مهن ..و.. محن (( 2)) كسرة خاطر .. محمد النيجيري.. الاسكافي

الصحفية كوثر الفرجاني
طرابلس.. ليبيا

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_في نفس المكان في أحد ضواحي طرابلس _. ليبيا
منذ أكثر من عشرين عاما يستند على ذلك السور، في شارع مكتظا بالمحلات التجارية، والمقاهي، وبالمارة، يجلس محمد (55 عاما)، نيجيري الجنسية كل صباح على كرسيه خلف طاولة صنعها بيديه، وضع عليها عدة خياطة صغيرة وأدوات ومعدات بسيطة، ومختلف اشكال الصمغ والاصباغ، ومجموعة من الأحذية والحقائب التالفة والقديمة، ليبدأ ممارسة عمله الذي اعتاد عليه منذ عشرين عاما ونيف، حيث استقر به المقام في شارع معروف بسمرقند بمحلة الشرقية بجنزور.
ينطلق من مقر سكتاه الذي يبعد بضع خطوات عن مكانه، في الصباح الباكر يقطع الشوارع والحارات،
يجثو على الرصيف وسط زحام المارة الذين تعودوا على رؤيته يوميا، يلقي التحية على الجميع بابتسامة ودودة، بوجهه البشوش، وملامحه التي تشع املأ وبهجة، ويواصل طريقه غير آبه بنظرات من لا يعرفه، يتوقف عند وجود أذى وسط الطريق كقطعة زجاج أو حجر فيزيحه عن مساره ويواصل طريقه.
يصل إلى مفترق طرق، يفكر قليلا في طريقة اجتيازه ثم يعتذر لسائقي السيارات بابتسامته المعهودة ويعبر الطريق ثم يلتفت إليهم وكأنه يشكرهم ويعتذر على تعطيل سيرهم.
تتّقد روحه بالنشاط والحيوية، رغم كبر سنه وإعاقته،
يجثو على قدمين ملتويتين إلى الخلف، وبيديه الحافيتان يصلح أحذية أرجل الأصحاء بإتقان وحرفية عالية.

اسكافي الحي
عندما تراه لأول وهلة، تخال أنه عاجز عن فعل أي شيء، ولكن العجز لم يجد إلى ذاته طريقا، ولم يرضخ محمد الإسكافي (مصلح الأحذية) لضيق الحال وقساوة وآلام الفقر، بل حولهم إلى حافز للتحدي والنجاح.
الإسكافي ليست مجرد كلمة تدلّ على مهنة بعينها، ليست محض لافتة تعلم عن رجل فقير تعمل يداه في الأحذيةالبالية بإبرة قوية وخيوط متينة ليطيل في أعمارها شهورًا أخرى، ولكنها كلمة تشعرك دائمًا أنها تخفي شيئًا أسطوريًا، فيها غموض يشبه صاحبه الذي يرتق النعال والذي يحيا دائمًا بين الفقراء، لأن من يملك مالًا وفيرًا لا يُصلح حذاء باليا.
هلّة خاطفة تجمّعت فيها كل تلك الحكايات بينما جلس “محمد النيجيري” مرتكزًا للسور الحجري، بسنوات عمره التي تجاوزت الخمسين، والتي قضى اعواما كثيرة منها بين أحذية الناس.. هو الآخر حكاية خاصة غامضة ومليئة بالألم.
يعكف الإسكافي الخمسيني الذي يحمل إعاقة حركية، وسط أدوات إصلاح الأحذية لساعات، يصلح أحذية من يعرفون طعم السير على القدمين، ولا يدركون قيمة النعيم الذي هم فيه والذي لم يعرفه محمد يوما.
ولد محمد الاسكافي بإعاقة ألزمته المشي بشكل معوج، أو اعرج نوعا ما، ووفقا لما استطعت أن افهمه منه بلهجته الليبية المتكسرة، أنه ترعرع في عائلة متواضعة متكونة من 14 فردا، تقطن في قرية نائية في ادغال نيجيريا، غابت فيها المرافق والخدمات، ووسيلة النقل الوحيدة المتوفرة هي عربة نقل بالية أشبه بنعش متحرك يحمل أحياء.
جاء ” محمد” صغيرًا إلى ليبيا هربًا من جحيم العوز والجوع والفقر، يتذكر، بعيني الطفل المنسي وبيقين ذاكرة تسجّل المشهد كأنه كان بالأمس، تلك الظهيرة البعيدة التي خرج فيها من قريته، يومها خرج متجهًا إلى حيث لا يدري، محشورًا في زحام لا ينتهي مع عدد من الهاربين ، محاولا في تلك العربة أن يسرق قسطًا من النوم غير أن آلام جسده توقظه، فتنهمر دموعه ساخنة وهو في درب لا يعرف إلى أين ياخده.
يوميا…‪ يعبر الطريق للوصول إلى مكانه وسط زحام المارة والسيارات‬، يمر من على جزيرة الدوران الخضراء، وصولا إلى المثلث حيث عمود الإنارة، ومنه إلى الجهة المقابلة للسور حيث يركن معداته واغراضه، ويبدأ يومه على طاولته واحذيته، ثم يغرس مطرقته فى الأرض ويخرج الخيط والمغرز، ويبدأ في استقبال الأطفال والكبار بأحذيتهم لإصلاحها، يبدأ برتقها ولمّا يحين وقت القيلولة يقوم أحد أفراد أهل الشارع لإحضار الغداء له، وقبل أن يجن الليل يكون الإسكافى قد فرغ من إصلاح الأحذية، وإذا ما تبقى البعض منها يأخذه معه فى جواله، ليعود به فى اليوم التالى.
وعلى هذا المنوال كان ” محمد النيجيري” يمارس مهنته بشكل يومى، حيث يقبل علبه الناس في أوقات ومواسم محددة، ما يعطي مؤشرا لمعدل إقبال الناس. وتتجاوز مهنته تصليح الأحذية المهترئة أو القديمة إلى تصليح الجلديات بأنواعها، مؤكدا أن تصليح الأحذية لا تقتصر كما يعتقد الكثيرون على الفئة ذات الدخل المتدني، يقول محمد الاسكافي أن الزبائن الذين يرتادون عليه لا ينتمون إلى طبقة واحدة على الرغم من إقبال الفئة ذات الدخل المتدني أكثر من غيرها للاحتفاظ بالقطعة لأكبر وقت ممكن ، لأسباب خفية لا يعلمها إلا أصحابها ممن يقبلون على اسكافي الحي، وكأنه ملاذا وحلا لأزمات متتالية، يتعذر معها شراء حذاء جديد.

شحنة أمل
من ملامحه المسكونة بالألم، تتيقن أنه خرج من رميم المكان والزمان، خروج الوردة من أكمتها، كسر صلابة الواقع ليثبت للمجتمع أن الإنسان أقوى من عاهاته وآلامه متى صحّ منه العزم.
وما ذاك بغريب على رجل يصلح كل يوم في مكانه تحت السور أحذية الناس المهترئة، ويصلح نفوسا تسرب اليأس إليها، يرمم ما اهترأ من معنوياتها، ويشحنها بالأمل.
فمع مواسم الأعياد والعودة للمدراس، يقف رب الأسرة أو الأم المعيلة حيارى، وعاجزون مع شح السيولة المالية بالمصارف، وتأخر الرواتب، وتجميدها وتوقفها عند البعض الأخر، أمام حاجة طفلهم إلى حذاء جديد، أو حقيبة مدرسية للعام الدراسي الجديد، تقف الأم عاجزة أمام أطفالها الأيتام، وتعجز عن تلبية طلباتهم واحتياجاتهم، فلا تجد أمامها من حلول إلا حل تلفيقي
ينقذها أمام شح الأموال وغلاء الأسعار، وذلك برتق القديم وإصلاحه للكبار، ليتسنى لها شراء الجديد لصغار
تصلح حذاءها المهتريء عند اسكافي الحي، وكلها رجاء في أن يصمد لعاما وشتاء آخر.
يقلبه الاسكأفي بيديه، محاولا ترقيعه وإعادة تدويره بعد إلحاح من السيدة التي تخشى ألا يفلح في إصلاحه،
تنظر إليه بقلب وجل، وخوف سكت ملامحها،
ويطمنها محمد النيجيري بكل ود أنه مازال صالح للاستعمال، وقابل للتصليح وأنه صامد لعام آخر قد يجلب معه الفرج لشراء حذاء جديد.
شحنات من الأمل يبثها، اسكافي الحي، يرسلها مع كل حذاء يصلحه، ويقدمه لصاحبه بابتسامة ودودة.
رجل غريب تشبع بمحبة أهالي الحي، وأصبح جزء لا يتجزأ من حياتهم اليومية، يساهم في وضع ميزانيتهم الشهرية ،وحتى السنوية، ويساعدهم في حملات التقشف والتوفير، ويشد من ازرهم مع نهاية الشهر عندما تشد الاحزمة على البطون، يساعدهم دون أن يعلم، ببث شحنة أمل ترتق وتخيط ما تمزق من أحلامهم
وحياتهم.

كسرة الخاطر
فجاة، وبدون مقدمات غاب الاسكافي، وحل محله رفيقه في السكن، سألناه فقال أنه موجوع ويتألم، وقتها لم أفهم معنى كلماته، اعتقدت أنها يومان للنقاهة وسيعود لمكانه تحت السور، وطال الغياب، لنسمع بعدها إنه رحل أثر مشكلة تعرض فيها للضرب من أحد الأشرار، كبر ابن صاحب السور وكبر معه الغرور، وأراد طرده من مكانه، فكان ما كان،
عشرين عاما من الصبر والكفاح، والانتماء البعلي العفوي لمحيط وبيئة مغايرة، انتهت بكلام جارح، خدش القلب والروح تألمت وتوجعت طويلا بكسرة خاطر !!
إكتشف محمد النيجيري فجأة بأن الكتف التي اتكأ عليها ما كانت إلا جدارا هاشا مائلاً، وأنه غريب، فحمل غربته ..ورحل بصمت!
هكذا هي الارواح الحرة الصابرة لا تُصدِر أصواتاً لحظة كسرها وانكسارها ! شقوقاً وجروحاً خلفها تصرف طائش لشخص فاقد الإنسانية والاهلية، جعلنا
نفقد انسان أحبنا بصدق، شخص نظرنا بعيونه جنة وصرنا لقلبه مسكن ومأوي، لا شيء أمرُّ على الإنسان من كسرة الخاطر.
تركنا يومها وراح ينظر بعيدًا، وبدا مثل شبح إلى جانب جدار يعلن عن يتمه، متوحّدًا في خريفه، شبح يهمهم لنفسه بعبارات فشلت أن ألتقط أيًا من مفرداتها. لم أكن أعرف أنه سيرحل بعد أيام، وأنني عندما أزوره في المرة القادمة سأفاجأ بمكان جلسته خاليًا ليخبرني الناس أن ” محمد الاسكافي” قد رحل بهدوء، مودعًا صخب المنطقة وزحامها.. وأحذيتها البالية.

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_

Previous post لوحة “القدس لا تنسى “. زيت على قماش 106 * 70 2022
Next post حكايا المدار الفنية ((أسرار لبعض نجوم الزمن الجميل))
%d مدونون معجبون بهذه: