التطبيع بحجة “الواقعية السياسية” وأن نصرة فلسطين لا تحررها.. هل نعيش أزهى عصور “الأنانية العربية”؟

محمد أمزيل

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_ من المثير للغثيان الحاد أن يعتقد البعض أن الدفاع عن قضية فلسطين يعني القدرة على تحريرها الفوري، وكأن أهلها قد وضعوا الأسلحة أرضاً راضخين للأمر الواقع، ولا يعلم هؤلاء المدَّعون أن الطفل يولد هناك على طين من تراب ممزوج بالدم، ينافس صراخه أزيز الرصاص.

إن الانحياز للقضية الفلسطينية لا يعني تحريرها الآن، بل يعني الاعتراف بأن الاحتلال الإسرائيلي كيان استعماري غاشم وإرهابي، سرق أرض الفلسطينيين بالقتل والتشريد.

فقضية فلسطين تحمل أزمة كونية، أزمة تولدت عن أرض مسلوبة، وعن إنسان يعاني من العنصرية والقتل في أية لحظة، وعن مواطن يُعاني من الاعتقال والسجن لمئات الأعوام، وعن لاجئين مطرودين من مناطقهم ليعيشوا في المخيمات معزولين وعُزَّل.

أتحاولون أن تجعلوا من فشلنا في تحريرها مبرِّراً لنسيان جرائم كيان إرهابي؟ هل فشلنا يعني أنه لا بأس بالتطبيع مع الإرهابيين؟ أم أنكم مجرد جبناء؟ لأن الجبناء لا يؤيدون إلا الأقوى؟ ليس لأن الأقوى على حق وإنما لأنه أقوى. إنكم إذاً تُصرِّحون بأن حق القوة هو الأسمى في الحياة، بينما قوة الحق مجرد خرافة يتمسك بها الضعفاء، وهذا طبعاً يقود إلى عبثية القبول بشرعية أي قوانين كيفما كانت.

إن السبيل نحو تسفيه الانحياز للقضية الفلسطينية بمبررات الضعف الكامن فينا، هو سبيل الخائن الذي يفتح أبواب مدينته المحصَّنة للأعداء، لا لشيء إلا لأنه يعلم أن العدو قوي وسينجح، في أية لحظة، في السيطرة على المدينة، لهذا يعتقد “الخائن” أن من الفطنة التحالف مع العدو للنجاة من موت محتوم. إنه يبيع أمة من أجل أيام إضافية في حياته. لا أعتقد أن الخونة في عهد الاستعمار قد خرجوا عن هذه القاعدة، فهم لم يكونوا خونة بالطبيعة، وإنما أصبحوا كذلك بعد أن اختاروا سبيل الواقعية السياسية على حساب التحرر الإنساني. فالواقع أقوى من الأمل دائماً، لكن الأمل هو الذي يضحك أخيراً.

الخائن لا يعلم أن الأمل حتى وإن كان وهماً فإنه هو الهدف لأي واقع، ولا أمل يأتي بالاستفادة من الواقع، وإنما باليأس من الواقع. يقول المفكر الفرنسي فرانز فانون في كتابه اليساري-الإفريقي “معذبو الأرض”: “في الجزائر مثلاً حيث نرى أن الرجال الذين دعوا الشعب إلى الكفاح الوطني كانوا جميعاً على وجه التقريب محكومين بالإعدام أو ملاحقين من قبل الشرطة، نلاحظ أن الثقة تتناسب مع مقدار ما في كل حالة من اليأس”. ويقول هاربرت ماركيوز في آخر صفحة من كتابه اليساري-البدوي “الإنسان ذو البعد الواحد”: ‘لقد كان والتر بنجامين قد كتب في مستهل العصر الفاشي: إن الأمل لم يكتب لنا إلا بسبب أولئك الذين هم بلا أمل”.

فعلاً، اليأس من الواقع، هو الذي يضمن تحقيق الأمل، لهذا يبقى هذا الأخير وهماً أو يوتوبيا (بمصطلح كارل مانهايم) نؤمن بإمكانية حدوثه، ولكن لا يتحقق إلا بعد أن يتحقق اليأس من الواقع. والغريب أن اليأس من الواقع لا يسعى إلى تحقيق الأمل، فهو قد فقد الأمل في أي أمل، ما يسعى إليه فقط هو تدمير الواقع لأن نفسيته تحقد عليه بكل سوداوية، إن اليائس هو العدمي الذي يكتب الأمل للآخرين. لهذا أعتقد أن ألبير كامو ظن أن اللاجدوى التي يؤمن بها العبثي (بالمعنى الوجودي) هي التي تدفعه ليكون ثورياً شرساً، فالعبثية هي إيمان بلامعنى الوجود، أي لا أمل في الواقع (الوجود بشكل أعمق)، وهذا ما يجعل العبثي (اللامبالي) يبحث عن طريقة للعيش، وهي كتابة أمل، على الأقل، يجعل الآخرين يتمسكون بالوجود.

الفلسطينيون فقدوا الأمل في الواقع بفعل المحاصرات التي يُعانون منها، في أية جهة، من طرف الكيان الصهيوني، وأيضاً بفعل الخيبات التي أفرزتها الدول العربية الساعية إلى التطبيع. فهم لم يعد لهم أي أمل في الواقع، إنهم يحملون في جوفهم “نفياً جذرياً” للوجود الصهيوني المتشبث بالواقع؛ فإن الأمل سيتحقق كلما زاد يأسهم، فالثيموس (الغضب العدمي) ينتصر دائماً على اللوغوس (السيطرة الواقعية).

إذن، لا حاجة للفلسطينيين لدعمنا، فهم يكتبون تاريخهم بأسلحتهم الصغيرة والبسيطة، ولكن هذا لا يعني أن نتبنى فكرة اللامبالاة، بمجرد أننا اقتنعنا بلا جدوى دعمنا، فقوانين العبثية تسقط هنا. فانحيازنا لا يهدف فقط لتحرير أرض مسلوبة، وإنما نؤكد من خلاله، حقاً، أن الأرض مسلوبة هناك، وأن ممارسة القتل والتشريد ضد الأبرياء هي شذوذ ضد طبيعتنا الإنسانية، فإن قلت “أنا مع فلسطين” فأنا أؤكد أن أهاليها يتعرضون لإرهاب غاشم. إن تصريحنا لا يعني تعبيراً عن قوة أو عن فكرة أو عن شهوة أو عن رغبة، وإنما هو تعبير ينبجس وحده من ضمير. أي أنه صراخ الإنسانية التي تسكن أيَّ شخص فينا.

وبالتالي، التصريح بالانحياز إلى فلسطين هو نوع من “الوعي الإنساني” الذي يتجاوز “الوعي الفردي” (المحصور في الواقع الأناني). فالوعي الإنساني هو الوعي بضرورة زوال ما يهدد الوجود الإنساني، ويهدد مكانة كرامته. بينما الوعي الفردي هو فقط خوف على مصلحة مادية ستتلاشى بين صفحات التاريخ، فالحياة ليست واقعاً، وإنما قصة، والقصة تُكتب بالدماء، وليس بلعاب كلاب تلهث برؤية سيدها.

عرب بوست

grey metal case of hundred dollar bills Previous post قوة الدولار والهيمنة الأمريكية
Next post فصل أجهزة الإنعاش عن الممثلة آن هيش أدت لوفاتها
%d مدونون معجبون بهذه: