فلسطين هي العنوان

جمال الجمل

شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_فلسطين ليست قضية موسمية نتذكرها ونهتم بها في أيام العدوان..

فلسطين ليست محنة شعب آخر نتعاطف معه..

فلسطين ليست غزة ولا جنين ولا القدس ولا مجموعة من المخيمات..

فلسطين ليست إسلامية وفقط، ولا عربية وفقط، ولا مسيحية وفقط.. فلسطين تتسع لكل شعبها بكل تنوعه.. فوق الأديان والأعراق والأحزاب والأطياف السياسية..

فلسطين ليست قضية لاجئين أو محاصرين أو جياع نتفاخر بإرسال مساعدات هزيلة وذليلة لدعمهم..

فلسطين ليست ضحية مستكينة نتوسل للمحتل الغاصب أن يرحمها وينعم عليها بـ”التهدئة”، بعد أن يكتفي من القصف والقتل الخسيس..

فلسطين ليست قضية الحكام وحدهم، ولا أبناء هذا الجيل وحده..

فلسطين هي العنوان، والقضية المركزية الكاشفة لمقياس الحرية والكرامة والإرادة عند كل شعوب المنطقة وحكامها، وعند كل المؤمنين حقا بقيم الإنسانية والعدالة وشرف الدفاع عن الأوطان.

فلسطين وطن محتل، وتحريره يشمل الأرض كلها من ماء النهر إلى ماء البحر.

فلسطين باقية مهما كانت المحن، ومهما مرت الأجيال، وهذا البقاء الأكيد هو الشاهد والمفرزة: الشاهد على المواقف والأحداث، والمفرزة التي تفصل بين الخائن والأمين، بين المهادن والمقاوم، بين المنهزمين والصامدين.

هذه الرؤية المختصرة لفلسطين تصرفني عن متابعة التفاصيل، وتعفيني من قراءة بيانات وتصريحات الحكام، لأن القضية بسيطة وواضحة: في أي صف أنت؟

لا أحترم مواقف الترضية والنفاق والتفاوض مع العدو (لكي يؤجل القتل إلى حين آخر).

لا أحترم من يساوي بين الغاصب والمغصوب، ويطلب من الطرفين وقف التصعيد و”أعمال العنف”.

لا أحترم من يتحدث بلا خجل عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها وحماية أمنها، في الوقت الذي يملأ فيه وسائل الإعلام بتصريحات عن دعم أوكرانيا بالمال والسلاح ضد المحتل الروسي، بينما يستنكر حق الفلسطينيين في تحرير أرضهم، ويعتبر دفاعهم عن الحد الأدنى من حياتهم وحريتهم “أعمال عنف” تستوجب القصف بالطائرات واقتحام المقدسات!

لا أحترم من يناشد إسرائيل ولا يدينها بأشد العبارات..

لا أحترم من يساعد في خنق المقاومة الفلسطينية والضغط عليها والتواطؤ في نزع سلاحها وإجهادها بالاغتيالات والمطالب السياسية والأعباء المعيشية وغلق المعابر..

لا أحترم المطبعين والمتعاونين في أي مجال مع العدو الصهيوني الغاصب.

صار معلوما ومنشورا (حتى في الصحف الإسرائيلية نفسها) أن العصابة الصهيونية لا تستطيع أن تخوض حروبا طويلة، لذلك فإنها تخطط لضربات خاطفة وتضع أهدافا لكل جولة، حتى أن الخطة تتضمن مطالب ما بعد الحرب. وقد قال أحد رؤساء الأركان الصهاينة: “إن كل حرب لا بد أن تنتهي في وقت محدد، ثم يذهب الطرفان إلى موقف جديد بالتفاوض أو الاتفاق المشروط. ومعيار نجاح أي حرب أو ضربة يقاس بما يحدث بعد الحرب من مواقف واتفاقات، ولا يقاس بكمية الخسائر وعدد الضحايا”.

والمؤسف في تدخل الحكام العرب أنهم يتدخلون للقيام بدور حقير في مرحلة ما بعد الحرب، أي يتدخلون بعد أن تنتهي عصابة القتلة من تنفيذ المهمة الأساسية من اغتيالات وتدمير للبنية التحتية للمقاومة، ثم تترك للحكام العرب المتواطئين الدور الخسيس في تقييد المقاومة وتحميلها بالتزامات وأعباء ترهقها وتنتقص من قوتها، في مقابل وعود بإعمار ما تهدم والسماح بشحنات غذاء ووقود تغطي الحد الأدنى من احتياجات المتضررين من الغارات. وهكذا تساهم دبلوماسية الخنوع الرسمي العربي في انتصار إسرائيل وإضعاف المقاومة الفلسطينية.

مع كل غارة صهيونية على إخوتنا داخل فلسطين، نحزن ونغضب ونشعر بالأسى، لكننا لا نيأس ولا نستسلم، بل ندعم ونتوعد ونأمل في يوم النصر.

يعرف الجميع أن فلسطين محتلة وشعبها تحت حكم استعمار استيطاني عدواني، مدعوم بشكل سافر من أمريكا وأوروبا، لكن قليلين يعرفون أن حالة فلسطين الواضحة هي نفسها حالة كل بلد عربي، فالأقطار العربية صارت (مع انتشار العمالة والتبعية) تحت حكم الاستعمار المدعوم من أمريكا وأوروبا.

لقد صارت لدينا أنظمة تابعة للبيت الأبيض والاتحاد الأوروبي تدور في فلك حل الدولتين، وتتحدث عن فلسطين وعن بقية الأوطان الممزقة بنفس القاموس الغربي، وتجلد الشعوب بأوامر صندوق النقد وأجندة المؤسسات الغربية التي ينفذها “حكام الشراكة” و”أمراء التطبيع”.

وهذا الاحتلال الشامل لكل الأقطار العربية مخطط سلفا للحفاظ على هيمنة الاستعمار على مقدرات المنطقة، فكل ما حدث أن المحتل صار يرتدي الأقنعة المحلية في معظم البلدان العربية، بينما أسقط الأقنعة في فلسطين.

لهذا، فإن قضية فلسطين هي قضية كل العرب.. ولذلك لا ينبغي أن نجتزئ قضية الحرية والتحرر ونقصرها على فلسطين المحتلة، فكل العواصم العربية تحتاج إلى تحرير، هناك أسرى وفي كل البلدان العربية أسرى، هناك ظلم وتعسف وسلب حقوق؛ وفي كل البلدان العربية ظلم وتعسف وسلب حقوق.. هناك احتلال وعصابة حاكمة؛ وفي بقية القصور العربية احتلال وعصابات حاكمة..

من هذا الفهم يمكن توحيد القضية العربية لتتجاوز الحدود السياسية المصطنعة، وتصبح قضية تحرير شاملة للإنسان العربي.. تحريره من أوهام راعي السلام الغربي، ومن خدمات الحكام الموظفين في الإدارات الغربية، ومن الخرافات السياسية التي تتحدث عن دساتير ومؤسسات دولة وقرارات وطنية.. فلسطين لن تتحرر إذا ظلت بقية البلدان العربية محتلة بحكام صهاينة، والأقطار العربية لن تتحرر إذا ظلت فلسطين تحت حكم عصابة الصهاينة.

وأعتقد أن مفتاح الحل وعنوان القضية هو فلسطين، لأن التعاطي الصادق مع القضية الفلسطينية يتجاوز هوية المصري والسوداني والعراقي والجزائري والأردني واليمني.. الكل يشعر أن قضية فلسطين هي قضيته، وهو أجمل ما تبقى لنا من إثبات أن هذه الشجرة كثيرة الفروع لها أصل مشترك، لا أرغب في تسميته عربيا أو إسلاميا أو شرق أوسطي حتى لا نزيد من تشتتنا.. يكفي أن أقول: فلسطين هي الدليل والعنوان.

عربي 21

brother and sister with books on their heads Previous post العودة إلى المدرسة في لوكسمبورغ
Next post قصة إمبراطور «زاهد»
%d مدونون معجبون بهذه: