صدمة ثالثة لدول أوروبا واستنزاف لاقتصادياتها

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_ لا تزال ألمانيا تخشى أن التدفق قد لا يستأنف أبدًا حتى بعد انتهاء أعمال الصيانة السنوية للفترة بين 11 و 21 يوليو 2022 على خط أنابيب نورد ستريم 1. تستعد ألمانيا لتوقف دائم محتمل لتدفق الغاز الروسي بعد بدء أعمال الصيانة على خط أنابيب نورد ستريم 1 عبر بحر البلطيق.

وقعت ألمانيا وروسيا  اتفاقية بناء الخط الأول من نورد ستريم في سبتمبر 2005 بحضور المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بعد فترة وجيزة من الخسارة الانتخابية للائتلاف الذي كان يقوده. وبعد أسبوعين فقط من تركه لمنصبه أصبح شرودر، باقتراح من بوتين، رئيسًا لمجلس الإشراف على شركة تشغيل خطوط الأنابيب “إن.إي.بي.غي”.

تعتبر ألمانيا المستورد الرئيسي للغاز الروسي في أوروبا، وقد ساهمت في إنجاز خطي نورد ستريم 1 و 2 ، مشروع تجنب الطريق البري عبر بيلاروسيا أو أوكرانيا حيث سلك بحر البلطيق بربط روسيا مباشرة بألمانيا، الأمر الذي أغضب عددا من دول شرق أوروبا وحتى الولايات المتحدة الأمريكية، ما أثار عددا من الإشكالات الاقتصادية والجيوسياسية. ورغم تحفظات حلفاء ألمانيا حول المشروع منذ البداية، فإنهم لم ينجحوا تماما في منع إنجاز المشروع. غير أن الاستعدادات الروسية المفترضة لغزو أوكرانيا جعلت من ذلك موضوع استقطاب سياسي حاد.

يعتبر العمل على خط الأنابيب  البالغ طوله (1220 كم) حدثًا سنويًا ويتطلب إغلاق صنابير الغاز لمدة 10 إلى 14 يومًا ولكن لم يحدث من قبل في تاريخ خط الأنابيب الممتد لعقد من الزمن أن تتساءل ألمانيا بجدية عما إذا كان التدفق سيبدأ مرة أخرى. روبرت هابيك ، وزير الاقتصاد الألماني ، لم يتردد في معالجة مخاوف الحكومة. وتحدث عن “سيناريو الكابوس” الذي يمكن أن يحدث.

حالة عدم اليقين بشأن إمدادات الغاز

إن حالة عدم اليقين بشأن إمدادات الطاقة، الغاز من روسيا،  مرتبطة بتقلبات السوق وستظل مرتفعة على الأرجح لكن في حالة اورد ستريم 1، ربما تكون مرتبطة بالعلاقات الروسية الألمانية والتي شهدت الكثير من التراجع.

تعتبر قضايا سلسلة التوريد العالمية ، والحرب الروسية الأوكرانية ، وارتفاع أسعار الطاقة ، والتضخم المرتفع بمثابة رياح معاكسة لمنطقة اليورو، التوقعات الحالية، تقول هناك،نمو للناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.7٪ هذا العام و 1.2٪ فقط في العام المقبل (1.5٪ و 0.9٪ بالنسبة إلى ألمانيا). تتأثر الشركات أيضًا بتوقعات النمو المنخفضة والتحديات الاقتصادية والتجارية في الولايات المتحدة والصين ، وكلاهما من المناطق الرئيسية للمصدرين الأوروبيين. مع استمرار رؤية فرص جذابة للمستثمرين على المدى الطويل ، لا ينبغي تجاهل المخاطر قصيرة الأجل.

صيانة نورد ستريم 1

أعلنت كندا في 10 يوليو 2022 أنها ستعيد إلى ألمانيا التوربينات التي تم إصلاحها لخط أنابيب نورد ستريم 1 الروسي ، وهو مصدر أساسي لإمداد ألمانيا بالغاز. يأتي ذلك في الوقت الذي يستعد فيه خط الأنابيب للخضوع للصيانة في الفترة من 11 إلى 21 يوليو2022. على الرغم من أن الصيانة روتينية رسميًا ، إلا أن التوتر مع روسيا ووضع العقوبات في الدول الحليفة مثل كندا دفع القادة الألمان إلى التفكير في إمكانية الإغلاق لفترة أطول. وتأتي الإصلاحات وسط عقوبات كندية ضد روسيا تمتد لتشمل “النقل البري وخطوط الأنابيب وتصنيع المعادن والنقل والكمبيوتر والمعدات الإلكترونية والكهربائية ، وكذلك الآلات”. وحثت أوكرانيا كندا على عدم إعادة الجزء الذي تم إصلاحه ، قائلة من شأنه أن يقوض العقوبات المفروضة على روسيا.

نورد ستريم

الحكومة الأوكرانية  تنتقد قرار كندا

انتقدت الحكومة الأوكرانية قرار كندا بإعادة التوربينات ، قائلة إنه سيشجع موسكو على “الاستمرار في استخدام الطاقة كأداة للحرب الهجينة ضد أوروبا.” لأن خط الأنابيب يمكن أن يعمل بدونه. ويقولون إن موسكو تختار تسليح تدفق الغاز رداً على العقوبات. “هذه السابقة الخطيرة تنتهك التضامن الدولي وتتعارض مع مبدأ سيادة القانون وستكون لها نتيجة واحدة فقط: إنها ستعزز إحساس موسكو بالإفلات من العقاب”.

هل انتهكت ألمانيا وكندا العقوبات الغربية على موسكو ؟

لا تزال أوكرانيا تجادل بأن تحرك الحكومة الكندية لإصلاح وإرسال التوربينات إلى ألمانيا يعد انتهاكًا ، لكن حقيقة الأمر ليست كذلك أبدًا ، لأن العقوبات التي فرضتها بروكسل والاتحاد الأوروبي والغرب على روسيا ، أعطت ألمانيا وبعض فترة الدول الأوروبية حتى نهاية هذا العام 2022 من أجل إيجاد بديل روسي للغاز والطاقة.يمكن تفسير ما تفعله ألمانيا وكندا في الوقت الحالي في إطار الصيانة السنوية الروتينية لخط أنابيب نورد ستريم 1 ، ولا يمكن اعتباره انتهاكًا للعقوبات الأوروبية المفروضة على روسيا.

المستشار الألماني شولتس استمرار اتخاذ تدابير ضد نقص الطاقة

توقع المستشار الألماني شولتس استمرار اتخاذ تدابير ضد نقص الطاقة حتى بعد الشتاء القادم. وقال المستشار : “نحن في هذه الأيام معنيون بأمن الطاقة  وسيكون الأمر على هذا النحو أيضاً خلال الأسابيع والأشهر والسنوات القادمة”.وهذا ليس تحذير شولتس الأول في غضون أسبوع، حيث دعا المواطنين في وقت سابق بالفعل للاستعداد لمواجهة أزمة طويلة الأمد ناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة. وأكد شولتس في رسالته أن الحكومة الألمانية اتخذت بالفعل العديد من القرارات في غضون فترة زمنية قصيرة حتى تكون ألمانيا مستعدة جيداً لنقص الطاقة، أيضاً فيما يتعلق بالغاز، وقال: “نبني خطوط الأنابيب ومحطات الغاز المسال. نعمل على تخزين الغاز في الصهاريج المتاحة لدينا، ونعمل أيضاً على استخدام محطات الطاقة التي تعمل بالفحم الآن حتى نوفر الغاز”.

بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، طرح تساؤل مفاده: هل البنوك غير المسؤولة “أكبر من أن تفشل وتترك لتنهار؟” وعلى وقع الحرب الروسية في أوكرانيا وما تلا ذلك من أزمة الطاقة، يطرح التساؤل ذاته بشأن شركات الطاقة التي تعتمد على الوقود الأحفوري الروسي.كانت شركة “يونيبر” الألمانية للطاقة من أكثر الكيانات المطالبة باستيراد  الغاز الروسي منذ وقت طويل، فيما شهد يوم الجمعة الماضية (08 يوليو/ تموز 2022) تقديم الشركة طلبا للحكومة لإنقاذها جراء أزمة نقص إمدادات الغاز التي تعصف بالكثير من البلدان الأوروبية. حيث تسعى الحكومات في التكتل إلى تأمين إمدادات الطاقة قبل فصل الشتاء مع استمرار الحرب الروسية وما نتج عن ذلك من نقص في إمدادات الغاز والنفط إلى أوروبا.

**

أزمة أوكرانيا ـ الصدمة الثالثة، تعزيز قوة الناتو واستنزاف اقتصاديات أوروبا

دفعت الحرب في أوكرانيا الغرب إلى الاستخدام غير المسبوق للتدابير الاقتصادية القسرية ، بما في ذلك تجميد احتياطيات البنك المركزي الروسي ومقاطعة واسعة النطاق للتجارة والاستثمار. وكان لهذا تأثير معوق على الاقتصاد الروسي.  من ماتحتاجه أوروبا والولايات المتحدة هو وضع  قواعد التي  التي ممكن ان تضبط التوجهات الأقتصادية الجديدة في المستقبل. أي وضع الإطار المؤسسي لتنسيقها وتنفيذهاوكيفية فرضها أو رفعها لمعايرتها نحو أهداف سياسية محددة.

تعتبرالحرب في أوكرانيا هي الصدمة الثالثة غير المتكافئة ، كما يسميها الاقتصاديون ، التي شهدها الاتحاد في العقدين الماضيين، بعد الأزمة المالية والاقتصادية لعام 2008 وأزمة منطقة اليورو التالية ووباء COVID-19 الصدمة غير المتكافئة هي التغيير المفاجئ في الظروف الاقتصادية التي تؤثر على بعض دول الاتحاد الأوروبي أكثر من غيرها.  الحرب في أوكرانيا لها تأثير كثيرعلى البلدان المجاورة بسبب تدفق اللاجئين واعتمادهم الشديد على الغاز الروسي.  ولمنع الصدمات غير المتكافئة من إضعاف الاتحاد الأوروبي ، تحتاج أوروبا إلى زيادة قدرتها على إظهار التضامن مع البلدان الأكثر تضررًا.  وهذا ما فعلته أوروبا في مواجهة الأثر الاقتصادي لوباء COVID-19 ، سواء من خلال تجميع مشتريات اللقاح أو من خلال خطة الاتحاد الأوروبي للجيل القادم. هذا أيضًا ما نحتاج إلى القيام به الآن.

أن “غزو” روسيا لأوكرانيا  يعتبر، نقطة تحول تاريخية، لكن هل تمثل الحرب انقطاعًا في تطور الاقتصاد العالمي؟  ذهب البعض إلى حد التكهن بأن هذه الحرب قد تمثل نقطة تحول في تاريخ العولمة ، على قدم المساواة مع عام 1914. ويعتقدون أن الصراع وانعدام الثقة سيقوضان الاستثمار والتجارة ويطلقان العنان لتراجع عام عن الترابط الدولي. . ويرى آخرون أن جهود روسيا لفتح قنوات للتجارة مع الهند والصين بوادر لنظام جديد متعدد الأقطاب.

أمن الطاقة

لطالما كان اعتماد أوروبا على الطاقة الروسية نقطة ضعف. قوبل التقدم المحدود عبر سياسة الطاقة والمنافسة في الاتحاد الأوروبي بمشاريع البنية التحتية الرئيسية التي يدعمها الكرملين (خطوط أنابيب نوردستريم) والخطوات الخاطئة من قبل الحكومات الوطنية ، مثل ابتعاد ألمانيا عن الطاقة النووية. أدت حرب أوكرانيا إلى حدوث تغيير مفاجئ ومتأخر ، حيث أعلن الاتحاد الأوروبي عن خطط لجعل أوروبا مستقلة عن الطاقة الروسية “قبل عام 2030 بفترة طويلة”. وستشمل ثورة الطاقة هذه تنويع الواردات والتوسع بشكل كبير في استخدام الطاقة المتجددة: وهذه قد تكون متناقضة طموحات. في أفضل الأحوال ، ستكون هذه السياسة معطلة ومكلفة وستتضمن خيارات سياسية حادة. هذه التكاليف والمعضلات الكبيرة لم يتم توضيحها بعد من قبل صانعي السياسات.

توسع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي

تراجعت بشكل كبير المخاوف السابقة من أن الناتو قد عفا عليه الزمن أو أن المشروع الأوروبي فقد جاذبيته. من المرجح أن يحافظ الناتو على سياسة الباب المفتوح ، مع الحفاظ على إمكانية التوسع في المستقبل. هذا المبدأ ليس منصوصًا عليه في معاهدة واشنطن فحسب ، بل إنه مهم أيضًا لتعزيز تعزيز الديمقراطية وتحديثها في أوروبا في مواجهة روسيا والصين وان عملية انضمام رسمية سريعة لفنلندا والسويد ، مصحوبة بضمانات أمنية واضحة للفترة الانتقالية ، سيعزز مصداقية التحالف.

الحرب في أوكرانيا ـ الضغط على أنظمة الطاقة

تحويل اعتماد أوروبا على الطاقة إلى فرص اقتصادية نظرًا لاعتماد أوروبا على روسيا في وارداتها من الهيدروكربونات ، زادت الحرب من الضغط على أنظمة الطاقة في المنطقة. تزود روسيا 40٪ من غاز أوروبا ، و 20٪ من نفطها ، و 45٪ من فحمها ، مما يجعل تنويع إمدادات الطاقة واستيعاب الطاقة المتجددة أحد الأولويات الرئيسية لزعماء أوروبا للعمل عليها بشكل مشترك.  أطلقت المفوضية الأوروبية خلال شهر مارس 2022 خطتها “اعادة تعزيز قوة أوروبا “لفصل نظام الطاقة الأوروبي عن روسيا بحلول عام 2023 والوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالمناخ في إطار زمني متسارع. بينما تعتمد الخطة على زيادة أهداف توفير الطاقة واستيعاب مصادر الطاقة المتجددة ، فإنها ستكون أيضًا وسيلة للمفوضية للمساعدة في توفير طاقة ميسورة التكلفة لأوكرانيا والبلدان الأخرى المتضررة بشكل مباشر من الحرب. ستحتاج 210 مليار يورو الإضافية اللازمة لتحقيق الاستقلال في مجال الطاقة إلى جهود منسقة من القطاعين العام والخاص ، على المستوى الوطني ومستوى الاتحاد الأوروبي.

أزمة أوكرانيا وانعكاساتها على اقتصاديات دول أوروبا

تواجه دول أوروبا ـ دول الاتحاد الأوروبي أزمة اقتصادية حادة، في أعقاب حرب أوكرانيا فبراير 2022، ويبدو ان حسابات دول أوروبا بدخولها الحرب ضد روسيا، لم تكن دقيقة، اليوم دول أوروبا والولايات المتحدة تعيش حالات تضخم كبيرة لم تشهدها من قبل، ،هذا يطرح سؤال، هل أصبحت أوكرانيا مستنقع إلى أوروبا والولايات المتحدة، بدل من ان تكون مستنقع لروسيا ؟

تواجه عملة التكتل الأوروبي “اليورو” تقلبات في سعر صرفها بسبب ضغوط هائلة في الأسواق المالية في سياق تداعيات حرب أوكرانيا، إضافة إلى الإجراءات المتحفظة والنسبية لمحاربة التضخم التي تبناها البنك المركزي الأوروبي. تقهقر اليورو تزامن مع تصاعد المخاوف بشأن الوقف التام لصادرات الغاز الروسية إلى أوروبا بعدما تحدثت مصادر حكومية في عدد من العواصم الأوروبية عن احتمال انقطاع إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا بشكل تام، وبالتالي، يبدو مصير اليورو يعتمد أكثر من أي وقت مضى، على نوايا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وما إذا كان سيسعى إلى تصعيد الحرب الاقتصادية مع أوروبا.

قال رئيس عملاق الطاقة “شل” يوم 16 يوليو 2022 إن “شتاءا صعبا جدا في أوروبا قادم على الطريق”، في ظل ترقب لزيادة كبيرة في أسعار الطاقة. وأضاف بين فان بيردن، خلال مؤتمر للطاقة، إنه لا يمكن استبعاد ترشيد استخدام الطاقة في أوروبا، بسبب القلق بشأن إمدادات الغاز القادم من روسيا.وارتفعت أسعار الطاقة، في وقت سابق من هذا العام، بعدما غزت روسيا أوكرانيا.واُتهمت روسيا أيضا باستخدام الغاز “كسلاح” بتقليل صادراتها كرد فعل على عقوبات الاتحاد الأوروبي.

حذر وكيل الطاقة الدولية  يوم 22 يونيو 2022من “خطوة روسية” ستقلب الموازين في أوروبا، وقد تؤثر على سير الحرب الروسية – الأوكرانية. وقال المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، اء، إن روسيا قد تقطع إمدادات الغاز بشكل كامل عن أوروبا، بينما تسعى لتعزيز نفوذها السياسي وسط أزمة أوكرانيا، مضيفا أن أوروبا بحاجة للاستعداد الآن. وأضاف بيرول: “بالنظر إلى هذا السلوك في الآونة الأخيرة فإنني لن أستبعد أن تواصل روسيا إيجاد مشاكل مختلفة هنا وهناك وأن تواصل إيجاد ذرائع لمزيد من الخفض في تسليمات الغاز إلى أوروبا، بل إنها ربما تقطعها بشكل كامل”.

انخفاض النمو الاقتصادي لأوروبا

منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا  فبراير 2022، انخفض النمو الاقتصادي لأوروبا إلى الأسفل وتصاعدت تقديرات التضخم. أحدث التوقعات التي تأخذ في الاعتبار عدم أستقرار الأقتصاد  في أوروبا والصدمات المتزايدة لأسعار السلع ، تشير إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي قد ينخفض ​​نمو (الناتج المحلي الإجمالي) في الاتحاد الأوروبي إلى أقل من 3٪ في عام 2022 . وهذا يعني  انخفاض أكثر من 1.3 نقطة مئوية مقارنة بتقديرات ما قبل الحرب.

ومايزيد الأمر تعقيدا هو تراجع سلسلة التوريد وهذا يعني انه من المرجح أن تدفع الاضطرابات والعقوبات الاقتصادية الاقتصاد الأوروبي إلى الركود.   وسوف  ينعكس سلبا ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة على المستهلك في الاتحاد الأوروبي ، وخاصة الأكثر فقرًا منها.

وتعتبر أوكرانيا وروسيا الموردين الرئيسيين للطاقة والمنتجات الزراعية،  لذا فالحرب تضر بالقدرات الإنتاجية ، وسعر العديد من المنتجات الأساسية التي يصعب استبدالها. ومن المتوقع ان يقلل التضخم الناجم عن الحرب الاستهلاك الخاص الحقيقي في أوروبا الاتحاد بنسبة 1.1٪ في عام 2022 ، على الرغم من أن التأثير سيختلف باختلاف البلدان.  وسيكون التأثير محسوسًا أكثر في البلدان التي يكون فيها الاستهلاك أكثر حساسية لأسعار الطاقة والغذاء وأين تتعرض نسبة كبيرة نسبيًا من السكان لخطر الفقر،  بلدان في الوسط والجنوب ـ  تميل أوروبا الشرقية إلى أن تكون أكثر تأثراً.

الضعف الاقتصادي للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي

إن الضعف الاقتصادي للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أمام الغزو الروسي لأوكرانيا موزع بشكل غير متساوٍ للغاية. وهذا ينطبق على التجارة المباشرة مع روسيا في السلع غير المولدة للطاقة ، فضلاً عن الاعتماد على واردات الطاقة الروسية وعلى قابلية التأثر بارتفاع أسعار الطاقة في الأسواق العالمية. ومن المتوقع انه سيكون الحفاظ على الاتحاد الـ27 في الرد على روسيا أمرًا بالغ الأهمية في الأشهر وربما السنوات القادمة وسيتطلب هذا على الأرجح تقاسم الأعباء الذي يأخذ هذه الاختلافات في الضعف والتداعيات الاقتصادية في الاعتبار لتجنب التأثير الاقتصادي المتفاوت، مما قد يتسبب في انسحاب تلك الدول الأعضاء الأكثر تضررًا من الجبهة المتحدة ضد بوتين.

مدى قدرة أوروبا على الاستجابة للصدمة

كان الاتحاد الأوروبي، عشية الهجوم على أوكرانيا،  يتعامل بالفعل مع تدهور حاد في شروطه التجارية ومع ارتفاع التضخم ، والذي يُعزى معظمه إلى أسعار الطاقة المستوردة. على الرغم من أن التعافي من صدمة الوباء لا يزال غير مكتمل ولا تزال التوقعات التضخمية أقل من الهدف إلى حد ما ، إلا أن البنك المركزي الأوروبي كان يواجه صعوبة في الموازنة بين النظر في الارتفاعات المؤقتة في الأسعار والتصدي للتهديدات التضخمية. تنطوي المواجهة مع روسيا على صدمة أكثر وضوحًا وطويلة الأمد ، مما يؤدي إلى تفاقم معضلة السياسة السائدة بشكل خطير.

ومن أجل مواجهة صدمة أسعار السلع الأساسية هو أن البنك المركزي يجب أن يعالج بشكل أساسي تأثيرات الجولة الثانية وتجنب التصعيد المحتمل للتوقعات التضخمية. لا ينبغي أن تشرع في محاولة غير مجدية للسيطرة على التأثير المباشر لارتفاع الأسعار على التضخم الكلي ، ويجب أن تستوعب التغيرات النسبية الدائمة في الأسعار.

ما الذي يجب توقعه من السياسات الاقتصادية للحد من الصدمة؟

قبل غزو أوكرانيا ، كانت خيارات السياسة الاقتصادية مقيدة بمبادئ توجيهية يمكن تلخيصها على أنها “افعل ما يكفي ، ولكن ليس كثيرًا”. من الناحية المالية ، كان الهدف هو تقليل العجز العام الناجم عن الوباء ، ولكن ليس بالسرعة والصعوبة التي تؤدي إلى كسر الانتعاش.

انطلقت فرنسا في هذا المسار ، لكن بحذرها المعتاد “فحص التضخم”، قرار وضع حد للزيادات في أسعار الغاز والكهرباء – طريقة غريبة للرد على صدمة إمدادات الطاقة ، حيث أنها تبذل كل ما في وسعها لضمان عدم انخفاض الطلب – قد أثرت بالفعل بشكل خطير على خفض عجز الميزانية طريق. من المتوقع ان يتم تخفيض عجز الميزانية المتصور سابقًا ، من 8.4٪ من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2021 إلى 4.8٪ في عام 2022 ، بشكل كبير ، مع احتمال حدوث عجز بنسبة 6٪ من الناتج المحلي الإجمالي.

من الخطير بالنسبة للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي ومجموعة واسعة من الشركاء الاستراتيجيين لأمريكا التركيز على الأبعاد العسكرية لحرب أوكرانيا والفشل في التركيز على أنماطها المدنية والسياسية المتطورة واليقين القريب من استمرار المواجهة مع روسيا على الأقل ، ومع مزيج من روسيا والصين.

بشكل عام ، يجب أن تسعى سياسات الاتحاد الأوروبي ، جنبًا إلى جنب مع سياسات الدول الغربية الأخرى ، إلى تحقيق التوازن بين ضرورات دعم أوكرانيا ، وتقليل مخاطر التصعيد إلى حرب مباشرة بين الناتو وروسيا وخلق حوافز لإنهاء – حتى لو بدأ ذلك كوقف مؤقت. – إلى الحرب بشروط يمكن أن تقبلها كييف.

تقييم

ألحقت جائحة كورونا خسائر بالاقتصاد الألماني تصل إلى ثلث تريليون يورو. ومع تخفيف قيود الجائحة تنتعش الآمال بعودة النمو وكبح جماح التضخم. غير أن خطراً آخر مرتبط بالتصعيد الخطير في أوكرانيا يهدد هذه الأمال. ألحقت جائحة فيروس كورونا خسائر فادحة وغير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية باقتصاد ألمانيا. وهناك عدة أسباب لهذه الخسائر، من أبرزها القيود التي تم فرضها على الأفراد والشركات لمكافحة الجائحة، وانقطاع سلاسل التوريد العالمية التي رافقها نقص المواد الأولية وارتفاع أسعارها. ويرى معهد “ايفو” الشهير للبحوث الاقتصادية في ميونيخ أن الجائحة أدت إلى تراجع أداء الاقتصاد الألماني بنحو 330 مليار يورو، أي ما يزيد على 9 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي على مدار العامين الماضيين 2020 و 2021.

القلق الألماني من احتمال توقف إمدادات الغاز حتى بعد إصلاحه في 21 يوليو 2022 مخاوف مشروعة ، بسبب احتمال أن تتخذ روسيا قرارًا بوقف إمدادات الغاز لألمانيا ، وهذا الأمر غير مستبعد ، حيث لا أحد. يضمن ما يدور في أذهان الرئيس الروسي بوتين على الرغم من اعتقاد بعض المحللين أن ألمانيا يمكن أن تقدم تنازلات لروسيا من أجل ضمان تدفق الغاز وتجنب أزمة إمدادات الطاقة ، إلا أن هذا غير مرجح .

فلا تزال ألمانيا ملتزمة بسياسات فرض عقوبات اقتصادية على روسيا ، بالإضافة إلى الضغوطات التي يخضع لها المستشار الألماني”شولتس” من داخل الحكومة والبرلمان وكذلك من الاتحاد الأوروبي والإدارة الأمريكية .

الحقائق تقول أن العلاقات السياسية والاقتصادية بين برلين وموسكو قد تدهورت إلى أقصى حد ، ومن الصعب العودة إلى حالتها ما قبل حرب أوكرانيا، فبراير 2022، لقد دخلت العلاقات الروسية الألمانية مرحلة جديدة ، ولا خيار أمام ألمانيا سوى الرهان على علاقاتها داخل الاتحاد الأوروبي وعلاقته عبر الأطلسي.

يبدو إن ألمانيا الى جانب دول أوروبا تعيش أزمة طاقة حقيقية، فبعد اشهر قليلة ارتفعت أسعار الطاقة وارتفعت معدلات الطاقة وهذا يعني ان ألمانيا ستواجه “كارثة أقتصادية” حقيقية” ربما لم تعيشها منذ عقد السبعينيات، وهذا يعني هناك تراجع في العلاقات الأقتصادية وحتى السياسية مابين روسيا وألمانيا،وهذا يعني ان ألمانيا دخلت مرحلة أو عهد جديد في علاقاتها عبر الطلسي وكذلك مع موسكو.

**

من المتوقع الآن أن ينخفض ​​النمو الاقتصادي الحقيقي في الاتحاد الأوروبي إلى أقل من 3٪ في عام 2022 ، انخفاضًا من 4٪ المقدرة من قبل المفوضية الأوروبية قبل الحرب. قد يؤدي المزيد من الاضطرابات التجارية أو العقوبات الاقتصادية المتزايدة إلى دفع الاقتصاد الأوروبي إلى الركود . يتضح تباطؤ النمو بشكل خاص في البلدان القريبة من أوكرانيا ، مثل بولندا والمجر – البلدان التي تستضيف أيضًا أعدادًا كبيرة من اللاجئين الأوكرانيين. وتشعر إيطاليا وألمانيا ، اللتان تعتمدان بشكل كبير على النفط والغاز الروسي ، بالضغط أيضًا.

ـ سيناريوهات مختلفة :  يتوقف مستقبل أوروبا على ما إذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قادرًا على تحقيق كل أو بعض أو عدم تحقيق أي من أهدافه في أوكرانيا.  وبالمثل ، فإن جدوى الهوية الأوروبية المشتركة والمعايير والقيم الديمقراطية والنظام الأمني القاري ستثبت  او تتراجع من خلال استجابة الغرب لأسوأ خرق للنظام الدولي منذ أن غزت كوريا الشمالية الجنوب أكثر من سبعة منذ عقود.

**

التحديات الحرجة : تمثل الحرب الروسية ضد أوكرانيا نقطة انعطاف في التاريخ الأوروبي ذات أهمية أكبر من أي لحظة منذ سقوط جدار برلين في عام 1989 ، ويمكن القول إنها تعود إلى نهاية الحرب العالمية الثانية.  إذا فشلت الولايات المتحدة وأوروبا في هذا الاختبار الأساسي لعزمهما ، فسيكون الحديث عن نهاية “الغرب” الموحد على العكس من ذلك ، إذا استمر الإجماع الحالي عبر الأطلسي وتمكن من تحييد التهديد الذي تشكله روسيا بوتين ، والأهم من ذلك ضمان فوز أوكرانيا بالحرب ، فإن فكرة الغرب وشرعية قيمه وأعرافه ومؤسساته ستحصل على إيجار جديد. الحياة.

التوقعات الاقتصادية: من المتوقع ان يكون هناك انخفاض كبير في النمو داخل أوروبا، بالنسبة للاقتصادات المتقدمة ، فان توقعات النمو سيكون بمقدار نقطة مئوية واحدة إلى 3 في المائة في عام 2022 مقارنة بتوقعات يناير2022 ، وبالنسبة للاقتصادات الناشئة ، باستثناء أوكرانيا وروسيا ، فمن المتوقع ان يكون هناك انخفاض في النمو ومن المتوقع ان يكون بمقدار 1.5 نقطة مئوية إلى 2.7 في المائة.  العديد من الاقتصادات الكبرى – مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة – من المتوقع بالكاد أن تتوسع أو حتى تنكمش لربعين متتاليين هذا العام ومن المتوقع أن يتقلص النشاط في روسيا بنسبة 8.5٪ ، وفي أوكرانيا بنسبة 35٪.

انتكاسات اقتصادية : تمثل الحرب انتكاسة خطيرة لانتعاش أوروبا القوي وغير المكتمل من الوباء ، الأمر الذي ترك الاستهلاك الخاص والاستثمار أقل بكثير من توقعات ما قبل فيروس كورونا ، حتى مع دعم الدعم المالي والنقدي . ويؤدي الارتفاع الشديد في أسعار الطاقة والغذاء الآن إلى تقليص الاستهلاك الأسري بشدة ، كما أن عدم المخاطر الاقتصادية من شانها تكبح احتمالات النمو الأقنصادي.

**

لا يمكن تخمين كيف ستعيد حرب أوكرانيا تشكيل الاتحاد الأوروبي فهناك حاجة ضرورية إلى اتخاذ قرارات أسرع باستمرار إلى إجراء إصلاحات مؤسسية ودستورية طويلة الأمد.  ما يمكن التأكد منه هو أن الأعباء المالية التي تسبب فيها “الغزو” الروسي لأوكرانيا ستؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى زيادات هائلة في ميزانية الاتحاد الأوروبي. وسيتطلب هذا بدوره مزيدًا من المساءلة أمام دافعي الضرائب في أوروبا ولا يمكن معالجة الفوضى وتداعيات أزمة أوكرانيا من قبل الدول الأعضاء، سياسياً ومالياً ولا يمكن للحكومات الأوروبية أن تدير ظهورها لملايين اللاجئين في أوكرانيا وتداعيات الحرب، وهذا يعني ان دول أوروبا تمر اليوم بمرحلة حرجة جدا لم تشهدها منذ عقود، وغير مستبعد ان تداعيات حرب أوكرانيا الشديدة، ممكن ان تدفع بعض دول أوروبا الى مراجعة مواقفها تجاه حرب أوكرانيا، محاولة منها لتخفيف حدة تداعيات أوكرانيا على اقتصاديتها.

 

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والإستخبارات

Previous post بايدن وحيثيات زيارة السعودية
Next post احتفالات والونيا بدون ولاية لويزيانا
%d مدونون معجبون بهذه: