مهن..و..محن((من يوميات مسن ليبي))

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية … _كتبت : كوثر الفرجانيفي مشهد يومي، نراه كلما حذفتنا الظروف ل(محطة بورقيبة) نزولا من خط مواصلات (الافيكو)، نشاهد عددا من كبار السن بشكل ملفت، حيث يضطر المسنون الى ان يحملوا الأثقال، رغم تجاوزهم سن العمل، فى رحلة شقاء يومية، رسمت على وجوههم تعبيرات باعثة على الأسى، وتجاعيد حفرها الكد والكدح، سواء داخل سيارات الافيكو، او على أرصفة الطرقات، مرورا بالشوارع الفرعية، يصطحب كبار السن اكياسهم
وأدواتهم الثقيلة، التي يبدو انها بضاعة او ما شابه مترقبين نظرات المارة وخطوات أقدامهم من أجل إشارة أحدهم للشراء او للدخول فى مهمة عمل، وهو ما ينطبق على حالة مسن سبعيني يفرش بسطة عليها اشياؤه ويناشد المارة باستعطاف لكي يشتروا منه بعضا من بضاعته المطروحة على بسطته ، نستعرضها في السطور التالية.
رؤيته؛ تنقلك إلى عالم متكامل من البؤس والشقاء، وكان مفرداته تقول : اسرة بلا عائل لهم وعجزة لا قيّم على شؤونهم، وأشباح بشرية تكابد العيش، وتغالب هموم الحياة.
على ناصية شارع بأحد الأحياء المتفرعة من شارع المعري كان يأخذ مكانه مع انبلاج الفجر كل يوم يتكفف المارة ويستجدي الخيرين لكي يشتروا منه، ويبدو أن الضعف اقعده عن الذهاب إلى أبواب المساجد ومركز المدينة، وحبسه الهرم والكبر في محيط حيه الشعبي وداخل منطقة سكنه، وهو ما حرمه مزايا التجول والاستقرار في مناطق أكثر رواجاً، لكن لم يفقده تعاطف المارة ورثاؤهم لسوء أحواله وضياع شيخوخته.
كانت عدته في سفريته اليومية إلى الناصية جراباً صغيراً من قماش، وعكازاً خشبياً يتوكأ عليه، في منظر يوحي بالتأهب للسفر والاستعداد للرحيل، جرابه يحتوي على بضاعة غريبة، مكوناتها لا تخطر على بال، كمامات وامشاط شعر وادوات حلاقة يشتريها بالجملة من تاجر مصري الجنسية يغذي كل اصحاب البسطات التي تملا الشارع مع اصحابها من جنسيات مختلفة.
وصاحبنا يجلس على قطعة (ياجور) عليها قطع من الكرتون البالي وقد تخفف في ملابسه إلا من خرقة فضفاضة عُقدت طرفاها الأعلى من فوق الرقبة، والأسفل عند الركبتين، فضلاً عن احتبائه لزي عربي ليبي بالٍ.
لم يكن يقوى حتى على النهوض، أو يستطيع الحركة، فيبقى متكوماً في مكانه، يسارق المارة النظر، ويبث المتصدقين نظرات الاستجداء، ممتناً لليد التي تمتد إليه بالإحسان، فتشتري منه ، او تمده ببعض الزاد، وشاكرا العين التي تكف عن التطلع إليه.
اغلب ما في حوزته صدقات عينية (رزم صغيرة من السكر أو الأرز)، ومن هنا جاء دور الجراب الصغير لاستقبال هذه النوع من الصدقات.
بينما تناثرت العملات المعدنية على رداء مبسوط، وفي محفظته البالية كان يضع الدينارات التي اشترى اصحابها بعضا من بضاعته المطروحة على البسطة التي جلس الى جانبها وكانه يحرسها.
كان لدى كثيرين مجرد عجوز هده الفقر وأثقله الإملاق فاختار هذه الطريقة المشروعة للتسول، كالعديد من أترابه من غير الليبيين، لكن ما فات هؤلاء أن معاناته ليست سوى صورة مصغرة لمعاناة أشمل، يكتوي بنارها يومياً أفراد أسرة فقيرة، وليس هذا العجوز الممتهن لمهنة هي اقرب الى التسول، سوى عائلها وقيمها الوحيد، فلنعش يوماً واحداً مع هذه الأسرة ونستطلع أوضاعها المعيشية في هذه الزاوية الخاصة.
خريف العمر
كان منظره يستدر الشفقة ويقطع نياط القلب، عجوز تحاماه الهرم والعوز، وأناخ عليه بؤس الأيام بكلكله، وأرزته الليالي صفو العيش ومتعة الحياة، جرب قساوة الدهر ومرارة الحرمان منذ أمد، كما ألف الفقر والفاقة لدرجة التماهي والحلول، علمته الحياة أن صوت الحاجة والغريزة قد يكون أقوى من صوت العقل والضمير، وأن ناجز الأيام وحاضر العيش أفضل من غيبه، فأخذ منها بقدر ما أعطت، ودارى فواجع الأقدار بقدر ما أوتي، فتراه متقشفاً من غير زاهد ومقبلاً على الدنيا من غير تهتك أو تحلل.
لم يكن من النادر أن يأنس في نفسه وحشة فيجهر بالتهليل والتسبيح، لا سيما في ساعات الفجر الأولى وأوقات تراجع الحركة والمرور، لكن كان من النادر أن يدفعه السأم والوحدة إلى إخراج تبغه ثم يختلس لنفسه نفَساً أو اثنين على عجل، ثم سرعان ما يدس العدة في جيبه.
كثيرون لم يدروا شيئاً عن تحكم تلك العادة في نفسه رغم الضعف والهرم، لكن البعض من حوله أقروه على ممارستها، فربما كان الدافع استحكام العادة أو خرف الشيخوخة.
كان يقضي سحابة نهاره جالساً صوب الشارع ناثراً متاعه الخفيف ومطرقاً يتفحص الرائحين والغادين، ربما مل الجلوس فاستند إلى عكازه كأنما يهم بالوقوف..أو اتكأ إلى جنبه، كما قد تلجئه شمس الظهيرة إلى ظل إحدى العمارات القريبة، لكن لم يكن أبداً ليرجع إلى منزله قبل حلول الظلام، ربما هرباً من الوحدة وطلبات العيال، أو حرصاً على حصيلة أوفر من الصدقات في منطقة بائسة وفي محيط يغلفه الفقر والحرمان كل ما يمكن تأكيده أن هذا المسكين مع ضعفه وعجزه كان يفتقد دفء الأسرة وحنان العائلة وعطف الأقربين، فساعات الليل التي يمضيها في البيت وكما اخبرنا كان في أغلبها إما نائماً أو واجماً مكتئباً.
وكان قبل أن يضعف سمعه يمضي الساعات صائخاً إلى المذياع أو مقلباً طرفه في صفيح السقف المهترئ كأنما يناجي النجوم عبر ثقوب السقف وفتحاته المتواثبة ويبثها بعضاً من همومه وشكواه، حين عز الصاحب وانعدم الأنيس بعد ان اصبح في وضع النزوح عن منطقته ومسقط راسه.
فاصبح البيت يرتبط في ذهنه بالفراغ والضياع، ولم تعد ساعات اليقظة فيه سوى أوقات كدرة متثاقلة، كما لم يعد يغريه النظر عبر فتحات السقف أو تجاويف الباب والتي بالمناسبة مصدر الإضاءة الوحيد في عتمة المنزل بعدما ضعف بصره وخارت قواه.
لم يعد يأبه لمشاعر الأسرة نحوه، لإدراكه أن قيمة إنسان اليوم بقدر ما يملك، لا بما يستحق من رحمة وشفقة، لذا كان في عودته يتحامل على نفسه جاهداً، حتى إذا تجاوز عتبة المنزل ألقى إلى العيال بما معه من نقود ومؤن ثم رمى نفسه كالمتاع في إحدى زوايا البيت.

تقشف ونزوح
زهده في مشاعر أسرته لا يماثله سوى زهده في الطعام والشراب، ربما رغبة عن الموجود منهما، أو فقداً للشهية بسبب العجز والكبر أو إيثاراً لأفراد الأسرة رغم الحاجة والخصاصة أو أي مبرر آخر غير انعدام الحاجة إلى الطعام أو الاقتصاد في المعيشة.
سألته مرة وكان الوقت زوالاً: لم لا تذهب للغداء ثم تعود؟ فأجاب بصوت ضعيف متقطع: لم تعد لي شهية للاكل، الجوع أفضل، فقال له الرجل مستفهما: والعيال.. ؟ فقال الشيخ بشيء من السخرية المرة: العيال! العيال إذا لم يجدوا غير التراب أكلوه، ثم استدرك قائلاً: لكن أحياناً يكون في فضل طعام .. أما نحن فليلطف بنا الله!
ثم علمت منه أن غلاء المعيشة وضيق ذات اليد دفع الأسرة للتخلي عن وجبة العشاء وتوفير ثمنها الزهيد لشراء الخبز كوجبة للإفطار، كما فهمت منه أيضاً أن دخله الهزيل من هذه البسطة، لا يكفي لسد حاجات الأسرة الغذائية، أما المصروفات الأخرى كالماء والغاز والنقل… الخ فتلبيتها حسب المتاح لا الحاجة، وتدبيرها لأفراد هذه الأسرة المعدمة حلم قد يتحقق في قابل الأيام، أو قد تأتي تصاريف الزمن ومبرمات القضاء بحلول أخرى لم تخطر على بال.

نهاية المطاف
تركت العجوز المسن وفي نفسي أكثر من سؤال حائر: ترى هل سيتمكن يوماً ما من رؤية أسرته في وضع أفضل؟ وما مشاعره عن ذاته وآماله ومطامحه؟
وما الصورة التي يختزنها الأبناء لهذا المسن المعدم؟ وهل نحن في حاجة إلى دور خاصة للمسنين والعجزة؟ وأين دور الجهات المسؤولة في التخفيف من بؤس هؤلاء وستر ضعفهم وحاجتهم، على الأقل حتى لا يرحلوا وهم يلعنون الجيل الذي ربوا والبلد الذي دفنوا في ثراه آمالهم وتطلعاتهم إلى حياة أفضل؟
إن وضعية الأسرة السابقة ليست سوى نموذج حي لواقع العديد من الأسر الفقيرة النازحة التي قد يعيلها رب المنزل العجوز المتسول أو ربته المعدمة العاطلة، أو تلك التي لا عائل لها أصلا وما أكثرها!!
لكن ما يميز الأسرة السابقة أنها صورة لمعاناة مزدوجة، فهي من ناحية تطرح معاناة الأسر الفقيرة مع الأسعار والغلاء، كما تكشف عن جوانب من واقع فئة عمرية ذات احتياجات خاصة وهي شريحة المسنين، والذين يشكلون نسبة لابأس بها من بين المتسولين، والعجزة، مما يستدعي تعئبة الجهود واتخاذ المبادرات للعمل على صون كرامتهم وحفظ ماء وجوههم، ومراجعة السياسات الإنمائية، وأهداف المشاريع الاجتماعية كي تنطلق من الاحتياجات الفعلية لهؤلاء، وتستند على معلومات وافية بشأنهم، قصد تحسين أوضاعهم، وحتى لا يظلوا حبيسي العجز ورهيني السلبية والانطواء.

woman reading a book Previous post هولندا والتميز ضد المحجبات
Next post أسئلة حزينة
%d مدونون معجبون بهذه: