أين تيس الملكة الوكيل الهمام شينكن؟

أحمد عمر

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_ وصفت تقارير إعلامية الملكة الراحلة بالتواضع، لكن لم يصفها أحد بالزهد وإلا صار التقرير تيك توك، وعُرضت مئات المواثيق المصورة عن الملكة التي خذلتها العقاقير وخانتها وصفات الأطباء ووصايا النطاسيين، فقضت نحبها قبل أن تبلغ “سنة الحمار”. والْعَرَب تَقول لسنة الْمِائَة من التَّارِيخ سنة الحمار، وَأَصلهَا من حَدِيث حمَار عُزَيْر وَمَوته مَعَ صَاحبه مائَة سنة. ولم يبلغنا أنها صارعت المرض، فالمرض لا يجرؤ على الصراع معها.

وكان أشهر بطولاتها ومشاهدها تضحيتها بنفسها لتمثيل دور الملكة، في فيلم إعلاني كوميدي ترويجاً لدورة لندن للألعاب الأولمبية عام 2012، مع “دانيال كريج” في دور العميل السري رقم 007، ويقال إن مخرج الفيلم أقنعها فقبلت بالتضحية بست دقائق (أين سرقت الدقيقة السابعة يا ظلمة) من عمرها في سبيل دورة لندن، لكن ممثلة شبيهة ستقذف بنفسها من الطائرة بدلاً منها، أو إنّ الخدع السينمائية ستفتدي الاثنتين، فذكرتنا بالرئيس مبارك في أيام الشباب وسعيه للظهور في فيلم ليلة الحنّة مع جيمس بوند السينما المصرية غير السري؛ كمال الشناوي. والعميل رقم سبعة هو شكسبير بريطانيا السينمائي وساموراي الملكة. واشترطت أن يكون في الفيلم جملة تقولها، ليس لزيادة أجرها عن الدور طبعا، والخرس أجلُّ لها وأعظم، وكان ذلك لها. لكني وجدت لها حواراً مع مهر قزم، عبثت بخلقه أصابع الهندسة الوراثية، مجللاً بالأكسية الفاخرة والحُلي، طمع في أكل باقة زهر كانت تحملها الملكة، فقالت له ما ترجمته بالمصرية: لا يا خلبوص.
وجشع المهر قد يدفع ألسنة السوء إلى اتهام الملكة الثرية التي حكمت ثلاثاً وخمسين دولة بالنار والحديد، تقلصت إلى خمس عشرة دولة محكومة بالحرير والحنّة، بتهمة تجويع الحيوانات. ومن الفيديوهات التي راجت للملكة فيديو لها وهي تنثر قطعاً نقدية (ربما سكاكر وكاراميل) على أفارقة جوعى من زامبيا، كما ينثر المرء الحب للطيور الداجنة، فانطلقوا يلتقطونها من الأرض شاكرين كرم الملكة!
أمّا أكثر عبارات النعي وأشدّها رثاء للملكة الراحلة، عن ذلك العمر المديد والسعيد والمجيد والتليد، من لدن الكتاب العرب المعجبين بالملكة، فهي أنها رحلت وهي تملك من غير أن تحكم يا ادلعادي، وليس مثل رؤسائنا وملوكنا الذين يملكون ويحكمون، ونسوا أن يقولوا إنها رحلت من غير أن تأخذ معها درهماً ولا ديناراً، ونعّشت في تابوت مبطن بالرصاص لا بالذهب الذي ملكت منه ما تنوء بحمل مفاتيحه العصبة أولي القوة.
وزعموا جميعاً من غير استثناء أن بريطانيا من أكمل الديمقراطيات وأجلّها، وأن مملكتها هي المملكة السعيدة التي تشبه ممالك الحكايات، ولا تغيب عنها الشمس التي غُيّبت عن بلدان المستعمرات المنكوبة باحتلالها من بريطانيا، وإذا غابت الشمس ناب عنها القمر.
ويداخل المرء رهب ورعب من ذكر بعض مواد الدستور البريطاني (غير المكتوب) الذي يمنح الملكة سلطات مطلقة، لكنها سلطة حسنة اللثام ومزخرفة البراقع، ولم نسمع بمظاهرات ثورية في بريطانيا تعترض جنازة الملكة على نعشها المزخرف من قلعة إلى قلعة وقصر إلى قصر، سوى مشاغبين اثنين اعترضوا الجنازة، ندّد أحدهم بترفها، وندّد الثاني بالأمير أندرو الذي اتهم يوماً بالتحرش بالأطفال. فالاعتراض والثورة ترف في غير محله، والبريطاني تتدفق عليه ثروات الأمم المستعمرة، ويزور بلاد الكوكب من غير تأشيرة، فلمَ يحتج على الملكة التي رفعته في درجات المجد والسؤدد.. مجدها مجدهم وعزّها عزّهم؟
أشفقت حاشية الملكة على محبيّها الأبعدين، ممن لم يستطيعوا سبيلاً للحج إلى نعشها المذهب المبطن بالرصاص، فأطلقت التصوير الافتراضي حتى ينعموا بوداعها قبل مواراتها الرخام. ورأينا أرتالاً من الزائرين يقفون خاشعين أو ينحنون راكعين مودعين، لا فاتنين ولا مفتونين، أمام هرم نعشها الفاخر، ولا نعرف ما إذا كانت الجثة في النعش الذي تحرسه خُشب بشرية مسندة، لا يرفُّ لها جفن، ولا تصدر عنهم نأمة، ترتدي أزياء مذهبة حيكت بأنامل أعتى المصممين، لعلّ الجثة محقونة بمواد حافظة غير المواد التي حفظت بها مستعمراتها.
وذكرت تقارير صحافية أنّ تكاليف الجنازة الكبيرة، سيدفعها المواطن البريطاني من الضرائب، مع أنّ مفاتيح كنوز الملكة تنوء بها العصبة من أولي القوة. ووجد كاتب السطور نفسه الخاطئة المذنبة مسرورة بالقيود التي فرضت على الضيوف المشيعين، وهم ملوك من الشرق والغرب، فقد شرطت وهي في نعشها على الملوك والأمراء الحضور بطائرات ركاب، فلن يسرق أحد الأضواء منها حتى وهي في نعشها، ولن يباح لأحد من الملوك الضيوف اصطحاب حرسه وحاشيته، هو سيشرف بأن يكون من حاشية للملكة على العربة الملكية التي تجرها خيول مطهّمة تعيش على أكل الفستق والجوز، ستكون جنازة البطل الوحيد. لن يسمح لملك من ملوك العالم الثالث أو العالم الكومبارس بخطف الأبصار منها، في عصر الكاميرات الكثيرة.
شمتَ كاتب السطور برؤساء ثلاث دول سيحرمون من نعمة حضور الجنازة، هي روسيا وبيلاروسيا وميانمار، أما الأسد فلم تعد بلاده سوى شبه دولة، فليسوا بأكرم من رؤساء الوزراء والأمراء الإنجليز الذين حضروا تتويج الملك تشارلز وقوفاً، على رؤوسهم الطير. تشرتشل المنتصر في الحرب العالمية والذي أجرى عمليتين جراحتين وفي خريف العمر لم يكرم برحمة الجلوس بحضرة الملكة!
انتشرت حمى نعي الملكة والحداد عليها في بلاد العالم، فكتبت ممثلة لبنانية عن “وحدانية الملكة”، وأجّل مطرب مصري شهير ألبومه دوشة حداداً عليها، فذكّرنا مشكوراً محموداً بالتقاليد العربية المنسية، ونشز عن المحدودين (من الحداد) مغنية أمريكية اسمها فوجبي بريجدرز ؛شاركت تغريدة شامتة ذكّرت بضحايا الاستعمار البريطاني وسبعين سنة من سرقة المستعمرات، وأعادت صحف إحياء الجدل حول ادّعاء مفتي الديار المصرية السابق علي جمعة انتساب الملكة إلى آل البيت، وصنّفت صحف عربية الملكة في محور المقاومة والممانعة، لأنها امتنعت عن زيارة إسرائيل التي أنشأتها بريطانيا، واستبشر كثيرون بالملك الجديد تشارلز، وزعم بعضهم أنه مسلم يخفي إسلامه، خوفاً من الملأ القرشي، ويصلي في دار الأرقم بن الأرقم، كما قال مفتي قبرص! وذكروا أنه متواضع أكثر من أمّه، برهان ذلك أنه خلع حذاءه في أثناء دخول الجامع الأزهر، ولم يدخلها بخيله ورَجْله.
ووجد كتاب عرب ما يمدحون به الشعب البريطاني العاقل الحصيف الذي لم يخرج نادباً كما فعل الشعب المصري في جنازة عبد الناصر، أو الشعب السوري في جنازة حافظ الأسد. أما جنازة الخميني فوصفت بالهستيريا، فهي جنازة لن يُرى مثلها حتى في كوريا الشمالية.
وكتب كثيرون يتغنون بالماغنا كارتا، واستعرض الإعلام كلاب الملكة الثلاثين اليتيمة (التي عبثت أصابع الهندسة الوراثية بخوارزميات خلقها)، والتي بُشرنا بأن أندرو سيتعهد برعايتها ويطعمها من جوع ويؤمنها من خوف، ولم يذكر أحد تيسها الجميل المسكين ويليام الذي غاب عن الإعلام حزناً عليها.
أزياء ملكية، جواهر ليس لها مثيل في التاج، خصصت له برامج في الوثائقيات، تنورتها التي صممت ضد الريح والزلازل، مشاعر وصيفات الملكة في أثناء نزول الدرج الملكي وهنَّ يتعثّرن في مروطهن الملكية، لوحات فاخرة في قصورها وقلاعها، بينها لوحة للخليفة المنصور.. الملكة ستعبر إلى العالم الآخر، ولا صالقة ولا حالقة ولا شاقة، الإنجليز موصوفون بالجَلَد والبرود، والملكة لم تمت فابنها سيرث عرشها، ومن خلّف ما مات.. ستبدل طوابع المملكة وأختامها وعملتها باسم الملك الجديد، وستكلف المملكة أموالاً طائلة، وستذكر خطفاً مقتل ديانا في حادث سير، وستذكر تقارير خجولة مأساة ميغ الكنّة السمراء المنبوذة.. مراسم لا حزن فيها تشبه العرس.
ذكرنا التيس شينكن، وله رتبة وكيل في الجيش البريطاني، وسبب تكريمه ملكيا، أنَّ تيسا بريا قاد كتيبة الجيش في حرب الاستقلال الأمريكية إلى النصر، فأصبح رمزا للحظ السعيد، وبات التيس تقليدا في ويلز وجنديا في الجيش منذ 1775، له جعالة.
وكان التيس ويليام المعروف باسم الدلع بيلي قد خُفضت رتبته في عام 2006 بعد هجومه على قارع الطبول خلال موكب لاحتفالات عيد ميلاد الملكة إليزابيث الثانية. يقول المعاصرون في وصف أخطاء الحرب: نيران صديقة، وتلك قرون صديقة، وقد عوقب التيس المسكين، ولم يجد له أحد العذر في الطبل المزعج، وقد يُستبعد من المشاركة في الجنازة، خوفا مما “يحمد” عقباه.
البريطانيون يعتزون بالملكة، فهي قوة بريطانيا الناعمة في الظاهر، وتحكمها في الباطن، وهم يعتزّون بها لأنها منهم، على دينهم وأخلاقهم وخصائصهم وشمائلهم، وليست مثل رؤساء العرب وملوكهم.
الإنجليز هم سادة المسرح، وهذا هو عرضهم الكبير، والملكة بطلة المسرحية وهي في النعش.
قال متنبي الإنجليز شكسبير: “شقَّ طريقك بابتسامتك قبل أن تشقّها بسيفك”.. الملكة فعلت الاثنين. وكان عنترة أبلغ من شكسبير عندما قال يصف ابتسامة عبلة، جامعا بين بياض الأسنان ولمعان السيف وحُمرة الشفتين وحمرة الدم:
فَوَدَدتُ تَقبيلَ السُيوفِ لأَنَّها   لَمَعَت كَبارِقِ ثَغرِكِ المُتَبَسِّمِ

غير أنّ عبلة كناية الحبّ والحرية.

عربي 21

Previous post تحطيم حماس.. وحجز مقعد لها على طاولة المصير المرّ!
Next post الردود الغربية على قرار بوتين بالتعبئة
%d مدونون معجبون بهذه: