حرب الحجاب العالمية الأولى

أحمد عمر

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_ أشدّ سلاح على الأرض ليس القنبلة النووية، وإنما قنبلة جمال المرأة وسلاح حسنها ومدافع فتنتها التي فاضت بذكرها أنهار الشعر وبحار النثر.

يجري التعبير عن حسن المرأة التي ترى ولا تطال، بالنار والحرق والفرن والتنور في السرود العربية. ومن المعلوم أن الله حرم على عباده التعذيب بالنار، فلا يحرق بالنار إلا رب النار، لكن الشركات التي تحكم العالم تحرق بها وتكوي، فلا تخلو بضاعة أو سلعة من صورة امرأة عارية تستلقي على فراش وثير، ولا يخلو فيلم من مشهد “جريء” بتعابير المعاصرين الشجعان المغاوير، وبين الجولتين في حفلات المصارعة تظهر امرأة بورقة توت وورقتي سرو لإذكاء الصراع، يجب أن نحمد الإسبان فحفلات مصارعة الثيران خالية من العاريات لأمرين:

الأمر الأول: أن الحلبة كبيرة وليست مثل حلبة المصارعة بين الثورين البشريين، والثاني أن الثور غيور، فلو أغروه بجسم “من غير هدوم” لانصرف إليه وبَطُلَ الصراع وتعطل العرض.


عبدت أقوام النار وما تزال، وقدس آخرون تجليها البشري، فعبدوا الآلهة الأنثى، عشتار واللات ومناة لدى العرب، وأفردوديت وأثينا عند الإغريق، وديفي ولاكشمي وبافاروتي عند الهنود..

لم يعبد إله في العصر كما عبد النجم السينمائي والنجم الكروي والنجم الغنّاء، استعاروا للبطل المعاصر لقبا من السماء هو: النجم والكوكب.

قد تكون المرأة سلاحاً وثغرة وعورة ينفذ منها العدو، وقد تكون جائزة وسبيّة يقطفها الغازي. والسبيّ أنواع وطرق وأضراب؛ السبيّ القديم المعروف وهو نتيجة من حصائل الحرب، يقتل المحارب عدوه ويسبي نساءه.. سبايا فتوحات المسلمين صرن أمهات خلفاء، وملكات.

وسبي معاصر ناعم.. جمّله السباة المعاصرون وحسّنوه، من غير خيل ولا ركاب، وقنّعوه وخادعوا به.. السبيّة المعاصرة هي الموديل والنجمة الفاتنة، وسالبة العقول والقلوب، فهي سبيّة وسابية. تغيرت أسماء بائعات الهوى والجنس المقدس، وأصبح اسمها نجمة يقتدى بها في ظلمات البر والبحر، وأما مثالية حتى لو كانت عقيما ليس لها سوى زبائن. يمكن الاستفادة من كتاب الباحثة الليبرالية فاطمة المرنيسي، ففيه عظات وعبر: شهرزاد ترحل إلى الغرب الذي تتحدث فيه عن الحريم الغربي المعاصر أجلى الحديث وأفقهه.

الذكور هم الذين يتحاربون، والمرأة بعد الحرب جائزة كل الحروب، والحجاب تثبيتاً أو نزعاً هو إحدى رايات النصر أو حصن العزة والمنعة، ولهذا تدور حرب عالمية صامتة من غير دماء في عدة دول على الحجاب مثل فرنسا (رائدة العلمانية وفصل اللبن عن الزبدة) وهولندا..

حظرت دول أوروبية أخرى الحجاب في الأمكنة العامة، وحذت حذوها الشركات الخاصة، فضيّقت على المحجبات وحجبتهن عن الكسب خشية على هوية البلاد الدينية، وتسير دول عربية علمانية وأخرى محافظة في ظل العربة الأوروبية، فإما هي تدافعه بالقوانين والتشريعات كما فعلت تركيا الأتاتوركية وتونس البورقيبية، وإما تنزعه انتزاعاً في الشوارع، في موجات وهبّات كما فعلت وحدات “الولي الصالح” رفعت الأسد، أو دول تختلسه خلساً مثل السعودية ومصر في عهد السيسي.

وكانت البي بي سي البريطانية بالعربية قد بثت تقريراً عن الأندية والمطاعم المصرية الفاخرة، التي حرمت دخول المحجبات، وقيل في التبريرات إن المنع كان حرصاً من مالكي المطاعم التقاة على دين المحجبات وتقواهن من أن يراق على جوانبه الخمر.

النساء في الأغلب الأعم أقل ميلا للحرب، فالرقة وشدة العاطفة والحنان من شمائلهن. والدول الاستعمارية تزكي النساء للولاية العامة في الدول الصديقة، فهي مدرسة كما قال أحمد شوقي في بيته الشهير، وقد تصير ثكنة إذا أعددتها، وهن أطوع وأخلص في القتال. أغلب الفاتحين ذكور، ويفضلون محاربة النساء شديداتٍ أو رقيقات، ولهذا صار تأنيث البرلمانات شرطا في موازين التقدم الحضاري والحداثة.

فتوّة الحارة المصرية كان يكره خصمه المهزوم الإقرار بأنه “مرة”، الإكراه ناعم ومقنّع عند “الفتوّة” الغربي.

أول ما تفعله السلطة العربية عند توليها الحكم في انقلاب، هو نزع سلاح المغلوبين، والحجاب أحد الأسلحة الدفاعية، سوى أنه دين، لذلك تنشط الحكومات العربية المسلمة غير المؤمنة في تجديد الدين. في الحديث: إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا، لكن ما نراه أن المجددين غير قابلين للإحصاء لكثرتهم، وتجديدهم محصور في شأن المرأة حتى أفتوا من غير أن يرف لهم جفن أو تطير لهم عباءة: الحجاب عادة، حتى خشينا أن يقولوا: عادة شهرية!

ثمة حروب كثيرة أشعلتها الحسناوات؛ سالومي التي طلبت رأس النبي يحيى مهراً لها، وهيلين التي أشعلت حرب طروادة، وحرب روما والسابين، حرب قبرص وإنجلترا، أما فتح عمورية فحرب نجدة وإغاثة.

بلغ عديد ضحايا مظاهرات نزع الحجاب في إيران ما يزيد عن أربعين قتيلاً حتى ساعة كتابة هذا المقال. وإيران والسعودية خصمان، وكلاهما يتخذ المرأة وحجابها وسيلة للشرعية وذريعة للحكم والطاعة إلزاما أو خلعا. أنشئت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأربعينات، ومُنعت المرأة من قيادة السيارة، إلى أن جاء “المجدد المصلح” ولي العهد السعودي ابن سلمان، فجعل أجر رخصة قيادتها السيارة ثمنا لولاية العرش لدن الغرب. ويثني الحداثيون على قرارات ابن سلمان سراً، ويستبشرون بها خيراً، ويغضون عن قتل خاشقجي، أما إصلاحاته فهي في هيئة المرأة واللهو واللعب وليست في إدارة الحكم والديمقراطية.

يغضي حكم الملالي في إيران عن غرة المرأة، ويبيح زواج المتعة، لكن الإكراه كريه دوماً، ويفضي إلى نقيضه، فالممنوع مرغوب، لأن الإيمان والتقوى مكانهما القلب، والإكراه والقسر يدمران الدين.

كان المرء يعثر على أقوال حق توافق العرف والدين في بعض أفلام السينما، فالسينما هي دار عبادة الحداثيين، مثل قول غوار في أحد مسلسلاته عند القاضي، وقد اتُهم بالتحرش، إنّ سبب تحرشه بالمرأة أنها ترتدي “الميني جوب”، فيدافع قائلاً عن نفسه: إنها هي المعتدية عليه بزيها، وقول باسم سمرة في أحد أفلامه وقد رأى صبية في حارته ترتدي أحسن الأزياء المغرية الشافّة: هو أنت محدش مالي عينك يا بت، يعني: كفى حرباً.

معظم الحروب بين الدول هي على الأرض والثروة؛ روسيا وأوكرانيا، كوريا الشمالية والجنوبية، الصين وتايوان، اليونان وتركيا، روسيا وتركيا، لبنان وإسرائيل، سوريا وإسرائيل، فلسطين وإسرائيل، الأردن وإسرائيل، مصر وإسرائيل.

من كنى المرأة في القرآن الكريم الأرض؛ “نساؤكم حرث لكم”، فالرجل يحرث أرضين، أرضاً بالنبات، وأخرى بالرجال. سأل أحد الأصدقاء عن الغلالة التي كست وجوه نساء الأسرة البريطانية المالكة في عزاء الملكة إليزابيت، وهي غلالة رقت كثيراً، والجواب إنها ما بقي من النقاب القديم، حرصاً على جلال الموت من جمال الأنثى.

النساء يكسرن الظهر من غير صارم مصقول أو سيف مسلول، والغربيون الذين عاشوا ثورة جنسية، اكتسبوا بعض المناعة من الكسران المبين، بل إنهم تجاوزوها، فضلّوا إلى عقم الميم ومجتمعات قوس قزح، والبيدوفيلية.

معلوم أنّ الكتاب المقدس يعيد الخطيئة إلى المرأة، وأن أول حرب أوروبية هي طروادة وأن سببها امرأة اسمها هيلين. وفي قصة حب مم وزين الكردية، يخسر مم حرب الشطرنج، وهو بطل في اللعبة، عندما يضيف خصمه جندياً إلى الشطرنج، ليس الفيل ولا الحصان ولا الوزير ولا القلعة، كان الجندي الذي تحالف معه خصمه هو حبيبته زين، أبرزها له في الشرفة، فتكسر ظهره وخسر.

قلنا إن هوليود هي أولمب العصر والأوان، وفي فيلم “قلب شجاع”، نرى حصان طروادة غير الذي عرفنا في طروادة الأولى، فالقلب الشجاع والاس الأسكتلندي يودع نطفته في رحم زوجة ولي العهد البريطاني أدوارد، الأميرة إليزابيت، سفاحا.

فصدق فيه قول المتنبي معدولا:

“النزو” قَبلَ شَجاعَةِ الشُجعانِ    هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ المَحَلُّ الثاني

عربي 21

Previous post شكوى قتل للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ضد هولندا
Next post إيطاليا تصل لنهائي أمم أوروبا
%d مدونون معجبون بهذه: