ايام معهم ((الشيخ عبد الله الوراق “الشيخ الحوكي” ذكريات نسجت على عتبة الجامع العتيق))


الذكريات تسردها : كوثر الفرجاني
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_بعد مرور ثلاث سنوات فقط من لقاءنا بالشيخ عبد الله الوراق القيم على جامع الناقة في شهر رمضان المبارك، تحديدا اغسطس 2010، وبعد ان وصلنا خبر نعيه ، تلقائيا ، وجدت نفسي في الجامع العتيق، استرجع ما علق في الذاكرة من ذكريات ، نسجت خلال ثلاثة اعوام على عتبات الجامع، واهم ما استندت عليه هذه المرة هو متانة المشاعر ، وتباث ورسوخ الذكريات المشاعر التي ماتزال تعيش بالقلب والذكريات التي تنقلها تفاصيل المكان، ويرويها عمي عبد الله الوراق والتي لازالت تعيش الى الان في خلايا الذاكرة وبالقلب الى جوار المشاعر.

دخلت الجامع ولم استطع ان اعرف السر في ذلك الاحساس الذي غمرني، حالة من الدهشة ، جعلنني اقف لا احرك ساكنا، ربما هي الرائحة التي تفوح من المكان، ولربما هي حالة ايمانية تلبستني فجاة!
فروحانية الجامع تملا كيانك بمجرد ان تقف على عتبته ، وتلاقيك نلك الاعمدة العتيقة.. مرحبة ، فلا تجد مفرا من الولوج الى داخل الجامع لتعانقها، او تستند عليها وترمي بثقل جسدك المرهق فتجدها روحك المتعبة ملاذا.. لترتاح وتستكين.
لم اجد تفسيرا لما انتابني وقت وطئت قدمي الارضية الخشبية للجامع، ربما هو انفصال جزئي عن الواقع، جعلني ارجع بالمخيلة الى كتب التاريخ، والى تلك العصور القديمة، والتي يرجع فيها التاريخ الى بناء هذا الجامع العتيق، وربما ذلك الشيخ الذي ملا المكان بالحياة، والذي لا يحكي فقط تفاصيل المكان، الذي يرعاه ويقوم على خدمته ويصونه، بل يقرا تفاصيل تاريخه ؛ وكانه كتاب مفتوح ، تملا صغحاته تاريخ جامع الناقة، رحلنا معه عبر حقب تاريخية اخرى، جعلتنا ننفصل تدريجيا عن اللحظة الواقع، فبدات الشخوص تتوالى، بشر مثلنا؛ كانوا هنا يوما ما، بنوا هذا الجامع للزمن الذي كانوا فيه، واخرين في زمن اخر رمموه وصانوه وصلوا فيه، واخرين مثلنا زاروه؛ وتاقت ارواحهم اليه، واقاموا فيه، خيط اتصال بملايين الناس الذين عبروا التلريخ، وخلفوا لنا هذه الايقونة، التي مازالت تهتف عراقة واصالة، وتبقى دلالة على التاريخ الذي وان فصلنا عنه الزمن يبقى المكان شاهدا ومشهدا يربطنا به.

الشيخ عبد الله الوراق
داخل جامع الناقة التقيناه؛ للمرة الاولى في شهر رمضان 2010, لم تحجب الذكرى نفسها عن شخص مليء بالفرح والمرح والغبطة، ومشبع بالايمان والطيبة؛ وكانه شخص خرج علينا من بين حقب التاريخ وهو يحرك يديه، شارحا تفاصيل المكان، اذكر كيف كان يتلو بملا الخاطر في تلك الجلسة على الارض ، وهو يسترجع معلوماته بالهام خاطف، ويحولها الى حكايات تخرج من كتب التاريخ والازمنة الغابرة.
كان بشوشا مع بعض التحفظ ..
وكان متحفظا مع كل البشاشة.. بشوشا ومتحفظا في ان..!
يحدث احيانا .. ان تحتار في اي اللقاءات مع انسان ما يمكن ان تدعوه اللقاء الاخير.. وكان اللقاء الاول مع الشيخ عبد الله الوراق هو اللقاء الاخير، ومع ذلك بقي يحيا بالذاكرة.. حيث جلسنا معه في جامع الناقة ؛ وحكى لنا عن معمار الجامع العتيق.
فجاة؛ سمعنا بخبر وفاته، في سهب العالم، في وسط الاعمال والامال الكبيرة، والمطامح والمطامع، نسيناه ؛ فكان من المؤلم بوجه خاص ان اتصور انه غاب عن هذه الدنيا، انه غادرنا؛ ورحل، هذا الشيخ البسيط الذي كان يصنع الحياة ويجملها ويحليها داخل الجامع العتيق.
سيرة حياة هذا الانسان بسيطة بساطة العظمة؛ لذا لا يزال طريا جدا في الذاكرة، طازجا بالروح، ذكراه ينعشها، وبانصرافه عنا ، بوفاته، شانه شان كل من يرحل عنا، وكان هناك خطا فاصلا قسم كل ما يرتبط به الى (ما قبل) و(ما بعد)، ورغم انه رجل بسيط، ولكنه رجلا فاعلا في محيطه، ولا زال ذلك الانطباع الذي تركه في نفسي في ذلك اليوم الرمضاني القائظ، والذي عشناه معه لا بالمعنى المادي، بل بالمعنى الروحي، وقد غاب عنا، تتوارد بالذاكرة كل كلماته وسكناته ، وحركاته؛ كنا كان لدي كل من يعرف عمي عبد الله ابراهيم الوراق القيم على جامع الناقة.
شجون ..و..
حدثنا الشيخ عبد الله الوراق يومها ؛ قائلا  :
يعد جامع الناقة من اقدم جوامع مدينة طرابلس، وقد اعيد بناءه ايام المعز لدين الله الفاطمي، عندما مر بطرابلس في طريقه للقاهرة بعد منتصف القرن العاشر الميلادي والرابع الهجري، وقد دمره الاسبان سنة 1510م عند احتلالهم لمدينة طرابلس، وبقي نحو قرن من الزمان في حالة من الخراب ، حتى اعيد بناؤه بتاريخ 26مارس1610م، ايام والي طرابلس صفرداي؛ كما رمم الجامع مرة اخرى بعد الحرب العالمية الثانية؛ بسبب الخراب الذي لحق به جراء القصف الذي طال طرابلس.
وحكى لنا الشيخ عبد الله الوراق عن سبب تسمية الجامع بجامع الناقة، وحكاية الناقة المحملة بالذهب التي اهداها المعز لدين الله الفاطمي لاهالي طرابلس، فاتفقوا ان يرمموا بها الجامع، ويوسعوا فيه، ويقوموا بعمل الصيانة اللازمة له، فكان وان سمي بجامع الناقة.
وروي لنا الشيخ الوراق رحمه الله، عن التفاصيل والتصاميم الداخلية التي لا تخفى عن القيم عن الجامع، فجلس كعادته يروي لنا تفاصيل التفاصيل فقال :
يبلغ عدد الاعمدة 61 عمودا بين الداخل والخارج؛ وبه 42قبة، ويوجد به 4ابواب، وارضيته من الخشب الخالص لمنع تسرب الرطوبة، ويقع محراب الجامع في منتصف جدار القلبة، وهو عبارة عن تجويف صغير، في كل جانب من جوانبه عمود صغير ، وفوق المحراب توجد لوحة رخامية مزخرفة، يقع جامع الناقة في حي الفنيدقة بالمدينة القديمة، وتوجد فيه الزاوية التي سكن فيها سيدنا عبد السلام الاسمر قبل انتقاله لمدينة زليتن.
حينها ساد الصمت لبرهة، وكانه وهو ينظر إلى تلك الزاوية يسترجع شريطا مؤكدا بعد الصمت الطويل ان تلك  السدة كما اسماها عمنا الشيخ عبد الله الوراق والتي كان ينام عليها مازالت  شاهدا على اقامته في جامع الناقة في اهم حقبة بحياته في حله وترحاله، وعندما يزور اهالي مدينة زليتن جامع الناقة يتجمعون في الزاوية  حيث سدة الشيخ عبد السلام الاسمر.
ويحكي الشيخ عن تفاصيل الجامع  الذي عاش الى جواره، وفي صيوانه. وجعل من نفسه خادما وقيما  لبيت من بيوت الله، فاستشعرنا نبرة العشق للمكان، وعن منارة الجامع التي اخذت شكل البرج  المثلث والتي يبلغ ارتفاعها حوالي العشرة امتار، وصحن الجامع الذي اضيف حديثا.
وبينما يتتبعنا اينما ذهبنا اشار بيده الى حيث جلست وقال هذه زاوية غريان ، لما يزور اهالي غريان الجامع يجلسون هنا، واشار بيده حيث جلست، وكانها الجاذبية تفعل فعلها فلم يتفاجا حينما اخبرته اني من غريان، ببساطة احاب هذه زاوية (الغراينة)، وهناك يجلس من ياتي من الزاوية،  وهكذا لكل منطقة في ليبيا زاويتها بالجامع يرتادها ناسها.
واخذنا الى الجزء الغربي للجامع، حيث ساحة مكشوفة محاطة برواق ذي اعمدة، حيث المغاسل، ومكان اشبه بالبراح محاط بعدد من اشجار النخيل زادت من بهجة المكان، ولكانها مساحة وجدت لتردك بعد رحلة ايمانية تعيشها وتتقمصها – ان صح التعبير- بسبب روحانية المكان.
وروى لنا عن الخطباء والائمة الذين مروا وتخرجوا من جامع الناقة اخبرنا الشيخ عبد الله الوراق رحمه الله فقال :
مر على جامع الناقة خيرة الاءمة والمشايخ والخطباء الاجلاء الذين كانت لهم بصماتهم في نشر المعرفة بدين الله الحنيف، وكانوا مربيين فاضلين مثل الشيخ محمد المغربي الذي كان محفظا للقران الكريم في الكتاب التابع للجامع، وبجانب الزاوية القادرية المعروفة بالازهر الصغير، والتي تخرج منها  اجيالا من المشايخ المربيين كالشيخ علي سيالة والشيخ عبدالله زريقة، والشيخ محمد حواص وغيرهم من المشايخ والخطباء.
واختتم الشيخ حديثه بشغف ملحوظ :
ان هذا الجامع هو منارة طرابلس، فاغلب العاائلات الطرابلسية تتبرك بالصلاة فيه، كما وان زوار ليبيا وسواحها  يزورونه كجزء مهم من ضمن البرنامج السياحي، ويتوافد عليه المصلون من جميع انحاء ليبيا لصلاة الجمعة.
حب الرمان
الشبخ عبد الله الوراق، ابن الشيخ ابراهيم الوراق دفين البقيع بالمدينة المنورة، بالاضافة الى كونه مؤذن جامع الناقة والقيم عليه، ومغسل لاموات المسلمين، وهو ايضا حوكي يشتغل على النول ، وكان الحرفي الوحيد الذي انتج دكانه المعروف بشارع الفنيدقة  رداء حب الرمان، او ما يعرف في ليبيا في الكثير من مناطقها بالمثقل، وهو من اجمل المنسوجات الليبية العريقة التي تمتاز بجمالها ودقة نسجها، والتي يخشى عليها من الاندثار، وكان يعرف بشارع حب الرمان ، لوجود عدد من الحوكيبن الحرفيين المهرة، الذين اتقنوا  حياكة هذا النوع من الاردية الليبية ، التي تتطلب الكثير من الجهد والوقت والدقة، لان اي خطا ولو كان بسيطا يؤدي الى اعدام القطعة المنسوجة بالكامل، ولم يتبقى منهم هؤلاء الحرفيين الا عمنا الشيخ عبد الله الوراق الذي رحل هزا ، والذي كان له السبق انه نسج رداء حب الرمان بخيط الحرير بعد ان كان سابقا ينسج  بخيوط القطن، وكانت منسوجاته تتسم بالزخارف والنقوش والاشكال التي زادت من قيمته الجمالية والنوعية لرداء حب الرمان.
ويقال في امثالنا الشعبية ان حب الرمان صغيرها يقاسي وكبيرها يساسي)لصعوبتها  ودقة نسجها وصناعتها.
ثالوث الاصالة
مازال حب الرمان موروث ليبي اصيل، من اجمل ما صنعته ونسجته يد الحوكي الليبي الاصيل والاصلي، ومازال جامع الناقة العتيق تاريخا للماضي واصالة للحاضر، تملا ارجاءه روائح   عطرة فواحة عبقة من نفحات روحانية ايمانية ، نفتقدها في هذه الايام العجاف، والتي تؤكد ان طرابلس كانت ولا زالت وستبقى احد اهم مراكز الحضارة الاسلامية ، حيث ترتكز وتتجمع في ربوعها اكثر المساجد عراقة، ومازال عمي الشيخ عبد الله الوراق حيا، يذكره من عرف الشيخ عن قرب ، ومن عرفه عن بعد، ومن عرفه مثلي لمرة واحدة يتيمة، وكل من اخذته قدماه ألى حي الفنيدقة حيث جامع الناقة، ودكان حب الرمان، ولن يذكر الجامع الا ويذكر الشيخ عبد الله الوراق، ولن يذكر النول وحب الرمان الا ويذكر الشيخ الحوكي صاحب النول ونسيج حب الرمان الشبخ عبد الله الوراق كعلم من اعلام مدينة طرابلس.
هحران..وجدران
في هذه الايام النكدة المشبعة بالكابة والوجع، قادتني قدماي صدفة الى الجامع العتيق، سرعان ما انتابني الشعور بالماهولية الذي سرعان ما تشابك مع الشعور بالهجران، حاولت ان استرجع ما كان الا ان الشعور بالماهولية الذي تولد فجاة سرعان ما نما في النقس لا دفء بل برودة الكابة..
غادرت الجامع العتيق بشعور من الفراغ والكابة، واختفى ذلك الشعور الذي انتابني عند دخولي للجامع اول مرة في شهر رمضان 2010, ربما بسبب ما تركه عمي الوراق على مشاعرنا من تاثير .. وربما برودة المكان، التي لم نستشعرها في لقاءنا الاول والاخير الذي اتسم بالدفء والحرارة حتى انعكست على المكان لاتاكد واتيقن ان الاماكن مجرد جدران صماء باردة بدون اهلها واصحابها.
خرجت من الباب، وقد بدا لي الجامع العتيق يشيخ من موت صاحبه..وجدرانه تبكيه…رغم مرور تسع سنوات على رحيل الشيخ..
وقفت على عتبة الجامع؛ واسندت ظهري على احدى جدرانه اشاركها البكاء على رحيل عمي الشيخ عبد الله الوراق القيم على جامع الناقة.
رحمه الله واسكنه فسيح جناته

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …._

Previous post الاحتلال ومخيمات اللجوء
Next post شركةبناءإيطاليةمتورطة في الاتجار بالبشر بانتويرب
%d مدونون معجبون بهذه: