كشفت عن الفرق الهائل بيننا وبينهم.. هكذا علَّمتني استقالة جونسون 12 درساً مهماً في السياسة

لكح رابح

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_ كما كان منتظراً، اضطر رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون (الخميس 7 يوليو/تموز 2022) لإعلان تخلِّيه عن منصبه رئيساً لحزب المحافظين الحاكم (ضمنياً تخليه عن رئاسة الحكومة)، وجاءت استقالته بعد حراك سياسي غير مسبوق في تاريخ بريطانيا تمثّلَ أساساً في تمرد على سلطته عبر سلسلة استقالات وضغوط جماعية هزت الحكومة، ففي 48 ساعة استقال نحو 55 عضواً من الحكومة، بينهم 6 وزراء والباقي مسؤولون كبار، وتعددت الدعوات من المحافظين باستقالة جونسون، وقد صدرت عن قيادات وازنة ومنهم حتى بعض أصدقائه. والحدث في حد ذاته عادي في الأنظمة السياسية الغربية، لكن ما همَّني هو ما رافقه من أحداث وتصريحات تمثل لنا مجموعة دروس وعبر يمكن استخلاصها خاصة بالمقارنة بما يحدث عندنا.

موقف جونسون في خطاب استقالته أوضح وجهة نظره حيث:

 ١- برر إصراره على البقاء من باب التزامه تجاه الناخبين الذين منحوه تفويضاً غير مسبوق (تمكن المحافظون بقيادته في انتخابات 2019 من الفوز بأكبر أغلبية لهم منذ 1987)، وأن مهمته وواجبه يحتمان عليه الوفاء بما تعهد به.

٢- تأسف لعدم نجاحه في إقناع الآخرين برأيه، كما أقر بأن إرادة حزبه في الدفع نحو ذهابه كانت واضحة.

٣- عبّرَ عن حزنه لاضطراره للتخلي عن أفضل وظيفة في العالم.

وهو بذلك لخص القواعد التي من المفروض أن نمارس من خلالها نشاطنا السياسي والتي تتمثل في مجموعة الدروس التالية:

1- الشعب هو مصدر السلطات، فالالتزام الوحيد هو تجاه الناخبين (الشعب) فلا حديث عن الوفاء لأي قوة أخرى (لا ملكة ولا غيرها)، بخلاف ما يحدث عندنا حيث الالتزام الوحيد لمسؤولينا هو أمام القوى على الأرض (وحتى لو كانت غير دستورية)، و”شعيب لخديم” هو آخر همومهم واهتماماتهم.

2- الشجرة لا تغطي الغابة.. فمهما كانت كفاءة الفرد وقوته، فإنه ينتهي ويتوقف عند إرادة الجماعة وقوة المجتمع ولهذا أعلن جونسون خضوعه لإرادة الجماعة (الحزب)، بخلاف ما هو واقع عندنا، أن إرادة الفرد ومصالحه هي المقدمة على إرادة الأمة ومصالحها، وانظر كيف كُيّف الفقه السياسي لصالح الفرد الحاكم منذ فقدت الأمة الشرعية بعد حرب صفين.

3- حب السلطة فطري.. فلم يَدَّعِ أنه لا يحب السلطة، بل اعتبرها أفضل وظيفة عكس ما يحدث عندنا أن يعلن (كاذباً) من تسلط على رقابنا بمناسبة أو بدونها أنه زاهد في السلطة ويمارسها (بعنف قل نظيره!) من باب الواجب فقط الذي يدعوه ويحتم عليه ذلك.

4- لا وسيلة للاستمرار إلا الإقناع.. فلم يُخفِ سعيه للاستمرار في السلطة بالإقناع لكنه يُقر ويتأسف لفشله، بخلاف ما يحدث عندنا فلا يكتفي بالكذب وإعلان رغبته في التخلي عن السلطة، بل لا يُتعب نفسه أصلاً في إقناع الناس فحجته لا تناقش ومقنعة جداً وهو الوحيد الذي يملكها ألا وهي حجة “القوة والإكراه”.

5- في السياسة، ليس هناك من لا غنى عنه.. فمن تصريحاته التي سيحفظها التاريخ قوله: “نظامنا السياسي الرائع سينتج قائداً آخر ومن واجبي دعم القائد الجديد بكل ما في وسعي”، فبالرغم من الانتصارات التي حققها في الماضي فالحديث اليوم عن الحاضر (والتطلع إلى المستقبل) ولا أحد يعيش على بطولات وأمجاد الماضي ومع أول النذر التي تهدد الجماعة (الحزب) ومن ورائه الوطن يمكن التخلي دون تردد عن الفريق وقائده، بخلاف ما يحدث عندنا نهدم الجماعة (الحزب) نحطم الوطن ونبدد ثرواته حتى نسمح باستمرار الحاكم في منصبه، فأغلب عمليات الهدم والتفتيت تكون من أجل الفرد على حساب الجماعة (انقسام الأحزاب)، أو الحاكم على حساب الوطن (مثال سوريا وما لحقها من دمار…).

أسباب استقالة جونسون، والدروس المستفادة

من أهم حسنات النظام الديمقراطي الغربي أنه قادر على سحب البساط بسلاسة من تحت أرجل الحكام والقادة متى استنفدوا مبررات ريادتهم وهذا ما حدث مع بوريس جونسون، ويمكن تلخيص أسباب اجتماع الناس على المطالبة برحيله في:

1- “بارتي غيت” أو فضيحة الحفلات التي نظمتها السلطة بمقراتها الرسمية (مخالفة للقانون) خلال الحجر الصحي (وباء كورونا).

2- تفجر فضيحة تعيينه نائباً في منصب مسؤول الانضباط لنواب الحزب الحاكم في البرلمان، على الرغم من علمه بسلوكه السيئ واتهامات التحرش التي تلاحقه. يضاف إليها فضيحة حصوله على أموال من متبرع من حزب المحافظين استخدمها لتجديد شقته الرسمية.

3- الأوضاع الاقتصادية الصعبة، حيث عرفت بريطانيا (بسبب خروجها من الاتحاد+مخلفات كورونا) تضخماً كبيراً (جاوز نسبة 9٪ لأول مرة منذ 40 سنة) رافقتها زيادات كبيرة في أسعار السلع الأساسية (الغذاء والوقود والسكن) مع اتهامه بأنه لم يبذل جهداً كافياً لتخفيف معاناة البريطانيين من هذه الأوضاع الصعبة.

4- النتائج السلبية التي مُنيَ بها حزب المحافظين في انتخابات المجالس المحلية (مايو/أيار 2022) حمّلوه مسؤوليتها ودفعت قيادات حزبه للتخوف من أن يتعرض الحزب لهزيمة ثقيلة في الانتخابات التشريعية القادمة (2024) إذا استمر جونسون في القيادة.

وبنفس المنطق في التحليل يمكن أن نستخلص مجموعة الدروس التالية:

5- لا أحد فوق القانون.. الشعب الواعي لا يقبل التطفيف، حيث أدان البريطانيون سياسة الكيل بمكيالين فبينما كانوا يعانون من الغلق التام كان رئيسهم وحكومته يقيمون الحفلات، بخلاف ما يحدث عندنا فالقاعدة المعتمدة “يجوز للحاكم (مهما نزل) ما لا يجوز لغيره”، والغريب أن تجد من “شعيب لخديم” من يبرر للحاكم تجاوزه للقوانين التي وضع تفاصيلها بإرادته الحرة.

6- لا مساس بقيم وأخلاق المجتمع، السلوكات غير الأخلاقية (الكذب، التحرش…) لا يقبلها المجتمع البريطاني ممن تصدر الشأن العام خاصة، وهي عامل حاسم في محاسبتهم، بخلاف ما يحدث عندنا فالحاكم “بأمره” لا يراعي بالمطلق قيم المجتمع وأخلاقياته بل الأخطر أن يتم اختياره مسؤولاً عنهم عندما يثبت عنه تجاوزه واستهزاؤه بمعتقدات الأمة ومقدساتها، ألم يكتب قائد الأنذال (انقلابيو جانفي) بكل فخر أنه من مدمني البيرة منتقداً صديقه (ورفيق مساره الدموي)؛ لأنه مدمن على الويسكي.. أما كذبهم على الشعب فأتحدى من بإمكانه عده لسنة واحدة فقط.

7- لا تساهل في المال العام.. فبالرغم من أن ما حصل عليه جونسون من المتبرع صرفه على ملكية عمومية فالمجتمع الواعي يرفض التساهل في تحصيل وصرف المال العام وقاعدة “تضارب المصالح” المحددة لا تغيب للحظة، بخلاف ما يحدث عندنا؛ فبإمكان الحاكم التصرف بالمال العام كما يحلو له والمحزن دائماً توفر من يفتي ويبرر له تبديد وإهدار موارد الأمة وطاقاتها.. ويكفي للتدليل على ذلك الصناديق السوداء التي لا يضبطها ضابط ولا يُعلم عنها شيء!

8- لا مجال لسلطة غنية وشعب فقير، فالسلطة التي تفشل في حل مشاكل الناس الأساسية لا يمكنها الاستمرار، عكس ما يحدث عندنا فمنذ الاستقلال إلى اليوم ونفس الأزمات نعيشها ووضعنا يسوء كل يوم.. لكن الثابت الوحيد هو “حاكمنا المفدى” الذي لا يتحمل أي مسؤولية عن سوء أوضاعنا ويقتصر دوره على التصرف في ثرواتنا بما يخدم مصالحه بالدرجة الأولى.

9- مصالح الجماعة مقدمة على مصالح الفرد.. فعندما أحس الحزب أن هزيمته محتملة في وجود جونسون لم يتردد لحظة في إبعاده دون الحاجة للبكاء على الأطلال، فالتاريخ للعبرة وليس معياراً آنياً، ومعطيات الواقع هي التي يُبنى عليها المستقبل، بخلاف ما يحدث عندنا، فكل المنكرات تحدث باسم التاريخ (وحتى الجغرافيا أيضاً..) وتقديم الناس وتأخيرهم يعتمد أساساً على النظر في المرآة العاكسة.

من هنا وهناك

10- السياسي الرسالي يعمل من المهد إلى اللحد وحتى بدون منصب.. فها هو جون ميجور (رئيس سابق من 1990 إلى 1997 عمره 80 سنة) يدعو للإسراع في اختيار خلف لجونسون ويرفض أن يستمر في منصب رئيس حكومة تصريف الأعمال، عكس مسؤولينا القدامى الذين يغيبون تماماً عن المشهد وإن حدث وظهروا ففي إطار تزكية أعمال ومواقف الحاكم بأمره.. وعلى مستوى الجماعات (الأحزاب) فالوضع أشد، فمن خطف غنيمة وسوى وضعه الاجتماعي (في الغالب على حساب مبادئه المعلنة وجماعته) أعلن طلاقه البائن مع رسالته التي كان يُظهر للناس أنه يعيش ويموت لأجلها!

11- المناضل شريك وليس أجيراً.. فكل الوزراء والمسؤولين الذين ضغطوا باستقالتهم منطلقهم أنهم شركاء مع جونسون وليسوا موظفين عنده.. عكس ما يعتقده الحاكم لدينا أو أي زعيم لجماعة ما (الحزب)، حيث ينظرون إلى شركائهم في الوطن (أو في الحزب) على أنهم أُجراء عنده يوظفهم ويطردهم متى شاء، ولدينا في حادثة رحابي عبرة، وزير الإعلام في عهد بوتفليقة الذي أُقيل عندما أبدى مواقف مخالفة لمواقف فخامة الرئيس حينها.

12- السياسي رأس ماله كفاءته ونزاهته.. فإن كانت الكفاءة مضمونة على اعتبار نظامهم لا يسمح إلا بتقديم من ثبتت كفاءتهم العلمية، فإن القيمة الأخلاقية لدى السياسي من الصعب معرفتها إلا بالممارسة وهذا ما عبر عنه مجموعة من الوزراء المستقيلون بقول أحدهم: “لا يمكنني التضحية بنزاهتي الشخصية للدفاع عن الأشياء كما هي الآن”.. وقول الآخر: “الأهم من أي حكومة أو زعيم هو المعايير التي نتمسك بها في الحياة العامة والإيمان بديمقراطيتنا وإدارتنا العامة”.. وتصريح ثالث: “محاولة الموازنة بين الولاء والنزاهة أصبحت أمراً مستحيلاً في الأشهر الأخيرة”. بعكس ما يحدث عندنا فالولاء والتملق للحاكم هي البطاقة المؤهلة لأعلى المناصب وأهمها، ولا أحد يهمه مستقبل البلاد بقدر اهتمامه بمستقبله الشخصي ومستقبل ولي أمره.

هذه اثنا عشر درساً لمن أراد أخذ العبرة من المستوى الراقي لممارستهم للعمل السياسي. ومتى ارتقى مستوانا حققنا آمالنا.

عري بوست

Previous post ارتفاع صادرات الأسلحة السويسرية بسبب مونديال قطر 
Next post تغريم السرعة على الطرق السريعة البلجيكية
%d مدونون معجبون بهذه: