ثقافة الحوار

نعيمة الطاهر

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_الحوار لا يعني بالضرورة الوصول إلى تطابق في الأفكار بقدر ما يعني إتاحة الفرصة للآخر لكي يشرح موقفه وفكره وما يؤْمِن به بأسلوب حضاري وكذلك فإن احترام الرأي الآخر لا يعني التسليم بصوابيته ولا يعني إطلاقا الاعتقاد والإيمان به بقدر ما يعني توفير فرصة للنقاش دون ترك احتمال حصول آثار سلبية ، وتبديل الرأي والاقتناع بالرأي المقابل ليس شيئا سلبيا في الحوار، بل يعتبر ظاهرة صحية تثبت فائدة الحوار وجدواه كوسيلة لحل الخلافات وتبادل الآراء دون اللجوء إلى العنف اللفظي أو الجسدي أو حتى الفكري ، ولكن مجرد النقاش نفسه وعرض الأفكار على الطرف أو الأطراف المقابلة وقيام الأخيرين بتسلّم هذه الأفكار بصدر رحب ونفسية إيجابية فهذا بحد ذاته غاية توفّر التعددية المطلوبة في المجتمعات التي تكفل الحرية فيها للجميع.
قد يظن القارئ أن الحوار واحترام الرأي الآخر وُجد حصريا لحل الخلافات ومعالجة الأزمات فنسمع عن الحوار الثقافي والحوار العلمي وحوار الأديان ولكن في حقيقة الأمر فإن المناظرات الثقافية هي صورة من صور الحوار حيث تعرض الأفكار بأسلوب متحضر يحضر فيه احترام الرأي المقابل دون التسليم به أو حتى افتراض صحته. والأمثلة كثيرة عن صور لحوارات تجري لمجرد أنها هي الوسيلة الصحيحة لنقاش تعدد الأفكار ووجهات النظر، أما غيرها من الوسائل بالمجمل فيكون فيها تعديا على الفكر والإنسان.
نحن نؤمن بالحوار كوسيلة وحيدة لنقاش التنوع الفكري الهائل في مجتمعنا العربي، ولا مجال لأحد لكي يلغي الآخر. كلنا خلقنا بألسنة في أفواهنا وأدمغة في رؤوسنا وكلنا يستطيع عرض ما يجول في فكره ويناقشه بأسلوب متمدن بعيد عن التهديد والوعيد وفرض الرأي وإلغاء الآخر وتصفيته فكريا .. ثم إننا فوق إيماننا بحتمية الحوار فإننا أيضا نؤمن بحتمية احترام الرأي الآخر مصاحبا لهذا الحوار، فلا فائدة بحوار يسخّف به الرأي المقابل ويقزّم الفكر المعارض ويَفترض فيه الشخص (أو الفريق) أن رأيه هو رأي سامٍ خارج نطاق النقاش أو الجدال والآراء الأخرى هي آراء “دون إنسانية” لا تستحق الاحترام أو عناء نقاشها والتفكير بها. ونحن في مجتمعنا العربي، وكشعوب عربية، أحوج ما نكون لثقافة الحوار واحترام الرأي الآخر. وصراحة فإن حرية دون ثقافة حوار غالبا ما تؤدي إلى نتائج عكسية في المجتمعات فتلازمهما حتمي ليعطيا النتيجة المرجوة. وإن كنا، كوسيلة فكرية إعلامية نشدد على دور الإعلام والمفكرين والمثقفين في نشر هذه الثقافة والتبشير بها في مجتمعنا المتعطش، إلا أننا نؤكد على أهمية المؤسسات التعليمية في زرع هذه الثقافة في قلوب وعقول الأجيال وهذه المسؤولية تقع على كل من له علاقة بتربية النشء الذين يسعدهم أن يعتنق الجميع ثقافة الحوار واحترام الرأي الآخر.

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_

         
Previous post مارسيل بروست.. “المحاولات” في كتابٍ واحد
Next post المتنزهات الطبيعية في لوكسمبورغ تعمل على تعزيز التنقل المستدام
%d مدونون معجبون بهذه: