woman with blue eyes wearing purple hijab scarf

بين تاريخ “النسوية الغربية” وتاريخ المرأة العربية.. هل كانت نساؤنا تعيش قبل الحداثة في عذاب وتعاسة؟

محمد شعبان أيوب

شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_”الإسلام قد رفع حال المرأة الاجتماعي وشأنها رفعاً عظيماً بدلاً من خفضها، خلافاً للمزاعم المكررة على غير هدى، والقرآن قد منح المرأة حقوقاً إرثية أحسن مما في أكثر قوانيننا الأوروبية”. المؤرخ والفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون.

أثناء القرن التاسع عشر الميلادي وبدايات القرن العشرين ابتُليت الأقطار العربية باحتلال عسكري أوروبي غاشم، كان دافعه استغلال خيرات هذه الشعوب، وتغيير قناعاتها الثقافية والفكرية، التي ظلت تتكئ عليها لقرون متطاولة؛ لخلق حالة من “تذويب الهوية” حتى يسهل للمحتل أن يبقى في الأراضي التي يحتلها لأطول فترة ممكنة.

وفي ظل ذلك الاحتلال بزغت قضايا فكرية لا تزال أصداؤها ماثلة أمام أعيننا حتى يومنا هذا، وعلى رأسها قضية “حقوق المرأة” أو “النسوية العربية”، التي آثرت منذ لحظة بزوغها أن تنطلق من النموذج الغربي العلماني في أفكاره وتصوراته عن حقوق المرأة ومقاصدها ومظلوميتها، التي ما فتئت تنادي بها منذ لحظة ظهور هذه القضية في العالم العربي مع فاتحة القرن العشرين.

woman on rock platform viewing city
Photo by picjumbo.com on Pexels.com

لكن، هل أدرك هؤلاء الفارق الجوهري بين واقع المرأة العربية في عصر الحداثة وما قبلها؟ وهل يعرفون الفارق الثقافي والهوياتي الذي تقوم عليه منطلقات تلك الفكرة بين الحضارتين الإسلامية والغربية؟ أم أن دعوة هؤلاء إلى إعطاء المرأة حقوقها المسلوبة كانت ولا تزال في محلها؟ ذلك ما سنراه في سطورنا القادمة.

النسوية الغربية من النشأة إلى الاضطراب

بحلول منتصف القرن الثامن عشر بدأت مجموعة من المفكرين “المستنيرين” في أوروبا، بل وبعض القارات الأخرى، في تحدي طغيان المجتمعات الإقطاعية القائمة على الامتيازات المتوارثة للملوك والكنيسة والنبلاء، وهؤلاء النقاد المستنيرون جعلوا “حقوق الإنسان” مقابلاً “للحق الإلهي” للملوك، وعبّروا عن سخط الطبقة الوسطى الجديدة النامية، التواقة للتقدم، التي سئمت مظالم الهرمية الإقطاعية الفاسدة المتشددة.

وقد كانت هذه الدعوة في حقيقتها امتداداً لمسألة الإصلاح الديني، التي بدأت مع الراهب وأستاذ اللاهوت الألماني مارتن لوثر سنة 1517م، ويبدو أن هذه الدعوة قد دفعت النساء بدورهن إلى طرح قضية الظلم الواقع عليهن وعدم مساواتهن بالرجال، بل تحدي الطغيان المنزلي للرجال، وفي إنجلترا أصدرت ماري وولتسوتكرافت (1759-1797م) بدعم من جماعة التنويريين الذين تأثروا بروح ومناخ الثورة الفرنسية (1789م)، كتابها “دفاع عن حقوق المرأة” سنة 1792م، حيث تم تطبيق أفكار عصر التنوير لأول مرة على وضع النساء، وأصبح هذا الكتاب حجر الأساس للحركة النسوية الحديثة.

دعت ماري إلى “المساواة”، ورأت أن سبب الأزمة النسوية في عصرها يكمنُ في “الطغيان المنزلي”، إذ كان إنكار الحقوق السياسية والتعليم والعمل المتساوي مع الرجال على النساء بمثابة الطغيان، وكان اتكال المرأة مادياً على الرجال في الزواج بمثابة “دعارة قانونية”، كما نادت بالتعليم المختلط العام، وحق النساء في العمل بالتجارة والحرف، ويمكن للنساء أن يدرسن فن العلاج، ويكُنّ طبيبات كما أنهن ممرضات، كما وصفت في كتابها الآنف!

وقد تطور مفهوم النسوية منذ كتاب ماري “دفاع عن حقوق المرأة” في نهايات القرن الثامن عشر، وأصبح المرادف للنسوية في السياق الأوروبي العلماني المنبثق والمتأثر بروح الثورة الفرنسية ضد الملكية الطاغية، والتسلط الكنسي، وسلطة الإقطاع، بل وكل سُلطة سياسية ودينية واجتماعية تعامل الناس بالقهر، إنها حركة تسعى إلى تنظيم العالم على أساس المساواة بين الجنسين في جميع العلاقات الإنسانية، ورفض كل تمييز بين الأفراد على أساس الجنس، وتُلغي جميع الامتيازات والأعباء الجنسية، وتسعى جاهدة لإقامة اعتراف بالإنسانية المشتركة للمرأة والرجل باعتبارها أساس القانون والعرف.

على أن المتأمل في رصيد الحركة النسوية الغربية يرى أنها بلغت حداً لافتاً من التطرف، بل وأحياناً عدم وضوح الهدف والمقصد من وجودها؛ هل هو الدفاع عن حقوق المرأة، والمساواة المطلقة دون اعتبار للفروقات النفسية والبيولوجية بين الجنسين، أم أنها في ذاتها ثورة “جنسانية” أصبحت ترى “الرجل” وقناعاته وفكره مجرد عدو أو خطر في بعض الأحيان، وذلك ما نجده في كتاب “المرأة الحرة” الصادر سنة 1911م، الذي يرى أن النسوية “ليس لها حتى الآن عقيدة محددة”، بل بلغت هذه النسوية حد التوحش، فبحسب الباحثة “بيغي كورنيجر” هي “وحش متعدد لا يُمكن تدميره بضربة عُنق مفردة؛ إننا ننتشر وننمو بطرق مبهمة بالنسبة للعقلية الهرمية”.

هذه المعاناة والمظلومية والشكوى الدائمة من الحقوق المهضومة التي سعت وتسعى إليها الحركة النسوية الغربية جعلتها تتطرف في تقديم الحلول، التي رأتها متحققة في “ثورة جنسية سحاقية”، كما قدمت جيل جونستون الناقدة النسوية في كتابها “أمة السحاق؛ الحل النسوي” الصادر سنة 1973م؛ حيث تقول: “الحركة النسوية في جوهرها شكوى ضخمة، المثلية الجنسية هي الحل… إلى أن تصبح جميع النساء مثليات لن تكون هناك ثورة سياسية حقيقية، لم تقم ناشطة نسوية في حد ذاتها بطرح حل خارج التأقلم مع الرجل”.

قاسم أمين مؤسس النسوية العربية

قامت الحركة النسوية في الغرب على مظالم ومطالب حقيقية وواضحة، وانتهت في الفضاء الغربي إلى الثورة الجنسانية بالكلية، طالت أصداؤها الحركة النسوية العربية التي بدأت في الأساس مع المحامي المصري قاسم أمين في كتابيه: “تحرير المرأة” الصادر سنة 1899م، و”المرأة الجديدة” سنة 1900م، وقد عبر أمين عن هذه المطالب بوضوح قائلاً:

“كان الأوروبيون يرون رأينا اليوم في النساء وأن أمرهنّ مقصور على النقص في الدين والعقل وأنهن لسن إلا عوامل الفتنة وحبائل الشيطان، وكانوا يقولون إن ذات الشعر الطويل والفكر القصير لم تُخلق إلا لخدمة الرجل، وكان علماؤهم وفلاسفتهم وشُعراؤهم وقسيسوهم يرون من العبث تعليمها وتربيتها، ويسخرون من المرأة التي تترك صناعة الطعام وتشتغل بمطالعة كتب العلم، ويرمونها بالتطفل على ما كانوا يسمونه خصائص الرجال”.

جاء كتابَا قاسم أمين الآنفانِ ليكونا صرخة في وجه العادات والتقاليد الفظة التي استُخدمت ضد المرأة في القرن التاسع عشر وما قبله وحتى زمنه، وأغلب هذه العادات في الأصل إنما تخالف الهدي النبوي وفعل الصحابة، فهو يعترض على عادة زواج البنات لأزواج لا يعرفونهن على الحقيقة، قائلاً: “والمرأة التي يسوقها والدها كالبهيمة إلى زوج لا تعرفه ولا تعرف شيئاً من أحواله معرفة تسمح لها بأن تتبين حقيقة أمره، وتحصل لنفسها رأياً فيه لا تُعتبر حرة في نفسها، بل تُعد في الحقيقة رقيقة، ومن المعلوم أن عموم الآباء في جميع طبقات الأمة (في زمنه) يُزوّجون بناتهم على هذه الطريقة فيتخابرون مع الخُطَّاب ثم يعقدون عقد الزواج، أما هُنَّ فلا رأي لهنّ في هذا الأمر الخطير الذي تتعلق به سعادتهن وشقاؤهن في المستقبل”.

غير أن سخط قاسم أمين على العادات والتقاليد الخاطئة التي كان يتعامل بها الرجال مع النساء في عصره، قد دفعه إلى زيادة جرعة هجومه لينال من الفقهاء باعتبارهم جهلة كانوا أحد أسباب شقاء المرأة في نظره، ثم تطور هجومه إلى حجاب المرأة الذي اعتبره رمزاً من رموز العبودية والقيد والجهل، قائلاً: “زعم (الرجل) أن الله لما خلق الرجل وهبه العقل والفضيلة وحرمها من هذه الهبات، وأنها لضعفها وقلة عقلها وميلها مع الشهوات يلزم أن تعيش غير مستقلة تحت سيطرة الرجل وأن تنقطع عن الرجال، وتحتجب بأن تقصر في بيتها، وتستر وجهها إذا خرجت؛ حتى لا تفتنهم بجمالها، أو تخدعهم بحيَلها، وأنها ليست أهلاً للرقي العقلي والأدبي فيلزم أن تعيش جاهلة. وذلك هو السر في ضرب الحجاب وعلّة بقائه إلى الآن، فأول عمل يُعدُّ خطوة في سبيل حرية المرأة هو تمزيق الحجاب ومحو آثاره”.

وهي مقدمات تنبئ عن خلل معرفي واضح لدى قاسم أمين أودى به في نهاية المطاف إلى نتائج أكثر خطأ؛ ذلك أن حجاب المرأة لم يكن قط في الحضارة الإسلامية مرتبطاً بإرادة الرجل من عدمها؛ بل هو أمر إلهي قاطع الدلالة في القرآن الكريم والسنة النبوية، ولا كان الحجاب- كما نرى هذه الأيام- عائقاً للمرأة أمام التعليم والعمل ومواجهة الحياة؛ ولهذا فإن دفاع أمين عن مظالم المرأة-وبعضها كان متحققاً بالفعل ولا يزال- كان انطلاقاً في الأساس من التصور الغربي، الذي رأى أن أصل المشكلة يكمن عند القساوسة والرهبان، بل وعموم الرجال في عصر ما قبل الثورة الفرنسية، وهو تصور يحصر سبب المأساة في الدين ورجاله؛ لأنهم كانوا السبب في المآسي التي تعرضت لها المرأة الغربية، من حيث حرمانها من حق التعليم والعمل والحقوق السياسية، بل والآدمية في المعاملة المنزلية اليومية.

المرأة العربية قبل الحداثة

حتى يومنا هذا، تتخذ جمعيات حقوق المرأة المستقلة والحكومية العربية من قاسم أمين وآرائه نبراساً وأساساً، وهي التي لم تراعِ حقائق الإسلام تجاه ما أصّلته من حقوق للمرأة وواجباتها في ضوء القرآن والسنة، وسيرة النبي مع زوجاته وبناته، ولطالما كتب في هذه المسألة علماء الشريعة والتاريخ دراسات مستفيضة، منها الكتاب الصادر أخيراً بعنوان “المرأة ونقل المعرفة الدينية في الإسلام” لأسماء سيد، ترجمة أحمد العدوي، من منشورات دار “مدارات للبحوث والنشر”.

ففي هذا الكتاب المهم للباحثة الأمريكية ذات الأصول الهندية أسماء سيد، ترى المؤلفة أن الإسلام السلفي (أو ما تسميه الأرثوذكسية السنية وتقصد به عموم أهل السنة) هو التيار الذي حضَّ النساء على المساهمة في نقل المعرفة الدينية والعلوم الحديثية، وأن هذه المساهمة مرت بمراحل مختلفة، بلغت ذروتها في القرن الأول الهجري وفي عصور ازدهار “السلفية السنية” بين القرنين السادس والعاشر الهجريين. ويستكشفُ الكتاب تاريخ رواية النساء للحديث النبوي خلال عشرة قرون، منذ فجر الإسلام وحتى بداية السياق العثماني (من القرن الأول إلى العاشر الهجري).

وقد وصفت أسماء سيد بدقة مراحل صعود وهبوط المشاركة النسائية في رواية الحديث الشريف وهو أحد المجالات الأساسية لنقل المعرفة الدينية التي تُعد جوهر الحضارة الإسلامية التي استمرت عدة قرون. وبناء على هذا الاستقراء حاولت الكاتبة تحليل وضع المرأة في رواية الحديث من خلال المنظور الثقافي والاجتماعي والسياسي، واستخدمت بحرص المنظور المتعلق بالجندر أو الجنوسة، فلم تهمل دور الاختلاف بين الرجل والمرأة في المجتمعات الإسلامية، وأثر ذلك على وضعها في المشاركة في رواية الحديث النبوي، وفي الوقت نفسه لم تنزلق إلى تحليلات نسوية متعجلة، وعلى رأسها ما يتعلَّق بتهميش المرأة المسلمة تاريخيّاً في مجال العلوم الدينية، ومدى مساهماتها في التطورات التي طرأت على الشَّريعة الإسلامية والسلفيَّة السنيَّة.

وإذا كان ما يُشاعُ في الأوساط العلمية المصرية أن عصر العثمانيين هو عصر الانحطاط والجهل والخرافة، وأن المرأة في ذلك العصر كانت حبيسة المنزل لا تخرج من بيت زوجها إلا إلى القبر، كما ادّعى قاسم أمين في كتابيه “تحرير المرأة” و “المرأة الجديدة” وغيره، فإن باحثاً مدققاً مثل الدكتور عبد الرزاق عيسى في كتابه “المرأة المصرية قبل الحداثة مختارات من وثائق العصر العثماني” ينفي هذه الخرافة العلمية والتاريخية التي رددها المناوئون للتاريخ العثماني، أو الموالون لقضية لحقوق المرأة والنسوية العربية العلمانية.

ففي كتاب عبد الرزاق عيسى الصادر عن “دار الكتب والوثائق المصرية” وهي دراسة وثائقية رصينة، يقرر عيسى أن الادعاء أن “المرأة لم تنتبه لحقوقها سوى في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين مع كتابي قاسم أمين… وبعض هؤلاء يعتبر أن البداية كانت مع رفاعة الطهطاوي وكتابه “المرشد الأمين”، ويُهلل هؤلاء لعقد زواج رفاعة، حيث وضعت زوجته عدداً من الشروط في عقد الزواج، فاعتبروا ذلك نصراً للمرأة على يد من تلقى تعليمه في فرنسا، وهذه النظرة غريبة في مجملها، تريد أن تصم تاريخنا بما ليس فيه… وتؤكد وثائق المحاكم الشرعية عكس ما يدعي أصحاب الآراء السابقة، فهي توضح بما لا يدع مجالاً للشك أن المرأة حصلت على كافة حقوقها، فكانت لها ذمة مالية مستقلة تماماً عن الأب والأخ والزوج والابن، ومن حقها البيع والشراء… وكان لها أن تُوقف الأوقاف على نفسها وذريتها من بعدها أو توقفها على أعمال الخير”.

ويستكمل عيسى أنه “كان للمرأة أن تضع الشروط التي تراها مناسبة لها في عقد الزواج، وتلجأ للقاضي لو خالف زوجها هذه الشروط، وكانت المرأة تلجأ للقاضي طالبة الخلع من زوجها أو طالبة الطلاق لاستحالة العشرة… ورغم أن هذا الكتاب أكاديمي ويُنشر في سلسلة أكاديمية فإنني أهدف لتقديمه للقارئ المهتم بتاريخ بلده، الراغب في تصحيح المفاهيم المقلوبة”.

وتأتي دراسته ثرية في هذا الباب، من حيث أحوال المرأة الاجتماعية في الحرملك والزواج والطلاق والفسخ والرجعة والخلع، والحالة الاقتصادية من حيث الذمة المالية والميراث وعمل المرأة في المهن المختلفة، وقدرتها على إيقاف الأوقاف، ثم دلل على هذه الأمور بعشرات الوثائق التي تعود للعصر العثماني، وهي أكبر دليل على نقض كل مزاعم النسوية العربية الحديثة، التي تتهم الرجال والتراث بأنهم هضموا حقوق المرأة واستعبدوها وجعلوها شيئاً هامشياً في حياتهم.

وحتى من قبل العصر العثماني، في عصر المماليك (648-923هـ) اكتشفت مجموعة ثرية ومهمة للغاية من وثائق الحرم القدسي الشريف للأوضاع والأحوال الاجتماعية والاقتصادية والدينية في مدينة القدس الشريف في العصر الوسيط، ألقت لنا هذه الوثائق أضواء جديدة على الحياة اليومية للنساء في ذلك العصر، بددت فيها أوهام أن المرأة العربية في العصور الوسطى كانت مثل الجواري والعبيد، لا شأن ولا قيمة لها سوى المكوث في البيوت والمنازل وخدمة الزوج/السيد، ففي الوثيقة رقم 42 المؤرخة في 27 رمضان سنة 756هـ/ 5 (أكتوبر/تشرين الأول) 1355م، تبيّن أن إحدى نساء بيت المقدس واسمها الحاجة زاهدة بنت إدريس بن رازي بن عبد الله، اشترت بنفسها ولنفسها ومن مالها الخاص من الشيخ عبد الله بن محمد، دكانين من الدكاكين التي ذُكرت في أعلى الوثيقة، وتم نقل الملكية للمُشترية، بموجب عقد بيع شرعي نظير 350 درهماً تسلّمها منها البائع المذكور.

أما الوثيقة التالية رقم 43، والمؤرخة في 4 رمضان سنة 758هـ/ 31 (أكتوبر/تشرين الأول) 1383م، فتحدثنا عن امرأة اشترت من أخيها بيتاً، فقد جاء في نص الوثيقة أن “خديجة بنت الحاج أحمد بن عبد العزيز المشرقي تشتري من أخيها عمارة البيت من تركة والدها، الواقع في باب حطة، في حكر المدرسة الصلاحية، بمبلغ 250 درهماً دمشقيّاً”.

ومن نشاطات المرأة الاجتماعية آنذاك قدرتها وحريتها التامة في المساهمة في الأعمال الخيرية، إذ ثبت قيام المرأة المقدسية بحبس الأملاك ووقفها على مصالح الفقراء، ومثال ذلك الوقف الذي حبسته فاطمة بنت محمد بن علي المغربية، فقد ورد في الوثيقة رقم 833 المدونة بتاريخ 25 ربيع الأول 747هـ/ 16 (يوليو/تموز) 1349م، أن هذه السيدة أوقفت دارها المستجدة في حارة المغاربة بالقدس على الفقراء والعجائز، وبالإضافة إلى الوقف الذي حبسته عائشة الرومية في وثيقة أخرى.

شهادة فيلسوف غربي

والحق أن عدداً لا بأس به من المؤرخين والفلاسفة الغربيين المنصفين أدركوا الحرية والقيمة والمكانة التي تحصّلت عليها المرأة في ظل الإسلام وحضارته، ولك أن ترجع إلى كتاب “حضارة العرب” للمؤرخ والفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون، لترى في فصل “المرأة في الشرق” هذه الحقيقة الواضحة، فهو يقول: “والإسلام قد رفع حال المرأة الاجتماعي وشأنها رفعاً عظيماً بدلاً من خفضها خلافاً للمزاعم المكررة على غير هدى، والقرآن قد منح المرأة حقوقاً إرثية أحسن مما في أكثر قوانيننا الأوروبية، كما أثبتُّ ذلك حينما بحثتُ في حقوق الإرث عند العرب، أجل أباح القرآنُ الطلاق كما أباحته قوانين أوروبا التي قالت به، ولكنه اشترط أن يكون “للمطلقات متاعٌ بالمعروف”.

ولم يغفل لوبون أن حال المرأة في القرون الأخيرة تعرض لانتكاسات خلافاً لأحوالهن في عصور الإسلام المبكرة والعصرين الأموي والعباسي؛ لكنه لا يُرجع ذلك التأخر للإسلام أو القرآن، بل لأسباب ثقافية وسياسية فـ”نقصان شأنهن حدث خلافاً للقرآن، لا بسبب القرآن على كل حال… لم يقتصر فضل الإسلام على رفع شأن المرأة، بل نُضيف إلى هذا أنه أول دين فعل ذلك، ويسهلُ إثبات هذا ببيان أن جميع الأديان والأمم التي جاءت قبل العرب أساءت إلى المرأة”.

وينقل لوبون عن مدير مدرسة اللغات في القاهرة، الفرنسي مسيو دوفجاني رده على الزاعمين بأن المرأة العربية كانت حبيسة الحرملك في القرن التاسع عشر الميلادي وما تلاه؛ إذ يقول: “تعد المسلماتُ أنفسهن غير تعِسات من حياة العزلة التي يفرضها عليهن نظام الحريم… إن التعليم كثير الانتشار في دوائر الحريم، وليس من القليل أن تجد نساءً متزوجات وغير متزوجات تُجيد كلُّ واحدة منهن العربية والفرنسية والإنجليزية والتركية تكلماً وكتابة؛ فإذا ما اجتمع عدد كبير من المسلمات الراقيات في دوائر الحريم تحادثن باللغة الفرنسية”، ويعلق غوستاف لوبون على هذا النقل بقوله: “أما أنا فلم أشاهد عدداً كبيراً من الباريسيات اللاتي يتكلمن بأربع لغات تكلماً صحيحاً أو غير صحيح”.

وكفى بتلك المؤلفات والشواهد التاريخية السابقة والمتباينة قبل زمن الحداثة و”تحرر المرأة” وظهور “الحركات النسوية”، وبعضها بأقلام غربية، كفى بها دليلاً على الحرية والحقوق التي تمتعت بها المرأة العربية والمسلمة قديماً، في مجالات التعليم ونقل المعرفة واستقلالية الذمة المالية في البيع والشراء والأوقاف، والزواج والطلاق والخلع وضمان حقوقها كاملة أمام المحاكم الشرعية والقضاء الذي لا تزال آلاف من وثائقه تدلل على تلك الحقيقة.

نسوية إسلامية!

اتخذت النسوية العربية الحديثة المتأثرة بالتيار التغريبي، منذ قاسم أمين ومَن اتخذ مساره، مساراً جديداً دفع إلى إطلاق ما يُسمى بـ”النسوية الإسلامية”، وهي إفراز من إفراز الحركات الإسلامية التي نشأت بعد سقوط الدولة العثمانية، وسعت لملء الفراغ في المجال العام، وأدركت أهمية ودور المرأة في عصر حداثي معوَلم، يتنازع المجال العام فيه تيارات وأفكار اعتبرتها خطيرة في إطار الصراع بين الغرب والإسلام.

وفي هذه النسوية “الإسلامية” وجدنا رغبة النساء المسلمات الملتزمات في التصدي لمظاهر التشدد، فضلاً عن مظاهر الانحلال والتطرف المنبثقة من الحركات النسوية العلمانية والتغريبية؛ وذلك عبر حركة نسوية معولمة تُعبّر عن إسلام متسامح يُكرّم المرأة ولا يُهينها. فضلاً عن بروز شعور قوي لدى أولئك النسوة وطليعة من الرجال المسلمين بالإقرار والاعتراف بوجود ظلم وإجحاف شديدَين تتعرض لهما المرأة في ظل تلك البنى الاجتماعية والتاريخية الموروثة.

muslim businesswoman typing on laptop during coffee break at home
Photo by EKATERINA BOLOVTSOVA on Pexels.com

وهكذا وعبر استعراض موجز وتحليل لتاريخ النسوية وأطرها النظرية، ومدى الحقائق والأوهام المرتبطة بها، لا سيما حركات حقوق المرأة العربية، أدركنا ما وراء تلك الأبعاد والدعوات، ومررنا بمجموعة من المظالم الحقيقية التي تعرضت ولا تزال تتعرض لها المرأة العربية، فتم تناولها والتعبير عنها من خلال مساقين، أحدهما علماني تغريبي بدأ مع قاسم أمين، والآخر إسلامي عروبي انبثق من رحم الحركات الإسلامية، مع بيان بعض الأخطاء التي لا تزال تلازم العقل الجمعي المعاصر بخصوص المرأة العربية والمسلمة في أزمنة ما قبل الحداثة.

عربي بوست

Previous post  أسوأ الوظائف في العصر الفيكتوري
Next post نص يمدد جميع المفاعلات البلجيكية إلى ما بعد عام 2025
%d مدونون معجبون بهذه: