إيرانيات في مواجهة نظام الملالي…”كلنا مهسا أميني”

كلاوديا مينده

ترجمة: رائد الباش

شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_“الملالي يخشون النساء أكثر من خشيتهم خصومهم الإيديولوجيين”. كتاب بالألمانية يصف صلابة نساء في مقاومة دكتاتورية الملالي المسيطرين بيد فولاذية منذ أكثر من 4 عقود. استقراء كلاوديا مينده لموقع قنطرة.

كانت غولينه أتاي طفلة في الخامسة  من عمرها عندما اضطرت إلى مغادرة إيران مع عائلتها في عام 1980. ولكن من الواضح أنَّ مصير إيران يعتبر موضوعًا قريبًا من قلب هذه الصحفية التلفزيونية والمديرة الحالية لاستوديو القناة الألمانية الثانية زد دي إف ZDF في القاهرة.

تؤكد غولينه أتاي في بداية  كتابها على أنَّ أسوأ شيء في إيران لا يكمن مطلقًا في الواقع: أي في حقيقة أنَّ الناس هناك معرَّضون منذ أكثر من أربعة عقود لخطر التعذيب والسجن والموت لأسباب تافهة، بل إنَّ أسوأ شيء في الحقيقة هو أنَّ “الجمهور الغربي لا يصله سوى القليل – أو حتى لا شيء – مما يحدث كلَّ يوم في إيران”. وهذه الفجوة بين عنف الأحداث ونقص العناوين في وسائل الإعلام تلقي بثقلها الكبير على الناس في إيران، وخاصة على النساء، بحسب تعبير غولينه أتاي. وهذا يجعلهم يشعرون بأنَّهم وحيدون في وضعهم المأساوي.

تذكر غولينه أتاس أن الإيرانيات اللواتي  تحدَّثت معهن، كثيرًا ما كُنّ يقلن إنَّ حياة الناس في إيران ربَّما لا تساوي شيئًا، وإلَّا فكيف يمكنهن تفسير عدم اهتمام الرأي العام الغربي. تسعى غولينه أتاي من خلال كتابها هذا إلى إسماع صوت بطلات إيران غير المرئيات.

ومن أجل ذلك فقد قامت في الفترة بين خريف 2020 وصيف 2021  بإجراء حوارات مع إيرانيات بعضهن يعشن في داخل إيران وبعضهن في المنفى، في تركيا وبلجيكا وسلوفينيا وكندا والولايات المتَّحدة الأمريكية، وجميعهن أصبحن قدوة بفضل كفاحهن بمختلف أشكاله. إنَّهن نساء شجاعات شجاعةً مذهلةً وقد دفعن من أجل موقفهن ثمنًا باهظًا – ومع ذلك لا أحد يسمع عنهن أي شيء في الواقع.

صوت لبطلات إيران غير المرئيات

تُعَدُّ معاداة النساء ركنًا أساسيًا من أركان النظام السياسي في إيران. ويبدو أنَّ أصحاب السلطة يخافون من النساء أكثر من خوفهم من خصومهم الإيديولوجيين، مثلما  تكتب غولينه أتاي.

لقد ألغى آية الله الخميني بعد خمسة عشر يومًا فقط من وصوله من منفاه في باريس إلى طهران في عام 1979 التشريع القانوني التقدُّمي الخاص بالزواج والطلاق، والذي تم إصلاحه في عهد الشاه.

وبذلك حصل الرجال من جديد على الحقّ في الزواج من أربع نساء والطلاق متى أرادوا هم ذلك وليس النساء. وقد تم إعدام وزيرة التعليم السيِّدة فرخ رو پارسا لأنَّها تمثِّل نظام الشاه، علمًا بأنَّها كانت أوَّل امرأة شغلت منصبًا وزاريًا في إيران.

وكانت والدة غولينه أتاي في ذلك الوقت من بين النساء اللواتي تظاهرن من دون جدوى ضدَّ القيود المفروضة من قِبَل الحكَّام الجدد. وقد كانت هذه انتفاضات أخيرة ضدَّ قيام الجمهورية الإسلامية.

ولكن المقاومة ضدَّ هذا القمع ما تزال مستمرة وباتت تتَّخذ أشكالًا مختلفة تمامًا. إنَّ حكايات غولينه أتاي الشخصية وسير النساء الذاتية هي التي تجعل هذا الكتاب مميزًا للغاية ومختلفًا عن القصص الأخرى من “داخل إيران”.

وقد تمكَّنت الكاتبة من تحقيق اختيارها هذا فقط بفضل سيرتها الذاتية واتصالاتها الطويلة.

في هذا الكتاب قصص مقاومة عنيدة لا تُقهر وبحث عن الكرامة. وغولينه أتاي قريبة جدًا من تجارب النساء، اللواتي تحدَّثت معهن، وهي تشاركهن أَلمهن من حقيقة أنَّ التغيير غير ممكن على ما يبدو ضمن إطار نظام الجمهورية الإسلامية.

وعلى الرغم من أنَّ جميعهن كان يجب عليهن المرور بهذه التجارب خلال سيرهن الذاتية، ولكنهن استخلصن من ذلك استنتاجات مختلفة.

كتابٌ مخصَّص لنساء لم تُسْمَع أصواتهن قطّ

ومن بين هؤلاء النساء، على سبيل المثال، الناشطة المدافعة عن حقوق الإنسان شيوا نظر آهاري، التي شاركت عام 2005 في إطلاق حملة المليون توقيع خلال ولاية الرئيس محمد خاتمي المنتهية، وقد كانت هذه مبادرة من أجل توعية الجماهير بوضع النساء القانوني والتمهيد من خلال جمع التواقيع إلى تقديم طلب لتغيير القوانين المعادية للنساء.

لقد تعرضت شيوا نظرا آهاري للسجن مرتين  بسبب نشاطها، ثم انتقلت وهي منهكة إلى المنفى في سلوفينيا. وهنا نذكُر أيضا الناشطة آتنا دائمي، التي كانت تكافح من أجل إلغاء عقوبة الإعدام. من المعروف أنَّ إيران تحتل بعد الصين المرتبة الثانية عالميًا في عدد الإعدامات.

وساعدت آتنا دائمي خلال احتجاجات عام 2009 عائلات المُحتجِّين المسجونين والمقتولين وشاركت في حملة أطلقها ناشطون ضدَّ عقوبة الإعدام وكانت تحتج أمام السجون إلى أن تم اعتقالها هي أيضًا وقد حُكم عليها بالسجن خمس سنوات بعد أن رفضت إبداء “التوبة”. وفي السجن، دخلت في إضراب عن الطعام بسبب ظروف سجنها الوحشية.

وفي هذا السياق نشير أيضا إلى الصحفية صحرا روستا، التي تعمل في المنطقة الحدودية مع باكستان وأفغانستان، أي في مقاطعة سيستان وبلوشستان، وتقوم بتوثيق حياة الناس في هذه المنطقة الأقل تطوُّرًا ونمُوًّا من بقية ولايات إيران، والتي تتضرَّر بشكل خاص من تغيُّر المناخ. تتميَّز هذه المنطقة بالجفاف ونقص المياه والفقر ويشكِّل سكَّانها البلوشيون السُّنَّة أقلية في إيران.

لقد تعرضت الصحفية صحرا روستا للضغط  من قِبَل الحرس الثوري من أجل إرغامها على التراجع عن تقاريرها الصحفية غير المُوثقة بوثائق حول التمييز بحقّ الأقليات واعتبارها تقاريرَ “عاطفيةً” ومتأثَّرةً “بمشاعرها الأنثوية”. ورضخت صحرا روستا لهذا الضغط ووقَّعت على تراجعها عن تقاريرها لأنَّها تريد البقاء – على الأقل حاليًا – في إيران.

وهناك بطلة أخرى هي الموظفة آسام چنگروي، التي صعدت من دون حجاب فوق صندوق توزيع كهرباء في شارع الثورة بطهران وظلت واقفة فوقفه أربعين دقيقة وشعرها مكشوف. وأصبحت قدوة بالنسبة للعديد من النساء الإيرانيات. ومن أجل هذه اللحظة المحورية في حياتها فقد تحمَّلت آسام چنگروي إساءات واستجوابات لا تنتهي وفقدت حضانتها لابنتها.

وقبل وقت قصير من تسليم بنتها إلى زوجها السابق، تمكَّنت من الفرار إلى تركيا مع طفلتها.

يتردَّد في جميع التقارير الواردة في الكتاب صدى السؤال عما إن كان من المنطقي البقاء أو إن كان من الأفضل المغادرة. وغولينه أتاي لا تُقيِّم قرارات النساء المختلفة، بل تقابل شخصياتها بالكثير من التعاطف وتشعر بظروفهن الخاصة.

خوف النظام في طهران من النساء

يتساءل المرء بشكل عفوي أثناء  قراءته هذا الكتاب لماذا يخاف أصحاب السلطة من النساء. وسبب هذا الخوف على أية حال ليس “الإسلام”، لأنَّ تفسيره كثيرًا ما يتم بشكل مختلف، مثلما تؤكِّد غولينه أتاي. من بين النساء المُحاورات السيِّدة فاطمة سبهري، وهي ابنة رجل دين كافحت كفاحًا متعِبًا من أجل حقها في التعليم وأصبحت فيما بعد ناشطة في مجال الدفاع عن حقوق المرأة معروفة دوليًا، وتقول مجيبة على هذا السؤال إنَّ “النساء أقوى من الرجال”.

وتضيف أنَّ الحكَّام قد فهموا هذا تمامًا وهم لهذا السبب يضطهدونهن. وبحسب تعبيرها فإنَّ أكثر من خمسمائة ناشطة في مجال الدفاع عن حقوق المرأة يقبعن حاليًا في السجون الإيرانية. وبالتالي فإنَّ الكفاح من أجل نظام أفضل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بكفاح النساء الإيرانيات من أجل مساواتهن في الحقوق.

ولكن الناس في الغرب لا يريدون معرفة الكثير عن مصائرهن. حيث لا توجد في الغرب سوى القليل من التقارير الإعلامية حول انتهاكات حقوق الإنسان ضدّ الإيرانيات (والإيرانيين). ومصائرهن تبقى – هذا إذا وصلت أصلًا إلى نشرات الأخبار في الغرب – مجرَّد تقارير إعلامية جافة لا تُكوِّن صورة واضحة عن الأشخاص المعنيين فيها.

وهذا يعود أيضًا إلى عدم الرغبة في تزويد تلك الدوائر، التي تتَّبع مسارًا متشدِّدًا مع إيران – مثل الجمهوريين في الولايات المتَّحدة الأمريكية – بمبرِّرات أخرى لسياساتها. 

ولكن بالنسبة إلى غولينه أتاي لا يمكن أن يكون الصمت حيال انتهاكات حقوق الإنسان هذه بدافع المنفعة السياسية هو الحل. وبالإضافة إلى ذلك كثيرًا ما تتطرَّق المؤلفة إلى أحد الأوهام والأكاذيب الأخرى المفضَّلة لدى الغرب: فهي تبيِّن أنَّ كلَّ مَنْ يضع ثقته في مَنْ يسمون بالإصلاحيين في إيران يأمل ولكن من دون جدوى في إحداث تغيير جوهري في إيران.

وذلك لأنَّ الإصلاحيين فقدوا منذ فترة طويلة مصداقيتهم لدى الشعب. وهؤلاء الإصلاحيون “يساريون تم خلقهم من ضلع الجمهورية الإسلامية”، ولكنهم لا يشكِّلون بديلًا حقيقيًا للنظام، مثلما تقتبس غولينه أتاي عن صحفي إيراني يعيش في المنفى.

لقد كتبت الكاتبة الصحفية غولينه أتاي كتابًا شخصيًا للغاية ومؤثِّرًا، يُقدِّم للقرَّاء لمحةً نادرةً عن المجتمع الإيراني ونسائه المُقاوِمات.

قنطرة

Previous post زاهى وهبي صاحب خليك بالبيت وبيت القصيد ضيف شبكة المدار الإعلامية في حوار دافئ
Next post أسود الأطلس يفوزون على تشيلي
%d مدونون معجبون بهذه: