئيس التونسي، في الخامس والعشرين من يوليو/تموز 2021،  من تجميد البرلمان، ورفع الحصانة عن أعضائه، وإعفاء رئيس الوزراء من عمله، ثم تعيين حكومة جديدة فيما بعد، والمضي في تنفيذ عدد من القرارات التي يرى معارضوه أنها تستهدف الحالة الديمقراطية في تونس.

تواجه الإجراءات الاستثنائية السابقة والجديدة رفضاً سياسياً وشعبياً متزايداً؛ في حين يصر الرئيس التونسي على تنفيذها من أجل تحقيق تطلعاته المتعلقة بتثبيت النظام السياسي الذي وعد به أنصاره، وذلك من خلال إعلان لجان الانتخابات وصياغة الدستور وتحديد مواعيد الانتخابات والاستفتاء.

يبحث تقدير الموقف في الخطوات الانفرادية الجديدة التي أقدم عليها الرئيس التونسي، والمواقف السياسية والحزبية منها، وانعكاساتها على المشهد التونسي السياسي والاقتصادي والأمني.

سياقات ودوافع الإدارة الانفرادية للرئيس التونسي قيس سعيد

كان الانسداد السياسي داخل البرلمان، وعجز الحكومة، وتدهور الوضع الاقتصادي، من أهم العوامل التي اتخذ منها الرئيس التونسي ذريعة لإعلان قراراته الاستثنائية، حيث يؤكد أنه أقدم على هذه الخطوة بعد “تحول البرلمان إلى حلبة صراع، وتعطلت أعماله في أكثر من مناسبة نتيجة للعنف المادي واللفظي، وذلك بالإضافة إلى الفساد الذي انتشر في الدولة وفي المجلس النيابي ذاته”، حسب قوله.

هذه المبررات كان من المفترض أن تكون دافعاً نحو بناء حوار وطني شامل، يعالج الاختلالات التي أدت إلى هذا الوضع، لكنها تحولت إلى ذريعة لتحقيق التطلعات السياسية للرئيس، التي يرى معارضوه أنه تجاوز من خلالها المادة 80 من الدستور التي اعتمد عليها في إعلان القرارات، حيث من المفترض أن يبقى البرلمان في حالة انعقاد دائم، وأن تبت المحكمة الدستورية (التي لم تُشكل بعد) في استمرار الحالة من عدمها، لكن الرئيس تجاوز كل ذلك وأعلن، في الـ30 من مارس/آذار الماضي، حل البرلمان، وتثبيت الوضع الاستثنائي.

كذلك أعلن الرئيس التونسي موعد الانتخابات التشريعية في السابع عشر من ديسمبر/كانون الأول من هذا العام، التي ستُرتَّب وفقاً لقانون انتخابي جديد، ولجنة انتخابية جديدة أعلنها منفرداً، وأعلن أيضاً الاستفتاء على الدستور في الخامس والعشرين من يوليو/تموز المقبل. وكان قد أصدر، في مايو/أيار الماضي، مرسوماً رئاسياً يقضي بتشكيل “الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة”، ولجنتين استشاريتين وأخرى لـ”الحوار الوطني”، كما أصدر مرسوماً دعا فيه الناخبين للتصويت على الدستور الجديد للبلاد، الذي تشرف على إعداده الهيئة الوطنية الاستشارية، وقد استثنى من هذه الهيئة الأحزاب والقوى السياسية والمدنية الرافضة لقراراته.

وفي سبيل تحقيق هذه التطلعات أقدم الرئيس التونسي على حل المجلس الأعلى للقضاء، وإقالة سبعة وخمسين قاضياً، واعتقال ومحاكمة عدد من المعارضين، ومنع شخصيات سياسية من السفر، وبهذا أغلق جميع أبواب الحوار مع القوى الرافضة لهذه القرارات، ووصفها بأنها مضادة لإرادة الشعب وخياراته، معلناً الهدف العام الذي يسعى نحوه والمتمثل في تأسيس جمهورية تونسية جديدة.

الموقف الشعبي والحزبي من قرارات الرئيس التونسي

انقسمت المواقف السياسية والحزبية في تونس ما بين فريقين؛ فريق مؤيد لقرارات الرئيس، يرى أن ما أقدم عليه خطوة ثورية تسعى لتصحيح المسار السياسي، وكتلة سياسية وازنة رافضة لهذه القرارات، حيث أعلنت أبرز الأحزاب السياسية رفضها لتلك القرارات، وفي مقدمتهم حزب حركة النهضة، كما أنَّ جزءاً آخر من المكونات السياسية والنقابية التي تماهت مع القرارات في البداية أعلنت فيما بعد رفضها المطلق لنتائجها، وعارضت الانخراط في جلسات الحوار، وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي وصف الحوار بأنه “حوار شكلي متأخّر متعجّل تُحدَّد فيه الأدوار من جانب واحد وتُفرض فرضاً، ويقصي القوى المدنية والسياسية الوطنية، وتراد منه تزكية نتائج معدّة سلفاً يتمّ إسقاطها بشكل فردي وفرضها على طريقة المرور بقوّة وفرض الأمر الواقع”، كما جاء في بيان الاتحاد.

وهذا الموقف القوي من أكبر وأعرق مؤسسة نقابية في تونس يعد خطوة مهمة، تكشف رفض أغلبية القوى الفاعلة لقرارات الرئيس، وتدل على تنامي العزلة الداخلية والخارجية لهذه الإجراءات، لكن من المحتمل أن يتراجع الاتحاد عن هذا القرار في حال تحسنت شروط التفاوض، وضَمِنَ مكانته في المعادلة السياسية، ومن المتوقع كذلك أن يقدم الاتحاد- في حال إصرار الرئيس على المضي في قراراته- على مبادرة وطنية جديدة تستوعب مختلف القوى السياسية الرافضة لتلك القرارات.

كما رفض الحزب الدستوري الحر مضي الرئيس في هذه القرارات، وقالت زعيمة الحزب، عبير موسى: “ما يحدث هو استهزاء بالشعب وديكتاتورية، لكننا لن نترك تونس رهينة بيد سعيد”. وتشكلت جبهات مناهضة لما أسمته الانقلاب على الشرعية الدستورية، وتسعى للعودة إلى المسار الديمقراطي، مثل جبهة الخلاص الوطني، التي تضم عدداً من التكتلات السياسية، من بينها النهضة وقلب تونس والكرامة وائتلاف مواطنون ضد الانقلاب، وأعلنت تنفيذ عدد من المظاهرات والمسيرات والإضرابات المنددة بالقرارات الانفرادية للرئيس سعيد.

الموقف الإقليمي والدولي من قرارات الرئيس التونسي

يبدو أن الموقف الإقليمي كعادته منقسم حول تونس؛ فالموقف الليبي الذي رفض العملية بقوة في بدايتها، وسماها حينها رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبي، خالد المشري، “انقلاباً على الأجسام المنتخبة”، لا يزال غارقاً في أزمته السياسية؛ في حين لم يظهر المغرب موقفه من قرارات الرئيس التونسي، ويؤكد على علاقات الأخوة والتضامن بين البلدين الشقيقين؛ ويظهر أن الموقف الجزائري حريص على ممارسة دور الوسيط لحل الخلاف، من خلال تأكيد الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، استعداد بلاده لمساعدة تونس في الخروج من المأزق الذي تمر به، والعودة إلى المسار الديمقراطي، ويبدو أن الموقف الجزائري يأخذ مسافة تدريجية من الرئيس التونسي نتيجة تنسيقه مع مصر، ويفسر ذلك الاستمرار في إغلاق الحدود البرية بين تونس والجزائر، خصوصاً مع اقتراب الموسم السياحي الذي تعول عليه تونس كثيراً.

في المقابل لا يزال الموقف الخليجي ضبابياً، على الرغم من الاتهامات السابقة التي وجهها رئيس البرلمان التونسي للإعلام الإماراتي بالوقوف وراء ما حدث في تونس، وهناك اتهامات أخرى للإمارات باستغلال الأزمة، والدفع باتجاه إفشال التجربة الديمقراطية في تونس. في حين تدعو قطر إلى “تغليب صوت الحكمة، وتجنب التصعيد، وإلى انتهاج طريق الحوار لتجاوز الأزمة”، ولا يزال الموقف التركي رافضاً لهذه العملية.

الموقف الدولي يبدو حذراً من قرارات الرئيس التونسي، ويتابع الرفض الشعبي والسياسي المتزايد، وذلك لإدراكه للمصالح الجيوستراتيجية، حيث يخشى من انهيار الوضع الأمني في تونس، وتحولها لحالة ليبية جديدة، وربما أكثر خطورة نتيجة الوضع الاقتصادي المتردي. ويظهر أن الموقف الفرنسي -الذي أشار من قبل إلى اطلاعه على ما تم قبل حدوثه- متغير بعد مواصلة الرئيس التونسي المضي في تحقيق ما يريد بعيداً عن التوافق مع القوى الداخلية القريبة من فرنسا، في حين دعا تقرير لجنة البندقية (اللجنة الأوروبية للديمقراطية من خلال القانون) إلى إعادة النظر في مجمل قرارات الرئيس التونسي بسبب فقدانها للشرعية. لكن يظل الموقف الدولي بحاجة إلى فعل سياسي داخلي ضاغط.

انعكاسات قرارات الرئيس التونسي على المشهد المحلي

الانعكاسات السياسية

القرارات الأخيرة التي أعلنها الرئيس التونسي ترسخ الوضع الجديد، وتؤسس لنظام سياسي مختلف عن سابقه، وهي بهذا تستثني المكونات السياسية الكبيرة، التي تعد وسيطاً بين الشعب والسلطة، واستبعادُ الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني الفاعلة من هذه المفاوضات يؤسس لحالة من التفرد، ويلغي دور العامل الحزبي.

هذا الاستبعاد قد يؤسس لإلغاء أشمل يجهز على ما تبقى من أدوات ديمقراطية فاعلة، ويعيق مسار التحول الديمقراطي التونسي، خصوصاً أن مهمة اللجنتين الاستشاريتين المكلفتين بصياغة الدستور تكمن في تقديم مجموعة مقترحات للرئيس، الذي سيختار منها ما ينسجم مع أهدافه وتطلعاته، ومن ثم فإن هذه المقترحات في حال استمرارها ستؤسس لنظام شمولي أكثر مركزية، ويلغي مضمون الديمقراطية وإن أبقى عليها شكلاً، وهذا الأمر في حال تنفيذه قد يؤدي لانسداد الأفق السياسي، خصوصاً بعد دعوات الإضراب، حيث من المحتمل أن تعود تونس إلى وضع أشد مما كانت عليه، وقد يؤسس ذلك لفوضى شاملة.

كما أن استهداف مادة “الإسلام دين الدولة” في مسودة الدستور الجديد -كما أعلن عن ذلك الصادق بلعيد منسق الهيئة الوطنية الاستشارية لإعداد الدستور الجديد- قد يؤدي إلى تجدد الصراع الهوياتي في تونس، ولعل ذلك ما يسعى إليه أنصار الرئيس التونسي، من خلال الترويج لصراع “الديني والمدني”، وإعادة شق جبهة المعارضة وفرز التيار الإسلامي خارج المعادلة، وهذا الأمر يتجاوز الأزمات الحقيقية السياسية والاجتماعية والاقتصادية ليغذي صراعات وهمية أنهكت الواقع التونسي كثيراً.

الانعكاسات الاقتصادية

تعيش تونس وضعاً اقتصادياً معقداً، وتلوح في الأفق أزمة انهيار اقتصادي، نتيجة مضاعفات الأزمات السياسية المتجددة، وانهيار مؤسسات الدولة، وتداعيات أزمة كورونا، والتضخم الاقتصادي العالمي، وانعكاسات الحرب الروسية الأوكرانية، كما أربكت الحالة السياسية المتأزمة أداء أجهزة الدولة، وأدت هذه العوامل وغيرها إلى ارتفاع الأسعار وتردي وضع الخدمات العامة. وقد نبه تقرير نشرته “مجموعة الأزمات الدولية”، في يناير/ كانون الثاني الماضي، إلى أن تونس بصعوبة بالغة “تتمكن من دفع رواتب الموظفين وسداد ديونها الخارجية”.

ويضغط صندوق النقد الدولي باتجاه تحقيق عدد من الإصلاحات الداخلية، تتمثل في مراجعة سياسة دعم السلع الأساسية، وخفض حجم قطاع الوظيفة العامة، وتخفيض أجور موظفي القطاع العام. وهذه الإجراءات من المتوقع أن تلاقي رفضاً شعبياً يقوده اتحاد الشغل، وهذا ما سيكون له انعكاسه على عدد من الملفات؛ منها الأمن الداخلي، وزيادة الهجرة للخارج، وشلل الوضع الاقتصادي.

الانعكاسات الأمنية

الوضع السياسي التونسي له تأثيره في مختلف المجالات، ولا سيما الوضع الأمني، حيث دعت “جمعية القضاة التونسيين” إلى الإضراب أسبوعاً قابلاً للتجديد، وانضمت إليها منظمات قضائية أخرى، وأيدتها أحزاب سياسية ومنظمات مجتمعية، كما دعا الاتحاد العام للشغل إلى إضراب يشمل القطاع العام والوظيفة العمومية في السادس عشر من الشهر الجاري، وحذر في الوقت نفسه من اللعب بالورقة الأمنية في تونس، في ظل التلويح بالتدخل الأمني لكسر أي إضراب قادم. هذا الواقع قد يجدد حالة القمع الداخلي ويفاقم حالات الاعتقال، وقد يتطور الوضع أكثر في حال أُقحم الجيش في الملف السياسي.

هذه الحالة قد تؤدي إلى الانفلات الأمني، وتحسباً لهذا الوضع حذرت الولايات المتحدة الأمريكية رعاياها من السفر لبعض المناطق التونسية، بسبب ما أسمتها “مخاطر وجود الإرهاب”،وهذا ما سيكون له انعكاسه على الوضع التونسي في المجالات كافة، وقد ينعكس تأثيره الأمني على المجتمع الإقليمي والدولي.

خاتمة

يبدو أن الرئيس التونسي مصرٌّ على المضي في تنفيذ حواره الوطني، والوصول إلى الاستفتاء الدستوري، وتحقيق أهدافه في الوصول إلى النظام السياسي الجديد، لكنَّ حظوظ نجاح الاستفتاء شعبياً تبدو ضئيلة، فأغلب القوى السياسية والمدنية رافضة لذلك. وعلى الرغم من أن الرئيس التونسي لا تهمه نسبة المشاركة بقدر ما يهمه تنفيذ الاستفتاء، فإن مواصلة تنفيذه يبدو أنها ستكلف تونس الكثير، كما أنها قد توسع عزلة تونس الإقليمية والدولية، وستكون لها انعكاساتها السلبية سياسياً واقتصادياً وأمنياً، ومن ثم يبقى السؤال: هل تَضطرُّ الضغوطُ المتزايدة، الداخلية والخارجية، الرئيسَ التونسي إلى بعض المراجعات التي تضمن امتصاص الغضب الشعبي وتخفيف الضغط الخارجي، خصوصاً في حال أقدم الاتحاد التونسي على تنفيذ مبادرات وطنية معارضة لإجراءات الرئيس، وضاغطة في سبيل الحد من تنفيذها؟

مركز الفكر الاستراتيجي للدراسات

Previous post “اتفاقيات إبراهيم” والمعالم المتغيرة للشرق الأوسط
Next post سقف لسعر النفط الروسي
%d مدونون معجبون بهذه: