أوروبا وإشكاليات رفع معدلات الفائدة

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_ يعيد التاريخ نفسه في أوروبا قبل نحو عامٍ قالت كريستين لاغارد إن البنك المركزي الأوروبي تعلّم من أخطاء أزمات الماضي، وسيتجنب أن يعرقل تعافي الاقتصاد بأّلا يسحب الدعم الطارئ قبل أوانه. كانت رئيسة المركزي الأوروبي تشير لدورة رفع معدلات الفائدة المشؤومة في 2011، التي بدأت برفع معدلات الفائدة في أبريل من ذلك العام تلاه زيادة أخرى في يوليو. تراجع ماريو دراغي عن تلك الإجراءات، التي اعتبرت لاحقاً أنها كانت سابقة لأوانها، لدى توليه رئاسة المركزي الأوروبي في العام نفسه، فيما كانت أزمة الدين تستعر في منطقة اليورو وتوشك على دخول مرحلة أخطر.

هدد هذا الاضطراب الذي انطلق من اليونان وسرعان ما امتد إلى دول أعضاء أضعف اقتصادياً، بتفتيت اليورو حتى أدلى دراغي بإعلانه الشهير بأنه سيقوم “بكلّ ما يلزم” لحماية العملة، وكشف بعدها عن أداة يمكن أن يستخدمها لدعم أقواله بأفعال.

تعرض البنك المركزي الأوروبي حينها لانتقادات لرفعه أسعار الفائدة لمحاربة دوامة الأسعار التي سرعان ما تلاشت. لكن هذه المرّة، يتعرض البنك المركزي تحت قيادة لاغارد للانتقاد بسبب توانيه الذي سمح لارتفاع التضخم إلى أعلى مستوياته منذ طرح اليورو في 1999.

النقطة الأضعف

استهلّ صانعو السياسات دورة جديدة من رفع الفائدة في 21 يوليو، ويُتوقع أن تستمر حتى وقت متقدم من العام المقبل. فيما يبدو أشبه بتكرار لأحداث 2012، سيتعين عليهم التعامل مع جولة جديدة من المضاربات في السوق تركز على عضو أضعف في منطقة اليورو، هي إيطاليا هذه المرّة. تعيّن عليهم أن يسارعوا لابتكار شبكة أمان جديدة لمواجهة الأزمة نتيجة مخاوف من أن يجعل ارتفاع تكاليف الاستدانة المالية العامة في البلاد غير قابلة للاستدامة.

كان المركزي الأوروبي آخر البنوك المركزية الكبرى في رفعه للفائدة وقد دفعه بلوغ التضخم 8.6% فيما يتجه لارتفاع أكبر متجاوزاً التوقعات الرسمية باستمرار للتركيز على خطر انفلات الأسعار.

أظهرت توقعات صدرت هذا الشهر عن المفوضية الأوروبية أن نموّ الأسعار سيبلغ معدّل 4% حتى في العام المقبل، أي ضعفيّ هدف المركزي الأوروبي.

يدرس المسؤولون مدى تأثير انخفاض اليورو الذي بلغ التوازي مع الدولار على ارتفاع تكلفة الاستيراد، إلى جانب احتمال أن تقطع روسيا إمدادات الغاز في ظلّ الحرب في أوكرانيا، التي أسهمت بتأجيج التضخم مع ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة والأغذية.

قال 22 مراقباً من أصل 28 استبينت بلومبرغ أراءهم هذا الشهر إن المركزي الأوروبي متخلف عن الركب في سياسة التضييق النقدي. لم ينظر المركزي الأوروبي بعد في إحداث زيادة كبيرة في معدلات الفائدة تشابه رفع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في يونيو للفائدة بثلاثة أرباع نقطة مئوية، التي يُتوقع أن يكررها في اجتماعه المقبل في 27 يوليو.

مخاوف الركود

قد يتردد المسؤولون في سلوك نهج بالغ الجرأة، ويعزى ذلك جزئياً إلى التحذيرات المتنامية بأن الركود على وشك أن يعصف بالمنطقة، حتى دون حجب إمدادات الغاز الروسية. قال المحللون الذين استطلعت بلومبرغ أراءهم إنه ثمة احتمال بنسبة 45% بأن يحصل ركود في الأشهر الـ12 المقبلة، فيما كان هذا الاحتمال 30% في الشهر الماضي. يرتفع هذا الاحتمال أكثر حتى في ألمانيا، أكبر اقتصادات أوروبا التي تعتمد أكثر من سواها على الغاز الروسي.

تكمن ذريعة عدم الاستعجال الأخرى في احتمال أن يفاقم أي ارتفاع كبير بمعدل الفائدة الاضطرابات المركزة على إيطاليا، حيث استقال رئيس الوزراء ماريو دراغي من ثاني منصب كبير يشغله بعد مغادرته المركزي الأوروبي في نهاية 2019 بعد ساعات فقط من قرار المركزي الأوروبي رفع معدل الفائدة.

على النقيض من اليونان التي تعدّ دولة أصغر بكثير لا يهدد خروجها من اليورو سلامة التكتل الإجمالية، فإن خروج ثالث أكبر اقتصاد في منطقة اليورو سيشكل خطراً كبيراً. كانت إيطاليا دولة مؤسسة في المجموعة الأوروبية للفحم والصلب التي سبقت الاتحاد الأوروبي، لذا من الصعب تخيل استمرار العملة الموحدة من دونها.

في يونيو، حين أكدت لاغارد رسمياً الجدول الزمني لرفع معدلات الفائدة، تساءل المستثمرون مباشرة حول احتمال أن تصبح تكلفة خدمة الدين العام في إيطاليا التي تساوي نحو 150% من الناتج الإجمالي المحلي أكبر ممّا يمكنها تحمّله. كان العائد على ديون إيطاليا لأجل عشر سنوات ارتفع لنسبة أعلى من 4% للمرّة الأولى منذ 2014 في خضم التخارجات. اضطرت رئيسة المركزي الأوروبي للدعوة إلى عقد اجتماع طارئ من أجل حشد المسؤولين حول فكرة إنشاء أداة جديدة للتصدي للمضاربة.

شبكة أمان جديدة

يطمح صانعو السياسات لأن تحاكي هذه الأداة نجاح تلك التي كشف عنها دراغي قبل عقد. مكّن برنامج التعاملات النقدية المكشوفة البنك المركزي من شراء السندات السيادية لاحتواء عوائد الأعضاء الأضعف في منطقة اليورو مقابل أن تلتزم حكوماتهم بشروط صارمة في إدارة السياسة الاقتصادية. لقد أسهم وجود هذا البرنامج وحده بكبح جمام المضاربين دونما حاجة لتنفيذه.

إلا أن الوصمة السياسية التي طبعت ذلك البرنامج أفقدته التأييد. يتعين على لاغارد بالتالي محاكاة دراغي عبر ابتكار شبكة أمان جديدة تنال إعجاب المستثمرين. ستكشف الأسابيع والأشهر والسنوات المقبلة ما إذا ستتمكن “أداة حماية تعميم السياسات” التي كُشف عنها الأسبوع الماضي من تحقيق ذلك

Asharqbusiness

Previous post هولندا وأزمة للجوء
Next post اعتصام داخل البرلمان العراقي
%d مدونون معجبون بهذه: