زاهى وهبي صاحب خليك بالبيت وبيت القصيد ضيف شبكة المدار الإعلامية في حوار دافئ

حوارة الاعلامية والاديبة غادة الطبيب .مكتب طرابلس ليبيا

مُحاوِرٌ بارع، شاعرٌ يغزل من ذكرياته دثاراً يقيه ويقينا برد النسيان، عاشقٌ لِلُبنانهِ ولعروبته، يحمل هموم الوطن كسيزيف أسطوري منذ ما يربو عن ثمانية وتلاثين عاماً هى عمره مابين أروقة الصحافة والتلفزيون.
بيته القصيد ونوافذه مشرعة صوب الشمس دائما.
إعلامي وشاعر ومحاور ولازال في جعبته الكثير.. زاهى وهبي صاحب خليك بالبيت وبيت القصيد ضيف شبكة المدار الإعلامية في حوار دافئ يحكى فيه عن ديوانه الأخير وعن تجربة مرضه بفيروس كورونا وعن المرأة والحب وبيروت.

‏1/ لنبدأ من ديوان ليل يديها الذي وُصف بأنه محاكاة لعودتك من الموت ومحورية الله في حياتك، هل كان من الصعوبة بمكان اختزال هذا الكم من المشاعر واعادة كتابته في قصائد؟
الواقع أن كتابي الجديد ليل يديها يبدأ بنصٍّ قصير مستوحى من تجربة إصابتي بكورونا والرحلة الصعبة مع هذا الفيروس اللئيم، واقترابي من الموت خلال الأيام الحرجة التي أمضيتها في المستشفى، فيما متن الديوان يضم قصائد حب للناس والأمكنة، للإنسان والأرض، للجمال والخير، ولكل ما يسمو بالنفس البشرية ويرتقي بها.
أما لجهة التجربة نفسها، أي تجربة المرض والوصول إلى حافة الموت فأنا من المؤمنين بأن اللحظات الحرجة والمِحن الشديدة والتجارب الصعبة تكثّف المشاعر والأحاسيس والأفكار، وتجعل صاحبها يستعيد عمره كاملاً كشريط سينمائي تومض عبره المحطات والمفاصل الجوهرية التي عاشها، وبالتالي يسهل على الشاعر في هذه الحال أن يسطّر ما عاشه واختبره. أما الله فهو منبع كل شيء وإليه مصبّ كل شيء، وحين يمتلىء القلب بالله يسع الكون بأكمله، وتغدو كل تجربة، حلوة أو مرّة، ممراً جديداً نحو ملكوت الله.

شعرية النص الروائي تحسب له لاعليه..

2/ وظيفة الشاعر خلق الأسئلة أو ايجاد الإجابات للأسئلة المسكوت عنها ؟
برأيي الأسئلة أهم من الأجوبة لأنها تفتح أبواب البحث والتفتيش والتنقيب. الجواب يضمر الكثير من اليقين والسبات، السؤال باب مفتوح على احتمالات لا تعد ولا تحصى، لذا أرى أن طرح الأسئلة هو بذاته عمل ثوريّ لأنه يخلخل اليقينيات ويدفعنا إلى عدم الركون والسكون. وفي كل سؤال ثمة إجابات مضمرة، ولو توقفت البشرية عن التساؤل وطرح علامات الاستفهام لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه من اكتشافات هائلة على الصعد كافة. وأهمية السؤال الشعري خصوصاً، والأدبي عموماً أنه يضيء الطريق أم العلم، أو يشكّل نوعاً من الإشارة نحو الأبواب التي يمكن للعلم أن يفتحها. كل ما يدور في مخيلة شاعر قابل لأن يكون ممكناً، وكثير من الاكتشافات والاختراعات بدأت بين طيات قصيدة أو رواية.
من هذا المنطلق أؤمن بأن طرح السؤال هو بذاته محاولة جواب.

3/ الذاكرة السمعية للشاعر ، وفي حالتك ذاك الكم الهائل من القصص والحكايا التى كانت تسردها والدتك،كيف أعدتَ صياغتها شعرا ؟ وكم كان من المهم وجودها لتصبح الشاعر الذي أنت عليه اليوم؟
كلّ ما أنا عليه اليوم، بما له من قيمة أو معنى هو(بعد الله) بفضل تلك السيدة الطاهرة التي يرقد جثمانها تحت ثرى بلدتي عيناثا في أقصى جنوب لبنان على شرفة الجليل الفلسطيني. هي التي أورثتني الشِّعر جينياً وتنشئة وتربية، والدها كان شاعراً ورثت عنه الكثير ونقلته لي مشافهة من خلال قصصها ومروياتها ، والذي يعرف أمي جيداً سوف يعثر على ظلالها في كل ما أكتب. ولعل الأهم أنني هضمت كل ما أخذته عنها وعن سواها وأعدتُ صياغته بأسلوبي الخاص، وبما يشكل هويتي الشعرية.

4/نشأتك في كنف امرأة بعيدا عن الصورة النمطية للعلاقة الاسرية ،هل جعلت كفة المرأة أكثر ثقلا لديك في الشعر وربما في الحياة؟
طبعاً لأنني عشت واختبرت التضحيات الهائلة التي تقدمها المرأة في هذا الشرق، فضلاً عن إيماني بأن الأنوثة أصلاً هي معطى أكثر عمقاً وإلهاماً من الذكورة، لكنني حين أنحاز للمرأة في سلوكي أو قصيدتي لا أنحاز إليها فقط بوصفها أنثى بل أولاً بوصفها إنساناً لا تكتمل الحياة ولا تستقيم ما لم ينل(هذا الإنسان الذي هو المرأة) حقوقه كاملة في القوانين وفي واقع الحياة.

5/يقال أن دراسة الحقوق تُسبِغ الإنسان بالمنطقية والكثير من العقلانية، كيف تخلص الشاعر في داخلك من لمسات العقلنة والمنطق ؟
نشأنا ونحن نسمع عبارة الفنون جنون، ويقال إن الفارق بين المجنون والشاعر هو أن الأول يذهب إلى الجنون ويبقى هناك، فيما الثاني يذهب ويعود ليخبر عمّا عاشه ورآه. لا أعرف تماماً ما هو الحد الفاصل بين العالم “المعقلن” وبين العالم “المشعرن”. أحياناً أقرأ نصاً لي وأتساءل كيف كتبته، وهل حقاً أنا الذي كتب، أم أن ثمة ما أو من أوحى لي به؟!
المسافة بين وادي عبقر وأودية الواقع غير واضحة وغير مرئية، ولعلها تختلف باختلاف الشعراء، وتتعدد بتعددهم، ولكل منهم عالمه الخاص الذي لا ينفصل كلياً عن العالم العام. لنقل إن الواقع نفسه، بكل التحديات التي يمثّلها هو الكفيل بعقلنة الشاعر واستعادته من وادي عبقر إلى أودية الحياة وقممها وتضاريسها المختلفة.

6/بعد خمسة عشر عاما قضيتها في (خليك بالبيت) الرهان في الإستمرارية كان على الجمهور أم على الضيوف أم أن رهانك كان على نفسك؟
خمسة عشر عاماً في خليك بالبيت وعشرة أعوام في بيت القصيد، وما مجموعه ثمانية وثلاثون عاماً في الصحافة والتلفزيون

. إنها حياة كاملة، أكثر من ثلثي عمري في هذه المهنة الشيقة الشقية الشاقة، والرهان كان دائماً على الله أولاً، ثم على الكدّ اليومي والجهد والمثابرة واحترام المشاهدين والضيوف والذات، هذا المثلث هو سبب النجاح والاستمرارية، وإذا اختل ركن من أركانه الثلاثة وقعت الواقعة، وبدأ التراجع المؤدي إلى الفشل أو على الأقل المراوحة في المكان ذاته.

شعرية النص الروائي تحسب له لاعليه..

7/مسيرة تلفزيونية ناجحة ، تترافق مع مسيرة شعرية أكثر نجاحاً،في المنتصف بينهما يقف (زاهى )الإنسان فهل انت مدين له باعتذار أم بإجازة طويلة؟
نعم لدي شجاعة الاعتذار ليس فقط من نفسي، بل من كل مَن أو ما قصّرت معه أو فيه. القصيدة تخطف شاعرها من واقعه، والمهنة توقعه في حبائلها ومتطلباتها فينسى نفسه أحياناً، وينسى أن للأحبة حقاً عليه. تمرّ الأيام والسنين وينتبه متأخراً أن “العمر غفلة” كما تقول جداتنا. شكراً على السؤال، الحقّ أقول لكِ بي حاجة للاعتذار مني واحتضانني طويلاً!

8/معظم الشعراء يُقدمون على كتابة الرواية ولو لمرة واحدة أو العكس، هل تراودك فكرة كتابة الرواية ؟
وفي رأيك اسباغ (الشعرية ) على النص الروائي تجمله أم تُدخله دائرة الملل؟

كثيرون يطلبون مني ويشجعوني على كتابة الرواية، خصوصاً وأنني أنتمي إلى جيل يستحق أن تروى سيرته لفرط ما عاش من تجارب وأهوال وانكسارات وانتصارات، لكنني لا أزال متردداً حيال هذا الأمر، إذ أن مزاج الشاعر يختلف تماماً عن مزاج الروائي، وتقنيات الكتابة الشعرية أيضاً تختلف عن تقنيات الكتابة الروائية. صحيح أن الكثير من الشعراء كتبوا الرواية لكن ما ألاحظه أن الأمر لم يضف الكثير إلى تجربتهم إلا في ما ندر منهم. ورغم كل هذا، نعم تراودني فكرة كتابة ما يشبه السيرة الروائية، وأظن أن شعرية النص الروائي تُحسب له لا عليه، إذا كانت بمقدار معين ولم تطغ على أصول الكتابة الروائية وتقنيات السرد.

‏9/كتبت يوماً.. أنوثتك ليست شكلا ولافستان سهرة…كيف تكتمل الأنوثة في رأيك؟
الأنوثة داخلٌ وخارج، جوهر ومظهر، روح وجسد، عاطفة وفكر، حين تتناغم هذه الثنائيات وتتجانس تبلغ الأنوثة أرقى تجلياتها وأسمى مراتبها. والأنوثة كينونة متحركة وغير جامدة، بمعنى أنها تتغير وتتطور مع الوقت، العمر، التجارب، النضج، لذا لا يمكن ولا يجوز حصر الأنوثة بشكلٍ معين، أو بمرحلة عمرية دون سواها. الأنوثة معنى وجوهر وسلوك، الأنوثة تقود العالم إلى أعلى.

10/ما الذي يُدهش الطفل في داخلك، ويخيفه ويجعله يرقص طرباً؟
يدهشني كل جميل، بزوغ الفجر مثلاً، قطرات الندى على خدّ وردة، احمرار وجنتي مراهقة، عاشق مسرع إلى موعده الأول…ويخيفني العجز، كل عجز، عجز إنسان عن تأمين قوت يومه، ومريض لا يجد علاجاً، ومظلوم لا يناصره أحد، أما ما يجعلني أرقص طرباً فهو اكتمال قصيدة مثل اكتمال بدر في كبد السماء.

١١/ للشعراء كما للعشاق أجنحة ،يُتلفها مقص الرقيب،كيف تتعامل مع الرقابة أم أن السنوات اكسبتك حصانة ضده؟
حالة الكتابة حالة جنينية، تشبه كثيراً مراحل تشكّل الجنين في رحم أمه، تلك المراحل لا يتشارك فيها أحد غير الجنين وأمه. والشاعر لا ينبغي أن يتشارك تشكّل قصيدته مع أحد لأنه متى حضر الرقيب، سواء كان جهةً ما سياسية أو دينية أو اجتماعية، أو كان قارئاً في أي مكان، تفقد القصيدة فرادتها واستثنائيتها، وتغدو أقرب إلى “ما يطلبه المستمعون”. من هذا المنطلق لا لأي شكل من أشكال الرقابة، وليمت همّاً وغمّاً كل رقيب!

12/ من بين الاف القصائد التى كتبتها، ماهى القصيدة التى ستهديها لبيروت الأنثى والمدينة في ذاكرتك ؟
كتبت كثيراً لبيروت، لدي ثلاثة كتب تحمل عنوان بيروت وهي: بيروت المدينة المستمرة، ٣ دقات/بيروت على خشبة مسرح، قهوة سادة/في أحوال المقهى البيروتي، وفي إحدى قصائدي عنها أسميتها مسقط القلب والوردة الدهرية في حديقة الأبد، وقد غنّى الفنان البحريني الشاب محمد المرباطي نصّاً لي مهدى إلى بيروت منه:

طرح الأسئلة عمل ثوري ..


بيروت
زهرةُ الصُّوان، أقحوانةُ التعب
شهوةُ الغيبِ،
ثمالةُ العناقيدِ في نشوة العنب.
بيروت
أهزوجةُ العيدِ وقبضةُ الغضب
نشيدُ الأناشيدِ
وكلمةُ الله في كتابِ العجب
كلُّ ما فيها ناطقٌ
حتى الصمت والعتم والحطب
بيروت
رمانةُ القلبِ
كم في غواياتها جُنَّت شعوبٌ وتاهَ عشاقٌ
سليلةُ الملح والجرح
والوردةُ الدهريةُ في حديقةِ الأبد.

حوارة الاعلامية والاديبة غادة الطبيب ٫٫مكتب لبيبا طرابلس

Previous post اليهودي والصهيويني وإحاكة المكايد
Next post إيرانيات في مواجهة نظام الملالي…”كلنا مهسا أميني”
%d مدونون معجبون بهذه: